أسطورة "القاعدة" في بنغازي الليبية

تم نشره في الأحد 12 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً
  • ليبي يحتج على مقتل السفير الأميركي كريس ستيفنز في بنغازي - (أرشيفية)

بوب دريفوس* - (ذا نيشن) 3/1/2014 ت
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يوم الأحد 29 كانون الأول (ديسمبر)، قوضت صحيفة "نيويورك تايمز" حجج المنتقدين الجمهوريين والمصابين بالهستيريا التي تتعلق بهجوم 11 أيلول (سبتمبر) من العام 2012 على المرفق الدبلوماسي الأميركي في بنغازي في ليبيا، والذي أفضى إلى موت السفير الأميركي كريس ستيفنز مع ثلاثة أميركيين آخرين. لكن القطعة التي ظهرت على الصفحة الأمامية، وملأت تفاصيلها ثلاث صفحات كاملة في الجريدة -مرفقة بخرائط ورسوم بيانية- أثارت أيضاً أسئلة مهمة لم تتم الإجابة عنها حول أخطاء إدارة أوباما التي سمحت بنجاح الهجوم في المقام الأول.
أثار مقال صحيفة التايمز غضبة في صفوف مفكري فوكس نيوز وغيرهم من المعلقين المحافظين الجدد، وفي صفوف الجمهوريين في الكونغرس، الذين حاولوا افتعال أزمة حول الهجوم والتستر المفترض من جانب وزيرة الخارجية في حينه، هيلاري كلينتون، وزمرتها. وظهرت ردود فعل أقل حدة بعض الشيء من جانب المنتقدين الأرجح عقلاً في الإدارة فيما يتعلق بفشلها في استباق الهجوم على المرفق الدبلوماسي، بالرغم من الكثير من التحذيرات والجو العام من انعدام القانون والمعاداة للغرب ونشاط المليشيات الإسلامية الراديكالية في بنغازي وما حولها.
كان استنتاج تحقيق نيويورك تايمز كما يلي: لم تكن للهجوم في بنغازي أي صلة بالقاعدة التي لم تكن قد أسست نفسها في ليبيا ما بعد القذافي، وأن الأمر بدأ جزئياً في الحقيقة كاحتجاج على شريط الفيديو بائس الإنتاج والمعادي للإسلام بشكل استفزازي، والذي جرى تداوله عبر الإنترنت، وأفضى إلى شن هجوم متزامن تقريباً شنه المحتجون ضد السفارة الأميركية في القاهرة أيضاً. وقالت التايمز:
"لم تظهر شهور من الاستقصاء الذي أجرته النيويورك تايمز وتركز على مقابلات أجريت مع ليبيين في بنغازي كانت لديهم معرفة مباشرة بالهجوم هناك وسياقاته، لم تظهر وجود أي دليل على أن تنظيم القاعدة أو أي مجموعات إرهابية أخرى كان لها دور في الهجوم. بل ان الهجوم تم بقيادة مقاتلين كانوا قد استفادوا مباشرة من القوة الجوية المكثفة للناتو والدعم اللوجستي خلال الانتفاضة ضد العقيد القذافي. وخلافاً لادعاءات بعض أعضاء الكونغرس، فقد تزود الهجوم بالوقود في الجزء الضخم منه من الغضب الشعبي الذي ولده شريط الفيديو الأميركي الصنع، والذي يسيء للإسلام".
واستشهدت النيويورك تايمز برسائل من تنظيم القاعدة كانت قد اعترضتها الاستخبارات الأميركية، مؤداها أن القاعدة كانت قد حاولت اختراق ليبيا في أعقاب إسقاط معمر القذافي، لكنها فشلت في الجزء الضخم من المحاولة، باستثناء منطقة رأس جسر صغير في جنوبي ليبيا. وقالت أيضاً إن الرجل الذي هندس هجوم بنغازي كان "دونكوشوتياً" وربما مريض عقلياً، والذي استطاع تجميع مليشات صغيرة لكنها مسلحة جيداً، وهي واحدة من عدة ميلشيات أسست في منطقة بنغازي.
لطالما أصر مايك روجرز، الرئيس الجمهوري للجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النواب الأميركي، على القول إن الهجوم في بنغازي كانت له صلة بالقاعدة، وأنه شعر بالسكتة القلبية من تقرير نيويورك تايمز، على نحو يمكن التنبؤ به. لكن روجرز بدا في تعليقاته على محطة فوكس نيوز وكأنه يتراجع قليلاً من خلال القول بأنه كان لدى القاعدة "طموح" إلى مهاجمة الولايات المتحدة في ليبيا. وقال روجرز: "كان هناك تطلع إلى شن هجوم من جانب القاعدة والتنظيمات التابعة لها في ليبيا. ونحن نعرف ذلك. وقد تحدث الأفراد على الأرض عن حركة تكتيكية مخططة على المجمع (الأميركي). ومن شأن كل ذلك أن يناقض على نحو مباشر ما تقوله النيويورك تايمز، والذي أكدت أنه كان استقصاءً شاملاً".
في دفاعه عن مقاله المثير للاهتمام، يقول الكاتب ديفيد كيركباتريك إنه من الخطأ وصف كل إسلامي ينطوي على ضغينة تجاه الولايات المتحدة بأنه من "القاعدة". ويقول: "لا يوجد أي احتمال بأنه كان هجوماً من القاعدة وأنت تعني التنظيم الذي كان أسامة بن لادن قد أسسه. أما إذا كنت تستخدم مصطلح القاعدة لتصف به حتى مجموعة محلية من المتشددين الإسلاميين الذين قد لا يحبون الديمقراطية أو ينطوون على ضغينة تجاه الولايات المتحدة، وإذا كنت ستصف أي شخص مثل ذلك بأنه من القاعدة، فذلك حسن".
في المقابل، يقول تقرير لمحطة فوكس نيوز إن مصادرها "تحدت بحدة" تقرير التايمز القائل بأنه لم يكن للقاعدة أي صلة بهجوم بنغازي. ويقول العديد من المنتقدين في الجناح اليميني الذين يهاجمون التايمز أن الصحيفة تتدخل عن عمد لصالح هيلاري كلينتون التي تخطط لخوض الانتخابات الرئاسية في العام 2016، خاصة وأن الجمهوريين والآخرين ينوون استخدام فضيحة بنغازي المفترضة كعصا ثقيلة ضد حملة كلينتون. ويلاحظ مقال افتتاحي للنيويورك تايمز نشر مؤخراً أن "الجمهوريين تخلوا منذ وقت طويل عن التعقل والحكم الجيد في متابعة المهووسين بنظرية المؤامرة، والجهد الرامي إلى نزع الثقة في الرئيس اوباما وفي وزيرة الخارجية السابقة هيلاري رودهام كلينتون، التي قد تخوض الانتخابات الرئاسية في العام 2016".
وتضيف الصحيفة: "في برامج الحوار يوم الأحد، استبعد النائبان الجمهوريان مايك روجرز وداريل عيسى، وهما من بعض منتقدي الإدارة الذين لا يتوقفون عن الانتقاد حول هذا الموضوع، استبعدا تحقيق التايمز واستمرا في الدفع بنسختهما الخاصة عن حقيقة ما جرى في بنغازي.
"تحدث السيد عيسى عن تعتيم الإدارة. وقال السيد روجرز، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب والذي وصف بنغازي بأنه كان "حدثاً مرتباً سلفاً وإرهابياً" أن ما توصلت إليه لجنته من استنتاجات بأن القاعدة متورطة كانت تستند إلى فحص 4000 برقية سرية. إذا كان لدى السيد روجرز دليل على دور مباشر للقاعدة، فإنه كان يجب عليه إعلانه على الملأ".
بشكل عام، يسوق منتقدو تقرير التايمز معادلات سطحية، وتحديداً أن الإسلاميين ومجموعة ميليشيا أنصار الشريعة والقاعدة هي كلها نفس الشيء. ويقولون إن هناك المعادل للحرب على الإرهاب تحت رئاسة جورج دبليو بوش، الذي أعلن أن إيران وصدام حسين والقاعدة والإخوان المسلمين وحزب الله وحماس وطالبان، كلهم متصلون بعض الشيء في حرب إسلامية معادية لأميركا –وهو استنتاج يتجاهل الاختلافات العميقة بين تلك الكيانات، لكنه يسمح بشكل موات لإدارة بوش بشن الحرب من العراق إلى أفغانستان وما وراءهما، والتهديد بشن حرب على إيران.
كما يوضح تحقيق التايمز، فإن الهجوم على المرفق الأميركي الدبلوماسي في بنغازي لم تنخرط فيه لا القاعدة ولا أنصار الشريعة، وإنما نفذه شخص "ساخط" يسمى أحمد أبو ختالة. ويقول التقرير:
"في هذه الحالة، كان الشخص البارز في الهجوم هو قائد مليشيات ساخط غريب الأطوار يدعى أحمد أبو ختالة، وفق العديد من الليبيين الذين كانوا حاضرين في حينه. ويصفه المسؤولون الأميركيون الذين اطلعوا على إيجاز على التحقيق الجنائي الأميركي في عمليات القتل أنه مشتبه به رئيسي. وكان السيد أبو ختالة قد أعلن صراحة وبشكل متكرر أنه وضع الولايات المتحدة في وقت ليس ببعيد عن سقوط العقيد القذافي على قائمته من الأعداء الكفار. لكنه لم يُعرف بأن له صلات مع مجموعات إرهابية. وكان قد أفلت من مراقبة محطة الاستخبارات المركزية الأميركية لحوالي 20 شخصاً في بنغازي، والتي كانت قد أنشئت لرصد الوضع الداخلي".
ضم ملف التايمز ملفاً تفصيلياً عن "أبو ختالة" واحتوى الملف على اقتباس لاذع من شخص ليبي، عضو في البرلمان يسمى محمد أبو سدرة كان يعرف أبو ختالة جيدا: "إنه مخلص، لكنه جاهل جداً، ولا أعتقد بأنه سليم 100 في المائة من الناحية العقلية. ودائما أسأل نفسي، كيف أصبح قائداً؟".
قد يصح وصف أولئك، بمن فيهم مايك روجرز، والذين يحاولون أن يستخرجوا من هذه الحادثة أكثر من حقيقتها وتحميلها ما لا تحتمل، بأنهم "ليسوا أصحاء عقلياً 100 في المائة" أيضاً.

* محرر مساهم في مجلة "ذا نيشن" وصحفي استقصائي يعيش في نيويورك، متخصص في شؤون السياسة والأمن القومي. وهو مؤلف كتاب: "لعبة الشيطان: كيف ساعدت الولايات المتحدة في إطلاق عنان الإسلام المتشدد". وكتب بانتظام لرولينغ ستون وذي أميريكان برسبكت وماذر جونز.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: The Benghazi Al Qaeda Myth

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

abdrahamanalhuseini@

التعليق