خطايا الآباء يتحملها الأبناء في شرق آسيا

تم نشره في الأربعاء 8 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً

أيان بورما*
نيويورك- بإمكان المرء أن ينظر إلى مسألة الزيادة في التوترات العسكرية فيما يتعلق بالنزاع حول عدة جزر صغيرة في بحر شرق الصين على أنها مثال صارخ على سياسة القوة. الصين في حالة صعود، واليابان في حالة ركود اقتصادي، وشبه الجزيرة الكورية ما يزال مقسما. ولذلك، من الطبيعي أن تحاول الصين إعادة تأكيد هيمنتها التاريخية على المنطقة، ومن الطبيعي كذلك أن تشعر اليابان بالتوتر من أن تصبح دولة تابعة (الكوريون معتادون أكثر على هذا الدور حيال الصين).
كان الخضوع للقوة الأميركية، كما هو حال اليابان منذ العام 1945 هو نتيجة حتمية للحرب الكارثية، ويستطيع معظم اليابانيين التعايش مع ذلك، ولكنهم لن يتحملوا الخضوع للصين.
لكن، ونظرا لأن السياسة في شرق آسيا مرتبطة بشكل كبير بالسلالات الحاكمة، فإن وجود تفسير قائم على السيرة الذاتية يمكن أن يكون مفيداً كذلك. وفي هذا السياق، يلاحظ أن رئيس الوزراء الياباني شنزو آبي هو حفيد نوبرسكي كيشي الذي كان أقوى البيروقراطيين الصناعيين في اليابان إبان الحرب. وقد سجنه الأميركيون كمجرم حرب في العام 1945، وتم الافراج عنه بدون محاكمة في بداية حقبة الحرب الباردة، علماً بأنه قد تم انتخابه كرئيس للوزراء من المحافظين في العام 1957.
كان كيشي شخصاً وطنياً بنزعة فاشية خلال الثلاثينيات والأربعينيات. وبعد الحرب، جعله نفوره الشديد من الشيوعية حليفاً قوياً للولايات المتحدة الأميركية، وأصبح الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون صديقه المقرب. وقد سعى طيلة حياته إلى مراجعة الدستور الياباني المسالم الذي كتبه الأميركان بعد الحرب، وإلى تحويل اليابان إلى قوة عسكرية فخورة مرة أخرى.
والآن، أصبحت أعظم أمنية لآبي هي إكمال المشروع الذي استعصى على جده تحقيقه والتخلي عن الدستور المسالم وتناسي جرائم الحرب التي ارتكبها جيل كيشي، مع البقاء حليفاً للولايات المتحدة الأميركية ضد الصين. ويشعر آبي، كشخص وطني من الجناح اليميني، بأنه مضطر لمقاومة هيمنة الصين، حتى لو كان ذلك خطابياً فقط في الوقت الحاضر.
كان أحد أعظم حلفاء كيشي من فترة الحرب الباردة -بخلاف نيكسون- هو رئيس كوريا الجنوبية القوي بارك تشونج-هي، الذي تولى السلطة بعد قيامه بانقلاب عسكري بعد سنة من استقالة كيشي كرئيس للوزراء. وكان لبارك أيضا تاريخ مشكوك فيه إبان فترة الحرب، حيث خدم كضابط في الجيش الإمبراطوري الياباني مستخدماً الاسم الياباني تاكاجي ماساو. وقد تخرج من أكاديمية عسكرية في منشوريا التي أقام كيشي فيها إمبرطورية صناعية، علماً بأنه تم بناء تلك الإمبرطورية بالاعتماد على عمال السخرة الصينيين.
مثل كيشي، كان بارك شخصاً وطنياً. ولكن، وعدا عن روابطه العاطفية إبان الحرب مع اليابان، فقد كانت معاداته للشيوعية حافزاً كافياً بالنسبة له للاستمرار في علاقاته الدافئة مع القوة الإمبريالية التي استعمرت كوريا بشكل وحشي لنصف قرن من الزمان. والرئيسة الحالية لكوريا الجنوبية، بارك جيون هاي، هي ابنته. وتبقى بارك جيون هاي مولعة بوالدها، أو أنها أحبت والدها بارك بنفس قدر حب شنزو آبي لجده على الأقل. لكن نتيجة روابطها مع السلالة الحاكمة هي عكس ما يحدث في حالة شنزو آبي. فحتى ينظر إليها ككورية وطنية اليوم، يتوجب عليها أن تنأى بنفسها عن بعض من علاقات والدها السياسية، وخاصة علاقاته مع اليابان. ورغم أن العديد من الكوريين الجنوبيين معجبون به لقيامه بإعادة بناء البلاد بعد أن دمرتها الحرب، فإن إرثه، مثله مثل العديد من أعضاء النخبة المحافظة القديمة، ما يزال ملطخاً بالتعاون مع الآخرين إبان الحرب. ولذلك، يتوجب على ابنته مواجهة اليابان بسبب النزاعات الإقليمية من أجل تجنب أن ترث وصمة عار ماضي أبيها الاستعماري.
لكن قضية الزعيم الصيني الحالي شي جينبينج هي أكثر القضايا الثلاث تعقيداً. فوالده، شي زونجكسن، كان واحداً من كبار زعماء الثورة الشيوعية، وساعد كقائد في حرب العصابات خلال الحرب ضد اليابان في هزيمة الوطنيين بقيادة شيانغ كاي شيك خلال الحرب الأهلية الصينية، وأصبح عضواً في اللجنة المركزية ثم مديراً للدعاية الإعلامية، ونائباً لرئيس الوزراء وحاكم غواندونغ.
قد يعتقد المرء أن هذا التاريخ الخالي من الأخطاء في العمل الشيوعي يعني عدم وجود حاجة لأن يقوم ابنه بالنأي بنفسه عنه أو أن تحبط آماله. لكن هناك تاريخ أيضاً فيما يتعلق بوطنية شي.
كان هدف الزعيم ماو هو تقوية ثورته في الداخل. وكانت مصداقيته الوطنية كبيرة لدرجة أنه كان يستطيع أن يكون متساهلاً نسبياً مع أعدائه السابقين. وكان من الممكن تجاهل النزاعات الإقليمية المتعلقة بجزر غير مهمة، حتى أنه لم يكلف نفسه عناء إعادة المطالبة بهونغ كونغ من البريطانيين.
فقط عندما فتح دينج كيساوبينج الباب للتجارة مع الدول الرأسمالية، تمت إثارة المشاعر المعادية لليابان بشكل متعمد، حيث لم يكن بالإمكان استخدام الماركسية أو الماوية لتبرير انضمام الصين إلى العالم الرأسمالي. وقد ترك ذلك فراغاً إيديولوجياً تم ملؤه سريعاً بالوطنية من الطراز القديم. وكلما زادت القيادة من درجة انفتاح الاقتصاد الصيني، زادت من إثارة مشاعر الغضب الشعبي فيما يتعلق بأخطاء الماضي، وخاصة تلك الأخطاء التي ارتكبتها اليابان.
لم يكن الرجل الذي يتحمل المسؤولية الكبرى فيما يتعلق بسياسة الأبواب المفتوحة التي ينتهجها دينج سوى شي الأب- شي زونجكسين. وقد تم استهداف شي الأب بسبب كونه شيوعياً براغماتياً مرات عدة في حملات التطهير أيام ماو، حيث كانت تجري إدانة المعتدلين نسبياً واعتبارهم معادين للثورة. ويبدو أن ابنه يتبع خطه البراغماتي بفتح التجارة مع العالم. ولهذا السبب، وكما كان الحال مع الإصلاحيين أيام دينج، يتوجب تلميع مصداقيته الوطنية عن طريق مواجهة اليابان، وتأكيد الهيمنة الصينية في شرق آسيا.
لا يرغب أيّ من هولاء القادة -شي أو آبي أو بارك- في قيام حرب حقيقية، والمواقف التي يتخذونها هي في معظمها للاستهلاك المحلي. ولعل أحد الأسباب التي تفسر السبب في تمكنهم من مواصلة سياسة حافة الهاوية الخطيرة، هو استمرار حضور الولايات المتحدة الأميركية كشرطي إقليمي. وتعد القوات المسلحة الأميركية بمثابة قوة عزل بين الكوريتين وبين الصين واليابان.
لا يسمح حضور الولايات المتحدة الأميركية للقوى المتنافسة في شرق آسيا بالتصرف بشكل غير مسؤول. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يغير تصرفات تلك القوى هو قيام الولايات المتحدة الأميركية بسحب قوتها العسكرية. وفي تلك الحالة، سيتوجب على البلدان الثلاثة التوافق مع بعضها بعضا.
لكن الأميركان واليابانيين والكوريين، وربما حتى الصينيين، يعتبرون ذلك مخاطرة كبيرة. ونتيجة لذلك، يرجح أن يستمر الوضع القائم، ما يعني أن المشهد الوطني المتعلق بمطالبات إقليمية متصارعة لن ينتهي قريباً.


*أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة في كلية بارد. وهو مؤلف للعديد من الكتب، منها "جريمة قتل في أمستردام: موت ثيو فان جوخ" و"حدود التسامح وتدجين الآلهة: الدين والديمقراطية في ثلاث قارات".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون
 مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق