مزيد من الارتباك في الحالة المصرية

تم نشره في الثلاثاء 17 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • متظاهرون مصريون مؤيدون للرئيس السابق محمد مرسي - (أرشيفية)

تقرير خاص — (الإيكونوميست) 7/12/2013

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

لا غرابة في أن تكون حركة المرور في القاهرة مزدحمة ومتعثرة دائماً. في الأعوام الثلاثة الأخيرة التي تلت نجاح الثورة في إنهاء حكم حسني مبارك الذي استمر ثلاثين عاماً، ما تزال سجون البلد تشكل محطات توقف على طريق تعج بالنزلاء. وتحافظ السياسات القلقة، في الأثناء، على توليد دفعات جديدة من عاثري الحظ من السجناء، حتى بالرغم من أن آلافاً آخرين يجدون أنفسهم وقد أفرج عنهم على نحو مفاجئ.
في الفترة الأخيرة، استضافت السجون المصرية المشغولة كلا من السيد مبارك والرجل الذي طالما اضطهده، محمد مرسي القائد في جماعة الإخوان المسلمين الذي أصبح رئيساً في العام 2012، ثم عزل في تموز (يوليو) 2013. وكان قد أفرج تحت حكمه عن عدة آلاف من الإسلاميين الذين كانوا يقضون أحكاماً طويلة في السجن، مما خلق متسعاً أمام استقبال زبانية السيد مبارك. لكنه تم منذ شهر تموز (يوليو) إيداع الآلاف من مؤيدي السيد مرسي في غياهب السجون، في الوقت الذي أفرج فيه عن مؤيدي سلفه.
يمكن لهذا التضارب أن يكون درامياً. ما تزال المحاكم المصرية تتعامل بلين مع رجال الشرطة المتهمين بإساءة استخدام السلطة، بالرغم من 2000 حالة وفاة نتجت عن الإصابة بطلقات الشرطة في الأعوام الثلاثة الماضية. لكن قاضياً في الإسكندرية حكم الشهر الماضي على 21 امرأة شابة، بمن فيهن سبع قاصرات، بالسجن لمدة 11 عاماً بسبب انضمامهن إلى مسيرة كانت تحتج على عزل السيد مرسي.
علاء عبد الفتاح، وهو واحد من أبرز القادة اليساريين الشباب في ثورة العام 2011، وجد نفسه يتقاسم نفس الزنزانة مع مجموعة من كبار مستشاري السيد مرسي. وكان السيد عبد الفتاح، الذي اعتقلته كل الحكومات منذ الثورة، بما فيها حكومة السيد مرسي، قد سقط ضحية لقانون جديد يضع قيوداً مشددة على الحق في الاحتجاج. لكن هناك العديد من المصريين المتوجسين من فوضى الشارع غير المنتهية يؤيدون هذا القانون. وبالنسبة للسيد عبد الفتاح وآخرين، يبدو من المجحف قيام الحكومة الراهنة التي تستند في شرعيتها إلى الاحتجاجات الضخمة التي شهدتها الشوارع وجرى تنظيمها ضد حكم الرئيس مرسي وتتظاهر بأنها تحتفي بثورة العام 2011، من المجحف قيامها بسحق أي نوع من التجمعات والمسيرات في الشوارع، ما يهيئ الجو لاحتمالات الجَيَشان.
وفي الأثناء، هناك مفارقات قدرية أخرى. ففي مثل هذا الوقت من العام الماضي، استشاط معارضو الإخوان المسلمين غضباً عندما صادق السيد مرسي على دستور جديد، بالرغم من الاستقالات الجماعية لأعضاء غير إسلاميين من لجنة الصياغة التي كانت تضم 100 عضو. وفي الثاني من كانون الأول (ديسمبر)، أعلنت لجنة مكونة من خمسين عضواً، والتي ندر فيها التمثيل الإسلامي، استكمال صياغة دستور جديد. وفي معظم وقائعه، لا يختلف هذا الدستور الجديد إلا قليلاً عن نسخة دستور العام 2012، لكن الائتلاف الوطني لدعم الشرعية، المجموعة المظلة لمؤيدي الإخوان المسلمين، دعا إلى مقاطعة الاستفتاء الذي سيجري عليه خلال أسابيع، وفق ما هو متوقع.
بالرغم من الانتقادات الأوسع إطاراً، على سبيل المثال ما يرى العديدون من أنه يمنح حكماً ذاتياً فعلياً للقوات المسلحة، فإن الدستور قد يمر، ولو كان ذلك فقط بسبب شعور الجماهير بالإنهاك جراء الفوضى السياسية. وتجدر الإشارة إلى أن الدستور يدعو إلى إجراء انتخابات وطنية خلال 60 يوماً، لكنه يترك تعريف ما إذا كانت الانتخابات ستكون رئاسية أم لانتخاب مجلس الشعب الجديد مفتوحاً. وفي كلتا الحالتين، من الممكن أن تتوافر مصر في الربيع المقبل على حكومة منتخبة ديمقراطياً.
في طرق أخرى يبدو البلد وأنه يعود مجدداً إلى طبيعة قلقة. فقد تم خفض حالات النقص في سلع المستهلك وانقطاعات الكهرباء بحدة، وتم إلغاء العمل بنظام منع التجول ليلاً وإنهاء قوانين الطوارئ. وفي الأثناء، خفتت حدة احتجاجات الإخوان المسلمين، بالرغم من تكرار وقوع المشاكل في حرم الجامعات وفي الجنوب الريفي. وكانت سنوات الاحتجاجات قد أضعفت صناعة السياحة التي كانت تمثل عشر إجمالي الناتج المحلي، لكن قطاعات أخرى مثل الإنشاءات والسلع الاستهلاكية تؤدي أداء أفضل.
لا يتعلق التحسن في المشهد بتغيير الأساسيات بقدر ما يأتي نتيجة الفضل لسخاء داعمي النظام الجديد. وكانت حكومات العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة قد ضخت مؤخراً حوالي 16 مليار دولار في الاقتصاد المصري، بما في ذلك 2.5 مليار دولار على شكل إمدادات وقود. ومع ذلك، تظل مشاكل مصر مزمنة وبنيوية، وهو ما يتطلب إجراءات إصلاحات مؤلمة وبعيدة المدى. وما يزال طول الفترة التي سترغب بها ملكيات الخليج بدفع البلد غير واضح حتى الآن.
هؤلاء الرعاة المتشاركون في نفورهم من الإخوان المسلمين، لا يعبأون كثيرا ًبالسياسيات الداخلية لمصر. ربما يجب عليهم أن يهتموا. فقد عادت قوات الأمن المصرية بقوة إلى الواجهة، مستخدمة نفس الطرق القاسية، ومتذرعة بنفس الذريعة المستندة إلى وجود تهديد إسلامي، وهي الطرق التي فشلت في منحهم الدعم الجماهيري الواسع تحت حكم السيد مبارك. وفي حال ضيقت أجهزة الأمن كثيراً على الناس، فإن رجال مصر في القوات المسلحة والشرطة إنما سيعيدون بذلك ارتكاب نفس أخطاء مبارك.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
 Egypt’s politics: Could it be any more baffling?

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق