إلى متى الاستهتار بأحكام القانون الدولي؟

تم نشره في الجمعة 10 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً
  • حاملة طائرات أميركية في بحر الصين - (أرشيفية)

براهما تشيلاني*
نيودلهي- من الواضح أن إعلان الصين مؤخراً عن إقامة منطقة تحديد الهوية لأغراض الدفاع الجوي (مجال جوي مؤمن)، والتي تمتد إلى مناطق لا تسيطر عليها، لا يشترك في أي شيء مع اعتقال أميركا لدبلوماسية هندية مقيمة في نيويورك، وتفتيشها ذاتياً بدعوى أنها لا تدفع الأجر الكافي لمدبرة منزل أحضرتها معها من الهند. والواقع أن هذين الحدثين يلخصان النهج الأحادي الذي تتعامل به كل من هاتين القوتين مع القانون الدولي.
ظلت الدول القوية تروج لفترة طويلة لنظام عالمي قائم على القواعد، باعتباره ضرورة أساسية لصيانة السلام والأمن الدوليين. ومع ذلك، هناك تاريخ طويل من ازدراء القوى الكبرى للقانون الدولي واستخدامه ضد دول أخرى. وكانت عصبة الأمم قد فشلت لأنها لم تكن قادرة على معاقبة أو ردع مثل هذا السلوك. واليوم، تشكل الولايات المتحدة والصين مثالين رئيسيين لهذا النهج الأحادي في التعامل مع العلاقات الدولية، حتى في الوقت الذي تشددان فيه على دعمهما لتعزيز القوانين والمؤسسات العالمية.
ولنتأمل هنا حالة الولايات المتحدة التي رفضت الانضمام إلى معاهدات دولية رئيسية -على سبيل المثال اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون البحار للعام 1982، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون الاستخدامات غير الملاحية للممرات المائية الدولية للعام 1997 (والتي لم تدخل بعد حيز التنفيذ)، وقانون المحكمة الجنائية الدولية للعام 1998. والواقع أن هذه النزعة الأحادية تظل هي الفكرة المهيمنة على السياسة الخارجية الأميركية، وينعكس هذا أيضاً في تدخلاتها الدولية، سواء في الحرب الإلكترونية والمراقبة، أو في الهجمات بطائرات بدون طيار، أو الجهود الرامية إلى تغيير الأنظمة في الدول الأخرى.
من ناحية أخرى، أدى الثِّقَل الجيوسياسي المتزايد الذي اكتسبته الصين إلى دفعها لاستعراض العضلات والمطالبات السيادية في آسيا، والتي تتجاهل المعايير الدولية. وترفض الصين بعضاً من نفس تلك المعادهات والاتفاقيات التي رفضت الولايات المتحدة الانضمام إليها، بما في ذلك قانون المحكمة الجنائية الدولية، واتفاقية قانون الاستخدامات غير الملاحية للممرات المائية الدولية (أول قانون يؤسس القواعد الحاكمة للموارد المشتركة للأنهار والبحيرات ومخازن المياه الجوفية العابرة للحدود الوطنية).
الواقع أنه رغم تنافرهما الجيوسياسي، فإن الديمقراطية الأكثر قوة في العالم والبيروقراطية الأكثر تميزاً فيه، تشتركان في الكثير عندما يتعلق الأمر بالكيفية التي تتناول به كل منهما القانون الدولي. على سبيل المثال، ما تزال أصداء السابقة التي أقرتها الولايات المتحدة في دعوى أقامتها نيكاراغوا أمام محكمة العدل الدولية في العام 1984 تتردد في الصين، والتي تؤكد أن القوة ما تزال هي التي تحدد الحق في العلاقات الدولية. فقد قررت محكمة العدل الدولية أن أميركا انتهكت القانون الدولي من خلال دعم متمردي الكونترا في تمردهم ضد حكومة نيكاراغوا وزرع الألغام في موانئ نيكاراغوا. لكن الولايات المتحدة حالت دون حصول نيكاراغوا على أي تعويض باستخدام حق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضد القرارات التي دعت إلى إنفاذ حكم محكمة العدل الدولية.
من جهتها، ما تزال الصين متمسكة باعتقاد ماو تسي تونج بأن "القوة تنبع من فوهة البندقية". ورغم مصادقة الصين على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون البحار، فإنها ذهبت إلى تفسير أحكامه لتبرير التعدي على الخرائط في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي. والأسوأ من ذلك أن الصين رفضت قبول آلية تسوية المنازعات التابعة لاتفاقية قانون البحار، وبالتالي تظل غير مقيدة في تغييرها الحقائق على الأرض. وقد تقدمت الفلبين بشكوى ضد الصين لدى المحكمة الدولية لقانون البحار. لكن الصين رفضت ببساطة المشاركة في الإجراءات، كما لو كانت فوق القانون الدولي.
أياً كان قرار المحكمة، فإن الصين سوف تتجاهله ببساطة. ولا يستطيع غير مجلس الأمن فرض حكم صادر عن محكمة دولية ضد دولة غير ممتثلة للقانون. ولكن الصين تملك حق النقض في مجلس الأمن هي أيضاً، وسوف تجهض فرض أي حكم سلبي صادر ضدها، كما فعلت الولايات المتحدة في حالة نيكاراغوا.
الواقع أن المجال الجوي المؤمن الجديد الذي أقامته الصين، ورغم أنه يستهدف ترسيخ مطالباتها السيادية بمناطق تسيطر عليها اليابان وكوريا الجنوبية، فإنه يظل استفزازياً على نحو مماثل، لأنه يمتد إلى مناطق لا تسيطر عليها الصين، وهو ما يشكل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية. وقد طلبت اليابان من خطوطها الجوية تجاهل طلب الصين تقديم إخطارات مسبقة برحلات الطيران، حتى ولو كانت عابرة للمنطقة الجديدة ولا تتجه نحو المجال الجوي الإقليمي الصيني.
على النقيض من ذلك، نصحت الولايات المتحدة شركات الطيران الأميركية بالامتثال لطلب الصين بالإخطار المسبق. وهناك سبب وجيه وراء هذا: فرغم أن قاعدة الإخطار المسبق في السياسة الأميركية لا تنطبق إلا على الطائرات المتجهة إلى المجال الجوي الوطني للولايات المتحدة، فإن الولايات المتحدة في الممارسة العملية تطالب كل الطائرات العابرة لمجالها الجوي المؤمن بالإخطار المسبق بصرف النظر عن وجهتها المقصودة.
إذا قررت بلدان أخرى الاقتداء بهذا المثال الذي وضعته الصين والولايات المتحدة من خلال إنشاء مزاعم من جانب واحد بالسيادة على مجالات جوية، فإن هذا من شأنه أن يفضي إلى وضع خطير. وهكذا، فإن القواعد الدولية الملزمة تشكل ضرورة حتمية من أجل ضمان سلامة النقل الجوي التجاري سريع النمو. ولكن، من الذي يفترض أن يأخذ زمام المبادرة في ظل هذا الإصرار من جانب الصين والولايات المتحدة على متابعة نهج أحادي في التعامل مع هذه القضية؟
الآن، لنتأمل قضية الدبلوماسية الهندية ديفياني خوبراجيد، التي اعتبر مستشار الأمن القومي الهندي نهج التعامل معها "دنيئاً ووحشياً". صحيح أن خوبراجيد بوصفها دبلوماسية تعمل في القنصلية تتمتع بحصانة دبلوماسية محدودة فقط بموجب اتفاقية فيينا بشأن العلاقات القنصلية في العام 1963. ولكن هذه الاتفاقية تكفل الحرية من الاحتجاز حتى المحاكمة والإدانة، باستثناء "الجرائم الخطيرة". فهل يجوز لنا أن نصف نزاعاً على الأجر باعتباره "جريمة خطيرة" تستدعي الاعتقال والإذلال؟ وهل تتسامح الولايات المتحدة مع معاملة مماثلة لأي من مسؤوليها القنصليين في الخارج؟
الحقيقة القاسية هي أن الولايات المتحدة تفسر اتفاقية فيينا تفسيراً مقيداً في الداخل، وإنما بمنتهى الحرية في الخارج، من أجل حماية حتى المتعاقدين العسكريين والاستخباريين الذين ترسلهم إلى الخارج. وتشمل إحدى الحالات الكلاسيكية عميل وكالة المخابرات المركزية الأميركية ريموند ديفيز، الذي أطلق النار على رجلين فقتلهما في العام 2011 في لاهور بباكستان. وبزعم أن ديفيز كان دبلوماسياً حسن النية يعمل في قنصليتها بلاهور، وبالتالي فإنه يتمتع بالحصانة من الملاحقة القضائية، اتهمت الولايات المتحدة باكستان باحتجازه بشكل غير قانوني ودافع عنه الرئيس باراك أوباما بوصفه "الدبلوماسي الأميركي في باكستان".
رغم الاعتقاد السائد على نطاق واسع بأن النظام الدولي الحالي يقوم على قواعد واضحة، فإن الحقيقة هي أن القوى الكبرى هي صانعة القواعد، وهي الطرف الذي يفرض تطبيق هذه القواعد. وهي تميل إلى انتهاك القانون الدولي أو التلاعب به عندما يكون في مصلحتها أن تفعل ذلك. وإذا كان التوافق العالمي على نظام دولي قائم على قواعد ثابتة ما يزال يبدو حلماً بعيد المنال، فإن السبب الأكثر أهمية وراء ذلك هو أن الدول التي ينبغي لها أن تقود هذه المهمة ما تزال تتصرف مثل الدول المارقة في أغلب الأحوال.


*أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسات في نيودلهي، ومؤلف كتاب "الماء، السلام والحرب: مواجهة أزمة المياه العالمية".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكيت".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاحادية الثطبية (هاني سعيد)

    الجمعة 10 كانون الثاني / يناير 2014.
    هذا نظام استقصائي تستخدمه الدول الذي ذكرها الكاتب لفرض امور بالقوة واعتمادا على ما تتمتع به في المحافل الدولية وتحت مسميات مختلفة وقوانين مفبركة على مقاس تلك الدول ضد دول لا حول لها ولا قوة تحت طائلة الابتزاز