سلبيات التضحية من طرف واحد على الحياة الزوجية

تم نشره في الثلاثاء 14 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً
  • على الزوجين تبادل تقديم التنازلات - (أرشيفية)

منى أبو صبح

عمان- "التضحية تصنف على أنها سذاجة أحيانا" هذه الخلاصة التي استنتجتها الخمسينية أم فهد بعد زواج دام خمسة وثلاثين عاما مكللة بالتنازلات والتضحيات من قبلها لاستمرار الحياة الزوجية وإيصال الأبناء لبر الأمان.
تقول أم فهد بمرارة "عملت بنصيحة أمي، بأن الزوجة يجب أن تحافظ على بيتها وأولادها"، متابعة "صبرت على طباع وسلبيات زوجي الغريبة بفرض الرأي الدائم، وحرمانه المتواصل لي من مواصلة عملي الذي ندمت كثيرا جراء تركه". وتضيف "صبرت ووقفت بجانبه في أزمته المالية التي تعرض لها قبل ثلاث سنوات، وتخلى عنه جميع من حوله".
وتضحك أم فهد ساخرة وهي تقول "يعتبر زوجي تضحياتي هذه واجبة، وعلى المرأة أن تقوم بها، لكنه لا يتقبل أو يفكر بأن الزوج عليه التنازل في أي أمر يسعد الطرف الآخر أو يتمناه"، والأدهى من ذلك، "أننا لم نعد نرى وجهه بعد تخطي الأزمة والخروج منها، فأغلب وقته يقضيه بالسهر والمرح خارج المنزل"!.
يعتمد نجاح الحياة الزوجية على مقدار فهم كل طرف من أطراف هذه العلاقة للشريك الآخر، وعلى نجاح كلا الطرفين في تقديم التنازلات وبذل التضحيات على كافة الأصعدة الجسديَّة والعقلية والعاطفية والنفسية والاجتماعية، إلا أن بذل أحد الطرفين لهذه التضحيات وتقديمه تلك التنازلات بمعزلٍ عن مشاركة الآخر له قد يؤدي إلى عدم نجاح هذه العلاقة، خاصةً عندما يكون ذلك أثناء بداية الحياة الزوجية التي يكون فيها كل طرف غير قادرٍ على فهم الآخر وذلك لحداثة التجربة واختلاف طباع كلا منهما.
الأربعيني مصطفى الجمل، قدم تنازلات عدة من أجل أبنائه، فمنذ زواجه واجهته العديد من المشاكل مع زوجته بسبب غيرتها الزائدة وشكها المتواصل، حيث فكر في الانفصال الا ان تفكيره في الأولاد ومآلهم، جعله يمتنع عن هذه الخطوة عل "الزمن يغير النفوس"، وفق قوله.
ويقول الجمل "تحتاج الحياة الزوجية إلى التنازل والتضحية من الطرفين لا من طرف واحد، لكن حبي لأبنائي والنظر لمستقبلهم يجعلني أفكر بهم أكثر من نفسي، فلا يمكنني التخلي عنهم".
ويضيف "قد يتنازل الإنسان كثيرا في حياته، ولكن تنازله مقترن بالهدف، كما ان الحياة الزوجية مشتركة ومبنية على التفاهم والمودة بين أفرادها، فعندما يضحي أحدهما لا يشعر بالاستياء لأن الطرف الآخر يقابله ذلك في مواقف أخرى، وهذه هو الصواب".
الاختصاصي النفسي د. خليل أبو زناد يشير إلى أن التنازل "سلوك متفرد لا يتقنه إلا القلة القليلة من المبدعين في الحياة الزوجية"، ولأن هذا السلوك متفرد فإن من يتقنه لا بد أن تتوافر فيه عدة خصائص كي يقوم به على أكمل وجه، أهمها تمتعه بالحكمة والصبر وعدم الاستعجال.
ويلفت أبو زناد إلى جانب مهم في الموضوع بقوله إن الرجل بطبيعته "ذو سلطة مهيمنة وذو طابع هجومي بعكس النساء في الغالب"، منوها الى أن هذا الحديث لا يمكن تعميمه على جميع الرجال والنساء "فلكل قاعدة شواذ"، ومن هنا فإن أكثر الرجال "يميلون إلى القمع كأسلوب للتعبير عن قدرتهم لتسيير الحياة الزوجية، على نحو يغذي معتقداتهم غير الصحيحة عن مفاهيم الارتباط".
ويضيف أبوزناد هذا التوجه "بلا شك" سيكون من المسارات التي "تدمر الحياة بشكل بطيء"، ومن واقع المشاهدات التطبيقية لحياة الأزواج في العيادات النفسية فإن المحور الأساسي للمشكلات والخلافات الزوجية يكمن في "غياب مفهوم التنازل بين الأزواج"، وهذه من أخطر المشكلات التي تعصف بالعلاقة الزوجية في هذا الزمان والأسباب في ذلك كثيرة جدا.
"على الزوجين تبادل تقديم التنازلات"، وفق الأخصائية الأسرية والإرشاد التربوي سناء أبو ليل، التي ترى أن على كل طرف أن يتقبل مبدأ الاختلاف في الرأي لا بين الشريكين فحسب بل بين الناس عموما.
وتنوه إلى ضرورة أن يتحلى الشريك بالشجاعة اللازمة للاعتراف بالخطأ والتراجع عنه، فعلى كل منهما مراعاة مشاعر الآخر وتقديم التضحيات والتنازلات لأجله، من أجل أن يتمكن الطرفان من بناء حياة زوجية ناجحة.
وتعلق سهير نصيرات، المتزوجة حديثا، على تجربة شقيقتها الكبرى التي قضت حياتها في تقديم التنازلات من أجل أسرتها، فزوجها من الأشخاص اللامبالين الذين لا يتحملون المسؤولية بتاتا.
تقول نصيرات (29 عاما) "نجاح الحياة الزوجية يعتمد بشكل كبير على قدرة الزوجين على علاج ما قد يعترض طريق حياتهما الزوجيه بشيء من الصبر والحكمة والتضحية، وخصوصا عندما يرزقان بأبناء، لكن عندما يكون رب الأسرة سلبيا بكافة تصرفاته، فهذه هي الكارثة الحقيقية".
وتضيف "غالبية الزوجات يصبرن من أجل الأبناء والمجتمع وغيره، لكن برأيي يجب أن يكون هناك حل أفضل من السكوت والرضى بالأمر الواقع المهين".
وترى أبو ليل أنه "إذا اقتصرت التضحية على طرف واحد، فمن المؤكد أن النتيجة "سلبية"، حيث تعود الشخص الذي يضحى من أجله على "الأنانية"، منوهة إلى أن الأصل "التوازن بين الطرفين، فهناك أمور وحقوق أساسية للمرأة لا يمكن التنازل عنها وكذلك الرجل".
"هناك تأثير سلبي للتضحية من طرف واحد بين الزوجين على الأبناء"، وفق أبو ليل التي تجملها في ضعف الثقة بالنفس، ومن هنا على كل طرف أن يعرف حقوقه وواجباته ليؤديها على أكمل وجه دون انتقاص من حق الشريك.
وتشدد أبو ليل على ضرورة "عقد دورات تأهيلية للمقبلين على الزواج من منطلق العلم والشرع"، لتنشأ أسر مبنية على أسس زوجية سليمة.

muna.abusubeh@alghad.jo

@munaabusubeh

التعليق