لا تخلقوا "قاعدة" جديدة في مصر

تم نشره في الجمعة 10 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً
  • مصري مؤيد للإخوان المسلمين يرفع شعار "رابعة" - (أرشيفية)

دانيلي بنيامين وستيفن سايمون - (نيويورك تايمز) 6/1/2014
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
في الفترة الأخيرة، شن قادة الجيش المصري حرباً شاملة على جماعة الإخوان المسلمين. وقد راقب القادة الأميركيون والأوروبيون هذه الحملة بحس من الانفصال، لأنهم يتوافرون على آليات قليلة للتأثير على صنع القرار في الجيش المصري، ولأن هذا الصراع يبدو وأنه مسألة داخلية في الوقت نفسه.
لكن الاعتقاد بأن هذا الصراع الذي يزداد كثافة سيجري فقط في داخل حدود مصر وحدها لا يعدو كونه اعتقادا زائفا. وفيما تزداد حدة العنف ويتعمق تطرف الإسلاميين، تهدد أزمة مصر بصب المزيد من الوقود على النشاط الإرهابي المتواصل في شمال أفريقيا، وبتفريخ موجة جديدة من الهجمات ضد أهداف غربية، تماماً مثلما أفضت الحملة المعادية للأسلمة، والتي كانت قد بدأت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، إلى صعود تنظيم القاعدة.
شكل قمع الإسلاميين في مصر مرحلة أساسية في ظهور الاتجاهات الجهادية المعاصرة. وفيما تشكلت مجموعات منشقة كانت أكثر تطرفاً بكثير إذا ما قورنت بالإخوان المسلمين، أصبح الإسلاميون أكثر عنفا، وفي السبعينيات (من القرن الماضي)، شكل عضو كاريزمي سابق في الإخوان المسلمين، شكري مصطفى، جماعة التكفير والهجرة، وهي إحدى الجماعات المنافسة المبكرة لتنظيم القاعدة. وفي الأثناء، صمم محمد عبد السلام فرج إيديولوجية الجهاد، وقامت المجموعة الأخيرة في نهاية المطاف باغتيال الرئيس أنور السادات، وقدمت الكثيرين من قيادات القاعدة في وقت لاحق، بمن فيهم أيمن الظواهري؛ الزعيم الحالي للمجموعة.
في هذه الأوقات، يتجه الوضع في مصر إلى الأسوأ كما يعرف المصريون ذلك بوضوح، رغم أن البعض يخدعون أنفسهم بالقول إن مقداراً كافياً من الوحشية والصرامة سوف يجلب الاستسلام. ويظهر تجريم جماعة الإخوان المسلمين التي كانت قد نبذت العنف في السبعينيات (من القرن الماضي) واحترمت ذلك التعهد طوال فترة حكم الرئيس محمد مرسي المبتورة، يظهر أن هناك خطاً تم تجاوزه، وأن وعود الجيش بالعودة إلى الديمقراطية لا تعدو كونها وعوداً جوفاء.
يمثل هذا التحول ضد الإخوان خطأ مصيرياً. فلطالما كان يُنظر إلى القمع المقترن بالاستبداد السياسي على أنه يفضي إلى التطرف، لا سيما وأن الأمل الكبير الذي علق على الربيع العربي ركز على أن التخلص من الأنظمة الاستبدادية سيضع حدا للحكم التعسفي والوحشية. وبدلاً من ذلك، ستجعل الحرب الدائرة ضد الإخوان المسلمين من العنف الخيار العقلاني الوحيد للواقفين الآن على الخطوط الجانبية.
الآن، هناك هجوم إسلامي بدأ فعلياً عبر استهداف القوات الأمنية، وأصبح يتمدد راهنا ليطال أهدافا مدنية. وقد أشار بعض الخبراء في هذا الصدد إلى ورطة الجزائر في التسعينيات من القرن الماضي عندما ألغى الجيش نتائج الانتخابات التي كانت ستجلب الإسلاميين إلى سدة السلطة. وقد تسبب ذلك بإشعال فتيل حرب تمخضت عن مقتل أكثر من 200.000 شخص. لكن التداعيات الإقليمية للنزاع المطول في مصر يمكن أن تكون أسوأ من ذلك.
على ضوء ضعف قوات الأمن الداخلية في عموم المنطقة، من السهل تخيل الكيفية التي يمكن بها لخط أنابيب من المال والرجال والمواد أن يهدد كل شمال أفريقيا. وفي الوقت الحالي، تتدفق الأسلحة من الترسانة الضخمة لرجل ليبيا القوي السابق معمر القذافي إلى داخل مصر، ما يذكي نار العنف بينما يستطيع المقاتلون عبور الحدود -كما يفعل البعض أصلاً- إلى داخل ليبيا من أجل تقوية القوات الجهادية هناك. ومن الواضح أن تونس، الدولة الوحيدة الباقية من الربيع العربي والتي ما تزال تمتلك بريق أمل، ستتعرض للخطر بدورها. وفي الاتجاه الآخر، من المتوقع أن تصبح شبه جزيرة سيناء أكثر فوضى وخطورة، وعلى نحو يتسبب بالإخلال بأمن إسرائيل.
يجب على الحكومات الغربية أن تدرك الإمكانية الفعلية لأن تتسبب دورة جديدة من الصراع بخلق المزيد من الإرهابيين الذين يرغبون في استهداف الأميركيين والغرب. وسواء كانوا مصيبين أم مخطئين، يرى الإسلاميون الوضع الراهن وكأنه مدعوم -وحتى مهندس- من جانب الولايات المتحدة. ولا يساعد في هذه الحالة أن يقوم مشرعون أميركيون من أمثال السيدة ميشيل باتشمان بزيارة مصر لامتداح النظام العسكري وإدانة الإخوان المسلمين، كما فعلت مؤخراً.
لا توجد لدى الولايات المتحدة راهناً أي خيارات جيدة. وليس هناك جدوى من تصعيد المواجهة مع الجيش المصري -سوى احتمال خسران المزيد من التأثير. وسوف يتطلب القيام برد فعل سياسي فعال، بادئ ذي بدء، وجود تعاون مع الأجهزة الأمنية المصرية التي تسببت بالمشكلة. كما أن الحاجة إلى الوصول العسكري الأميركي لقناة السويس واستمرار الدعم المصري لمعاهدة السلام مع إسرائيل يعيقان الولايات المتحدة عن النأي بنفسها عن مصر بكل بساطة. وستجد الولايات المتحدة نفسها في وضعية مشابهة كثيراً للوضعية التي كانت قد عاشتها مع نظام مبارك لثلاثة عقود، حيث كانت تعمل عن كثب من أجل مكافحة الإرهاب بينما تضغط في الوقت نفسه لتحقيق الليبرالية. وهكذا، يجب على أميركا إيجاد دوافع جديدة لحمل حكام مصر على الانفتاح استناداً للاحتياجات الاقتصادية للبلد. لكن القيام بهذا يظل صعباً، خاصة على ضوء ما تقدمه المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة من المساعدات المالية لمصر.
لكن هناك فرصة ضئيلة لأن تقتنع قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين اللتين تخشيان كلاهما التطرف الإسلاموي، بإرسال رسالة مشابهة لمصر سوية مع الغرب. يجب علينا محاولة ابتكار نهج مشترك.
يجب على أميركا بذل قصارى جهودها لضمان أن يقوم أولئك في خارج مصر ممن يتذكرون دورة القمع والتطرف التي مهدت الطريق لهجمات 11/9، بتذكير الموجودين داخل مصر والذي يبدون أنهم مصممون على نسيانها.


*دانييل بنيامين عمل منسقاً لمكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية البريطانية من العام 2009-2012. ستيفن سايمون: كان مديرا رفيع المستوى لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي في العام 2011-2012.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Don’t Create a New Al Qaeda

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق