التقارب التركي-الإسرائيلي: هل هو حقيقي؟

تم نشره في الجمعة 27 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • السفينة التركية "مافي مرمرة" التي تسبب مقتل الناشطين على متنها بتوتير العلاقات التركية الإسرائيلية - (أرشيفية)

دانيل واغنر، جورجيو كافييرو – (إنترناشيونال بوليسي دايجست) 20/12/2013
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
منذ توليه السلطة في العام 2002، سعى حزب العدالة والتنمية التركي إلى الارتقاء بتركيا لتحتل مكانة القوة البارزة في الشرق الأوسط، وهو ما دفع بعض المحللين إلى التحدث عن الطموحات "العثمانية الجديدة". وحظي "النموذج التركي" للحداثة والاعتدال بالكثير من الإطراء في كامل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، باعتباره نموذجاً تنبغي محاكاته، وهو ما عززته "اليقظة العربية" الأخيرة. وقبل تولي حزب العدالة والتنمية زمام السلطة، كانت أنقرة والقدس تحتفظان بتحالف عسكري فريد قائم على مصالحهما الأمنية المشتركة. ومع ذلك، تبنت أنقرة منذ العام 2008 خطاباً مناهضاً لإسرائيل –والذي أسهم في التأهيل الشعبي لحزب العدالة والتنمية التركي في أنحاء العالم العربي- بينما استأنفت أنقرة بعض عناصر تعاونها العسكري مع القدس في الوقت نفسه.
في هذه الفترة، خلقت الدولتان اللتان تتقاسمان مصالح اقتصادية وأمنية مشتركة دينامية غير عادية، أتاحت لكليهما مد يد مفتوحة، بقدر ما أتاحت التلويح بيد مضمومة القبضة. وبينما كانت تلك العلاقة الثنائية مقيدة للغاية –بل وعدائية في بعض الأوقات- كنتيجة لحادثة السفينة مافي مرمرة في العام 2010، فإنها استؤنفت في أعقاب اعتذار إسرائيل في وقت سابق من هذا العام عن خسران الأرواح التركية. ومع ذلك، سارت تركيا بوتيرة بطيئة جداً على طريق استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إسرائيل، وعلى نحو يثير الأسئلة حول مدى إخلاص وجدية أنقرة في تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع القدس.
وضعت تركيا ثلاثة شروط للاستعادة الكاملة للعلاقات الدبلوماسية في أعقاب حادثة السفينة: 1) اعتذار إسرائيلي عن قتل تسعة أتراك على متن مافي مرمرة. 2) تقديم إسرائيل تعويضاً مالياً للضحايا، و3) تخفيف الحصار المفروض على غزة (وهو الشرط الذي أزالته أنقرة فيما بعد من القائمة). وتطالب أنقرة حالياً بأن تعترف إسرائيل بأنها ارتكبت "عملاً غير مشروع"، فيما تزعم القدس بأن الاعتذار الضروري قد قُدم بالفعل. وقد منع هذا المأزق أنقرة والقدس من التفاوض على التعويضات المالية التي تدين بها الحكومة الإسرائيلية. وبالنظر إلى أن حزب العدالة والتنمية يتلقى دعماً كبيراً من قاعدته الانتخابية الإسلامية، المعادية لإسرائيل، فإن الضغوط السياسية المحلية تمارس تأثيراً قوياً على ردة فعل أنقرة –خاصة أن الانتخابات التركية أصبحت وشيكة في العام المقبل.
استمرت الخطابة النارية والعدائية بين الدولتين منذ آذار (مارس) من هذا العام. ففي شهر حزيران (يونيو)، حاول نائب رئيس الوزراء التركي، أتالاي، أن يقيم صلة بين احتجاجات ميدان غازي وبين "الشتات اليهودي". وبعد شهرين من ذلك، اتهم رئيس الوزراء التركي إسرائيل بدعم الإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي. وفي الرد على ذلك، قارن وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إردغان بجوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي. ثم تفاقمت التوترات في تشرين الأول (أكتوبر) عندما زعم كاتب "الواشنطن بوست" ديفيد إغناتيوس بأن أنقرة قدمت لطهران، وفقاً "لمصادر مطلعة"، إفصاحات عن اجتماع نحو عشرة من الإيرانيين بالموساد الإسرائيلي في تركيا. وفي حين نفت السلطات التركية هذه الادعاءات، خلقت القصة عاصفة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، حيث اتهم العديد من النقاد أنقرة بـ"الخيانة."
تشكل الصفقة النووية الانتقالية التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران الشهر الماضي في جنيف مصدراً آخر للتوتر بين أنقرة والقدس. فبينما تنظر تركيا إلى انتخاب رئيس إيران الجديد والاتفاق الانتقالي الإيراني الأميركي على أنها علامات إيجابية على استقرار المنطقة، تصطف إسرائيل إلى جانب العربية السعودية في معارضتها لتخفيف العقوبات الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران.
عندما قررت تركيا أن تستضيف محطة رادار للإنذار المبكر في ملاطيا كجزء من نظام الدفاع الصاروخي لحلف الناتو في العام 2012، أصبحت العلاقات التركية الإيرانية أكثر توتراً باطراد. ومع ذلك، تشير مبادرات أنقرة الأخيرة تجاه بغداد وطهران إلى أن تركيا تسعى إلى "إعادة تشكيل" سياستها الخارجية بعيداً عما نُظر إليه على أنه إضفاء الطابع السني في أعقاب تعميق روابط حزب العدالة والتنمية بجماعة الإخوان المسلمين. وبالاستثمار في علاقات أفضل مع إيران والعراق، تحاول تركيا نقض سمعتها كلاعب طائفي في الشرق الأوسط. ولا شك أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا ترحبان بهذه الأخبار بكل وضوح، حيث ترغبان في بقاء تركيا متحالفة مع الغرب، بينما تظل في تناقض متزايد مع طهران. وتبدو "إعادة التشكيل" هذه مرتبطة أيضاً بإعادة تلطيف العلاقات بين أنقرة والقدس.
بالرغم من الدراما السياسية، حفزت الأزمة السورية الأتراك على أن يصبحوا أكثر اعتماداً باطراد على الموانئ الإسرائيلية في التجارة مع الأردن والدول العربية الأخرى. كما أن التجارة البينية بين أنقرة والقدس قوية، يصل حجمها إلى ما يقارب 4 مليار دولار. ومنذ العام 2010، استمر الحفاظ على عناصر من العلاقة بين جيشي البلدين بهدوء، حيث استخدمت القوة الجوية الإسرائيلية المجال الجوي التركي. وبذلك، يبدو حزب العدالة والتنمية قانعاً باستمرار موقفه المتناقض حول موضوع إسرائيل.
في نهاية المطاف، ربما تتغلب مصالح الطاقة على التوترات السياسية. ويتوقع أن تصبح إسرائيل قريباً مصدراً للغاز الطبيعي وقوة رئيسية في الشرق الأوسط في مجال الطاقة. وتعتمد تركيا التي تحتل مركز الاقتصاد رقم 17 في العالم، على واردات الطاقة، وهي تسعى لأن تصبح وسيط طاقة إقليميا، حيث تعمل كمحور ونقطة التقاء بين بحر قزوين، والاتحاد الأوروبي، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والاتحاد السوفياتي السابق. وضمن هذا السياق، سوف تضغط مؤسسات الطاقة التركية على أنقرة لكي تخفف التوترات مع القدس وتمنح الأولوية لمصالح تركيا في الغاز الطبيعي الإسرائيلي.
سوف يكون إنشاء خط أنابيب طموح يصل حقل شرق المتوسط غير المستغل (بسعة تقدر بنحو 17 ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي) بتركيا حدثاً تحويلياً. ويمكن لشراكة تركية إسرائيلية في حقل الطاقة أن تؤثر على توازن القوة في منطقة حوض البحر المتوسط والشرق الأوسط. وقد أكد إردوغان على أن تركيا لا تستطيع تعميق مثل هذا الروابط في حقل الطاقة مع إسرائيل حتى يتم دفع التعويضات للأتراك الذين ذُبحوا في العام 2010. لكن هناك لحناً آخر يغنيه وزير الطاقة التركي يلدز، الذي صرح الشهر الماضي بأن "تركيا مهتمة بالغاز الإسرائيلي". ربما سيكون الاقتصاد هو الذي يقود السياسات بين البلدين بعد انتخابات السنة القادمة.
الآن، أصبح العنوان الرئيسي يكمن في سورية. فعلى الرغم من مصالح أنقرة والقدس المتعارضة في سورية، فإن كلا من البلدين يقدر منظور الآخر، ويبقى تقاسم المعلومات الاستخبارية أولوية للطرفين. ولا شك أن أفق كسب الجماعات المرتبطة بالقاعدة في سورية مزيداً من القوة يشكل واقعاً مقلقاً لكل من الحكومتين التركية والإسرائيلية. وتبقى تركيا مهتمة بلعب دور مؤثر في مستقبل سورية، ويدرك إردوغان أن هذا الهدف يمكن تحقيقه فقط إذا كانت لأنقرة علاقات فاعلة مع كل اللاعبين المهمين في المنطقة.
تصريح وزير الخارجية داود أوغلو الشهر الماضي بأن "الحكومة التركية لم تتعاون أبداً مع إسرائيل ضد أي بلد مسلم، ولن تفعل أبداً" جاء في الرد على مزاعم بأن أنقرة شاركت القدس في توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية ضد سورية في 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2013. وتلقي هذه اللغة الضوء على محددات الاهتمام التركي باستعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع الدولة اليهودية. لكن إردوغان وحزب العدالة والتنمية يعرفان أين يجدان الزبدة لخبزهما في نهاية المطاف، وسوف تنفع الخطابة المناهضة لإسرائيل دائماً حين يتعلق الأمر بالناس في الوطن.
عندما جاء وزير الشؤون البيئية الإسرائيلي، بيريز، إلى تركيا في وقت سابق من هذا الشهر، مؤذناً بخطو أعلى مسؤول إسرائيلي على التراب التركي منذ العام 2010، كان من الواضح أن ذوبان الجليد قد بدأ بالفعل. في نهاية المطاف، تعلم أنقرة أن مصالحها على المدى الطويل ستكون أفضل إذا واصلت تحالفها مع حلف الناتو وإسرائيل. ولن يغير أي قدر من الخطابة هذه الفكرة. ولذلك، سيستمر إردوغان في اللعب على كلا جانبي السياج طالما أمكنه ذلك. وبافتراض أن إسرائيل ترغب استئناف الحالة الراهنة، ينبغي لنا توقع أن تحدد سياسة اليد المفتوحة والقبضة المضمومة هذه العلاقة لبعض الوقت في المستقبل.


*دانيل واغنر: هو الرئيس التنفيذي لحلول المخاطر القُطرية، وهي شركة استشارية في شؤون المخاطر عبر الحدود، وهو مؤلف كتاب "إدارة مخاطر البلد". جورجيو كافييرو: هو محلل أبحاث مع مؤسسة CRS في واشنطن.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Is the Turkish-Israeli Rapprochement for Real?

التعليق