الشرق الأوسط عالق في الشتاء العربي

تم نشره في الخميس 19 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • تونسيات يتظاهرن ضد الفساد في بلدهن بعد الثورة - (أرشيفية)

يوشكا فيشر*
برلين - يقول المثل القديم إن السفر يوسع المدارك. ويصدق هذا بوجه خاص على الشرق الأوسط. ولكن السفر إلى هناك في الوقت الحاضر قد يكون مربكاً للغاية، والواقع أن التطورات التي كان من المستحيل تصورها قبل بضعة أشهر فقط أصبحت حقيقة واقعة.
لقد بلغت ثورة الشباب التي بدأت في تونس والقاهرة في 2010-2011 منتهاها (على الأقل في الوقت الحالي)، ولو أنها نجحت في تغيير المنطقة بشكل جوهري. وبدا الأمر وكأن انتصار الثورة المضادة وسياسة القوة، كما هي الحال في مصر، يستعيد النظام القديم فحسب؛ فالأسس السياسية التي يستند إليها النظام الحالي هناك هشة للغاية ببساطة.
وكان من الملحوظ بنفس القدر ذلك التحول الدائم في المحور الاستراتيجي في المنطقة. فقد أصبحت إيران التي تحركها طموحاتها النووية وتطلعات الهيمنة هي المركز الحالي، في حين تم تهميش المركز القديم - الصراع الإسرائيلي الفلسطيني- وهو ما مهد الساحة لنشوء تحالفات جديدة تماماً بين المصالح المختلفة. فالمملكة العربية السعودية وإسرائيل (لا توجد علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين) تتخذان موقفاً موحداً ضد إيران -وضد إمكانية حدوث انفراج محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.
إيديولوجيا، يستند الصراع المركزي بين إيران وجيرانها إلى الصراع الطائفي بين الإسلام السُنّي والشيعي. وتدور رحى الحرب الأهلية المدمرة في سورية على طول هذا الخط؛ ونظراً لعلامات الجمود العسكري والسياسي، فإن هذا الخط قد يتحول إلى أساس للتقسيم الدائم للبلاد، كما حدث في البوسنة. وإذا حدث ذلك، فإن تأثيراته سوف تمتد إلى العراق ولبنان والأردن. وبهذا يكون الشرق الأوسط الذي رسمت خريطته اتفاقية سايكس بيكو في أيار (مايو) 1916 قد ولى إلى الأبد. كما عادت القضية الكردية إلى الظهور، وقد تؤثر بشكل غير مباشر على المسألة الفلسطينية فتعيدها إلى راديكاليتها. ومن المؤسف أنه لا يوجد من الدلائل ما يكفي للإشارة إلى أن التوصل إلى تسوية إسرائيلية فلسطينية قائمة على حل الدولتين قد يستبق هذا التطور.
ثم هناك مسألة العواقب طويلة الأجل الناجمة عن إعادة انبعاث تنظيم القاعدة من جديد في هيئة الجهادية السُنّية في سورية واليمن وشمال وشرق أفريقيا. وتحاول الأنظمة الملكية في الخليج امتطاء هذا النمر عسكرياً ضد إيران. ولكن، ماذا قد يحدث عندما تجد هذه البلدان ذات يوم نفسها وهي تلعب دور صبي الساحر؟ هل تهب هذه الرياح المتعصبة عائدة إلى شبه الجزيرة العربية؟ وهل من الممكن أن تتحمل المؤسسات المحلية في هذه المجتمعات مثل هذا الهجوم؟
في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تظل النخبة السياسية محصورة في نظرة عالمية تحددها سياسات القوة ومفاهيم القرن التاسع عشر في النظر إلى السيادة. والشعارات الاستراتيجية التي ترفعها هذه النخب هي المنافسة والتوازن والهيمنة الوطنية، وهي المفاهيم التي لا تقدم حلولاً لمستقبل أمم ودول المنطقة. وما يزال التعاون الاقتصادي بين بلدان المنطقة، والذي يشكل ضرورة أساسية لتحقيق النمو المستدام والتنمية الاجتماعية، ناهيك عن إنشاء إطار إقليمي لضمان السلام والاستقرار، بمثابة الفكرة الغريبة.
إن الشرق الأوسط في جوهر الأمر يعيش أزمة الحداثة. فالشباب المتمردون الذين قادوا المطالب الشعبية من أجل التغيير تواروا عن الأنظار الآن (أو تم تحييدهم). ولكن، ونظراً للشلل الفكري الذي يعاني منه حكام المنطقة (وأقسام كبيرة من المعارضة)، فإن بوسعنا أن نتوقع ثورات أشد عنفاً. وكما كانت الحال في الماضي، فإن مصر سوف تلعب دوراً توجيهياً للمنطقة بالكامل (سواء شاءت أم أبت ذلك).
تزداد مشكلة الحداثة في المنطقة تعقيداً بسبب الانسحاب الجزئي للقوة المهيمنة المنهكة، الولايات المتحدة. ويعمل هذا الانسحاب على تغذية قدر هائل من القلق والانزعاج في المنطقة بعد أن أسهم في الإطاحة بالتحالفات القائمة، وبدأ يبحث الآن عن تحالفات جديدة.
لقد أنهى الرئيس باراك أوباما حروب أميركا المدمرة في العراق وأفغانستان. في المقام الأول، كانت الحرب في العراق -وبالتالي الرئيس السابق جورج دبليو بوش ومستشاروه من المحافظين الجدد- هم الذين منحوا إيران مكانتها الحالية من القوة الاستراتيجية. وبالرغم من ذلك، فإن أوباما هو الذي يُعَتبر الآن ضعيفاً في الشرق الأوسط.
الواقع أن أوباما يتعرض لانتقادات شديدة لأنه لم يتدخل عسكرياً في سورية، ولو أن تهديده بالتدخل العسكري أرغم حكومة الرئيس بشار الأسد على تسليم أسلحتها الكيميائية. وعلى نحو مماثل، وبعيداً عن تعزيز قوة إيران بدرجة أكبر، فقد دفع أوباما بالجمهورية الإسلامية إلى الزاوية بقيادة الجهود العالمية لفرض عقوبات اقتصادية أشد صرامة على إيران.
من المؤكد أن العديد من جوانب سياسة أوباما في المنطقة تستحق الانتقاد، وفي المقام الأول الموقف الدفاعي الذي تقدم بها إدارته هذه السياسة. ولكن، وبدلاً من الضعف، فإن أكثر ما يخشاه حلفاء أميركا التقليديون في الشرق الأوسط هو التغيير بعيد المدى الذي قد يطرأ على الوضع الراهن.
الواقع أن سياسة أوباما تبدو حقاً وكأنها تستهدف ذلك على وجه التحديد: تحقيق انفراج نووي مع إيران، ووضع حد للحرب الأهلية في سورية من خلال هندسة أمنية إقليمية، وحل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وهي السياسة التي تكاد تبدو مفرطة في المثالية، نظراً لقوة القصور الذاتي الهائلة المتمثلة في المشاكل التي تعاني منها المنطقة. لكنْ إذا نجح أوباما ضد كل التوقعات، فإن إنجازه سيكون تاريخياً بكل المقاييس.
ولكن، ماذا لو فشل؟ سوف يستمر الشرق الأوسط في الانزلاق إلى الفوضى -وهو ما يتناسب على نحو غريب مع الذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى.

*سياسي ألماني وزعيم حزب الخضر في ألمانيا. أصبح وزير خارجية لألمانيا منذ العام 1998 وحتى 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 في حكومتي غيرهارد شرودر. يعمل حاليا بالتدريس في جامعة برنستون.
*خاص بـالغد، بالتنسيق مع "بروجيكت سنديكيت."

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشرق الاوسط عالق في شتاء الغرب (هاني سعيد)

    الخميس 19 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    ان الثورات التي تكلم عنها الكاتب قد اجهضت من الغرب ومن الموقف حيال هذه الثورات التي انتهى بعضها وبانت الصورة فيها ومن البعض الذي لا يزال حتى الآن في الطريق الى نهايتها ، ومن السياسة غير واضحة المعالم فمرة تؤيد ومرة تعارض مما حدى بالانقسامات الجديدة في الشرق الاوسط والمواقف الذي تحدث عنها الكاتب والحداثة وانعدام التعاون الاقتصادي والاستقرار وعدم وجود اطار للسلام يتحرك على اساسه الاطراف المعنية
    ونشكر للكاتب هذا التحليل المحايد الذي يدل على فهم المنطقة وخلفياتها