كيف فقدت الولايات المتحدة حلفاءها السوريين؟

تم نشره في الثلاثاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً

جوش روغين - (ذا ديلي بيست)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
فيما تمضي الولايات المتحدة قدماً نحو عقد مؤتمر تأمل أن ينهي الحرب الأهلية السورية، تجد إدارة أوباما نفسها تتعرض للتغريب من قوى المعارضة التي كانت قد حاولت استثمارها وفشلت في ذلك خلال العامين الماضيين. وقد بدأت إدارة أوباما في محاولة الوصول إلى الثوار السوريين الذين يتبنون أجندة إسلامية، ويستمدون الدعم من الحلفاء الأميركيين في المنطقة مثل العربية السعودية، فيما يتعارض مع الولايات المتحدة مباشرة.
سوف ينخرط في مفاوضات السلام المقررة في الشهر المقبل في جنيف، كل من الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة ونظام بشار الأسد وأطراف عدة من المعارضة السورية المتشظية -بل وربما إيران. لكن، وحتى تؤتي تلك المفاوضات أكلها، فإنه يجب على كل الأطراف أن توافق على وقف لإطلاق النار.
في مؤتمر السلام الأخير الذي انعقد في جنيف في حزيران (يونيو) من العام 2012، كان لدى الولايات المتحدة نفوذ على المعارضة السورية، حيث أقنعت قادة ثوار معتدلين بقبول شيء عرف ببيان جنيف، وهو وثيقة قيل إن هدفها هو تمهيد الأرضية لانتقال سورية إلى حكومة ما بعد الأسد.
لكنه حدث في الشهور الثماني عشرة التي أعقبت مؤتمر جنيف الأول، أن تدهورت العلاقات بين إدارة أوباما ومجموعات معارضة رئيسية مركزية، بما فيها ائتلاف المعارضة السورية والجيش السوري الحر والقيادة العسكرية العليا بقيادة الجنرال سليم إدريس، سوية مع انحسار نفوذ وقوة تلك الميليشيات المتحالفة مع الولايات المتحدة في داخل سورية.
عندما تجتمع كل الأطراف مرة أخرى في جنيف في كانون الثاني (يناير)، ستجد الولايات المتحدة نفسها تفاوض من أجل وضع حد للحرب الأهلية السورية، وهو ما سيقوي المتشددين الإسلاميين الذين سعت أميركا في السابق إلى تدجينهم ودمجهم مع القادة السوريين الأكثر اعتدالا ممن يقاتلون الأسد.
يقول معتز مصطفى، المدير التنفيذي لقوة التدخل السريع السورية الطارئة، وهي منظمة أميركية تعمل عن كثب مع مختلف المجموعات السورية المعارضة: "إننا مكرهون على الانخراط مع الإسلاميين عند هذه النقطة لأننا لم ندعم، بشكل مناسب، ذلك الميل الديمقراطي لدى القيادة العسكرية العليا والجيش السوري الحر". ويضيف: "ثمة انخراط محدود مع المجموعات الإسلامية من أجل جلبها إلى مؤتمر جنيف 2، رغم أنها أوضحت في السابق أنها لا تعترف بعملية جنيف".
ما تزال المعارضة المعتدلة في سورية مهمشة إلى حد كبير، فيما يعزى في جزء منه إلى سلسلة من التعهدات التي نكثت بها إدارة أوباما، لدرجة أن مسؤولي الحكومة الأميركية باتوا يناشدون بعض المجموعات الإسلامية المسلحة حضور مؤتمر جنيف، وفق العديد من المصادر المقربة من المباحثات.
لقد أصبح التحدث مع المجموعات الثورية الإسلامية ضرورة براغماتية بالنسبة لإدارة أوباما العالقة بين رغبتها في ترويج مجموعات تقاسمها القيم الأميركية، وبين إدراكها أن أي صفقة سلام يجب أن تلقى الدعم من جانب المجموعات الثورية التي تتوافر على سطوة ونفوذ في داخل سورية. كما أن صعود الجماعات الإسلامية في سورية، خاصة الدولة الإسلامية للعراق والشام الموالية للقاعدة، إلى جانب المكاسب التي أحرزها النظام وحلفاؤه المتطرفون، أجبرت القادة الغربيين على مواجهة الواقع، وهو أن هناك حاجة إلى الجماعات الإسلامية غير الديمقراطية، وإنما غير المتطرفة، للتأكد من أن لا يستولي الإرهابيون تماماً على الثورة السورية. ويقول مصطفى في هذا الشأن: "إذا كانت القاعدة وحزب الله هم الخصوم، فإن المجموعات الاسلامية هي البلسم المضاد".
واجهت جماعة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام تراجعاً كبيراً في الأسابيع الأخيرة بسبب الافتقار إلى الموارد وإعادة اصطفاف المجموعات المقاتلة على الأرض تحت راية أربعة تنظيمات إسلامية رئيسية: لواء التوحيد، وأحرار الشام، وصقور الشام، وجيش الإسلام. وكانت هذه التنظيمات الأربعة قد شكلت تحالفاً جديداً في الشهر الماضي، بعد مقتل القائد الثوري عبد القادر صالح، وأصبحت المركز الجديد للاستقطاب بالنسبة للثورة المسلحة.
وفي الأثناء، تستمر الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام في خسارة مقاتلين أمام هذه المجموعات المزودة بأفضل التجهيزات. وقد اعترف إدريس بموقفه الضعيف في مقابلة حديثة مع صحيفة "الواشنطن بوست"، حيث أقر بأن الجيش السوري الحر قد اختصر أهدافه التكتيكية، ولم يعد يركز على الاحتفاظ بالأرض.
وكان بوب كوركر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، قد سافر إلى السعودية في الأيام الأخيرة للاجتماع مع كبار المسؤولين وبحث الأزمة السورية. وفي مقابلة معه في المنطقة، قال لصحيفة "ديلي بيست" إن الدعوة الأميركية لمساعدة المعارضة السورية المعتدلة لم تتجسد، وهو ما أفضى إلى امتعاض دفع بالحلفاء إلى تولي زمام الأمور بأيديهم عبر تسليح المزيد من المجموعات الإسلامية. وقال: "إنني أدرك أن هناك مجموعات ما تزال أكثر فعالية على الأرض. وفي جهد لمحاولة تغيير الموازين في ميدان المعركة، تتعامل بعض البلدان مع تلك المجموعات التي تبقى أهدافها مقصورة على ذهاب الأسد، وهم يشعرون بهذا الشعور بسبب ما كان قد حدث في العام الماضي، وهو موقف عليهم مواصلته".
كانت إدارة أوباما قد وعدت بزيادة دعمها العسكري للجيش السوري الحر في أعقاب استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية في آب (اغسطس) الماضي، لكن القليل تجسد من الدعم العسكري الفعلي منذئذ. وتركت الإدارة الجيش السوري الحر أيضاً في وضع سيئ بعد إعلانها أنها ستوجه ضربة محدودة ضد القوات العسكرية التابعة للأسد، ثم ألغت تلك الضربة بعد التوصل إلى صفقة مع الأسد لتدمير مخزوناته من الأسلحة الكيميائية.
وقال كوركر والعديد من الآخرين إن أحدث صفعة وجهتها واشنطن كانت الصفقة التي توصلت إليها مجموعة (5+1) مع إيران حول البرنامج النووي الإيراني. وأضاف كوركر: "ما من شك في أن الصفقة الإيرانية قد رفعت من معنويات النظام وأحبطت المعارضة. إن تخفيف العقوبات سيسمح بتدفق المزيد من الأموال إلى سورية من إيران. ولذلك سيكون هناك أثر ملموس إذا رفعت العقوبات، وستؤول تلك الأموال إلى أيدي مجموعات حزب الله الذي يقاتل على الأرض في سورية".
وكان أوباي شاهبندر، المسؤول السابق في البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) والذي يقدم المشورة للمعارضة السورية أكثر صراحة، قال: "يشعر العديد من السوريين بأن الصفقة مع إيران أشارت إلى استعداد واشنطن للتنازل عن سورية لصالح فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وقوات الاحتلال التابعة لحزب الله. لقد تشجعت إيران وتشجع الأسد. وتمس الحاجة الآن إلى التزام مجدد لمنع التمدد الإيراني في سورية وفي المنطقة".
سوف تكون مشاركة إيران المحتملة في مؤتمر جنيف 2 صفعة إضافية لأولئك في المعارضة السورية الذين ما يزالون يسعون للتعاون مع الولايات المتحدة والغرب. وقال رئيس لجنة الاختيار الدائمة حول الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي، مايك روجرز، لمجلة ديلي بيست إنه لا يعتقد بوجوب ضم إيران إلى المؤتمر. وقال: "لا أعتقد أن إيران تعد وسيطا شريفا في سورية بأي درجة. إنهم يدعمون حزب الله، ويعطونهم الأسلحة، ويزودونهم بالمعلومات الاستخبارية. تلك لن تكون محصلة كبرى. ولا نستطيع الاستمرار في تحييد حلفائنا في المنطقة من أجل الحصول على صفقة".
وكان مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية قد قالوا إن الدعوة ستوجه لإيران لحضور المؤتمر إذا أعلنت دعمها لبيان جنيف 1 الذي يدعو إلى تشكيل هيئة حاكمة انتقالية لتسلم السلطة، بينما يتم تحديد موعد الانتخابات. ولا تتوافق الولايات المتحدة وروسيا في الرأي حول ما إذا كانت هذه الهيئة ستتمتع بالصلاحيات التنفيذية خلال الفترة الانتقالية المذكورة. وقالت الناطقة بلسان الخارجية الأميركية، جين ساكي: "الأمر يتعلق بتبني بيان جنيف، وهو ما لم يحدث حتى الآن. إذا ما فعلوا ذلك، سندرس ما إذا كنا سندعم أم نعارض دعوة إيران لحضور المؤتمر".
وبالنسبة للعديد من الخبراء، فإن موقف إدارة أوباما قد أصبح أكثر اصطفافا باطراد مع نظام الأسد وحلفائه منه مع المعارضة. وقال جيم هوبر، الدبلوماسي الأميركي السابق في دمشق: "سواء كان ذلك صواباً أم خطأ، فإن الادارة تنظر إلى المعارضة الجهادية كعدو حقيقي. وما تحبه الإدارة هو أن يعمل الوسطيون والمعتدلون المدعومون من الولايات المتحدة مع النظام ضد المتطرفين الفعليين، والإيرانيون يحبون رؤية ذلك أيضا".
وفي الأثناء، تدفع إدارة أوباما الآن نحو اتفاق دبلوماسي في لحظة تمر فيها المعارضة بأضعف حالاتها، وهو ما لا يصب بالضرورة في أفضل مصلحة المعارضة، وهم يعرفون ذلك. وعن ذلك يقول هوبر: "إنها مصيدة للمعارضة، وهم لا يستطيعون الكسب. إنك لا تستطيع أن تستعيد على طاولة المفاوضات ما خسرته في الميدان".

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: How the U.S.A lost it’s Syrian Allies

التعليق