يجب إعادة النظر في المؤسسات الدولية

تم نشره في الاثنين 16 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 صباحاً

باسكال لامي*
أكسفورد ـ عندما تم إنشاء الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز قبل سبعة عقود من الزمن تقريباً في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت القوة الاقتصادية والسياسية تتركز بين أيدي قلة من البلدان "المنتصرة"، الأمر الذي يسر نسبياً مسألة التوصل إلى اجماع بشأن كيفية استعادة النظام الدولي. لكن الحكم أصبح منذ ذلك الحين مشوشاً على نحو متزايد، مما أدى إلى إعاقة التقدم في المجالات والشؤون ذات الاهتمام المشترك في مختلف أنحاء العالم.
ليس الأمر أن الأمم المتحدة تضم الآن أكثر من 190 دولة فقط؛ فقد تكاثرت وانتشرت المؤسسات الدولية الممولة بأموال عامة، ولم يتم إغلاق أي مؤسسة متعددة الأطراف منذ الحرب العالمية الثانية. وكانت النتيجة هذا الخليط المربك وغير الفعّال من الصلاحيات المتداخلة.
من ناحية أخرى، يفتقر قسم كبير من النظام الدولي إلى التمويل الكافي لتحقيق تقدم ملموس في مجالات بالغة الأهمية ـ وهي المشكلة التي سوف تتفاقم حتماً مع تنامي احتياجات وتوقعات سكان العالم الذين تتزايد أعدادهم باستمرار. وفي هذا السياق، كان إحراز التقدم في القضايا العالمية، مثل تغير المناخ والجريمة الإلكترونية والتفاوت في الدخول والأعباء المزمنة المتمثلة في الأمراض، مسعى مستعصياً إلى حد كبير.
لا شك أن الجهود التي تبذلها مؤسسات وهيئات يمولها القطاع العام تخلف تأثيراً إيجابياً حقيقياً ودد ائماً على العالم. والواقع أن مؤسسات دولية كانت في الطليعة لتحقيق إنجازات مفاجئة في نطاق عريض من المجالات، بما في ذلك الصحة والتمويل والاقتصاد وحقوق الإنسان وحفظ السلام. لكنه كثيراً ما يُنظر إلى مثل هذه المؤسسات باعتبارها غامضة وعديمة الكفاءة ويتعذر الوصول إليها، الأمر الذي يدفع الحكومات الوطنية إلى إهمالها. ومع تضاؤل شرعيتها وتمويلها، تتضاءل فعالية هذه المؤسسات أيضاً.
سوف يتطلب التغلب على تحديات القرن الحادي والعشرين إجراء مراجعة شاملة للمؤسسات الدولية القائمة وتجديدها بالكامل. في تقريرها الصادر بعنوان "الآن من أجل الأمد البعيد"، تقترح لجنة أكسفورد مارتن لأجيال المستقبل -والتي تتألف من مجموعة من القادة والباحثين المخضرمين الذين يستعان بهم للمساعدة في صياغة استجابات للتحديات العالمية- إنشاء آليات لإجراء هذه العملية.
على سبيل المثال، من خلال تضمين فقرات خاصة في المواثيق المؤسِّسة للمؤسسات الدولية التي يمولها القطاع العام، والتي تقضي بتحديد تواريخ محددة لنهاية صلاحية العمل بها، نستطيع تضمين إجراء مراجعات منتظمة لأدائها التنظيمي والغرض من إنشائها. ولا بد بعد ذلك من إغلاق المؤسسات التي أوفت بالغرض الذي تأسست من أجله، أو التي أثبتت عجزها عن الاستجابة بفعالية للمطالب المتغيرة، وإعادة توجيه مواردها لصالح مساع أخرى أكثر إنتاجية.
للإفلات من هذا المصير، لا بد أن تتكيف المؤسسات القائمة مع ديناميات القوة العالمية المتغيرة. ويعني ذلك زيادة التمثيل، ليس فقط لصالح الاقتصادات الناشئة الكبرى، مثل الصين والهند والبرازيل، وإنما أيضاً لصالح بلدان مثل نيجيريا وإندونيسيا، اللتين تشكلان معاً موطناً لأكثر من 400 مليون إنسان.
إن الشؤون الدولية والمنظمات الدولية تعمل إلى حد كبير في إطار ترتيبات أقرت في منتصف القرن العشرين، وأصبحت تعاني الآن من قصور خطير. فأولا، تحتفظ البلدان التي تضاءل تأثيرها في العالم بقدر غير متناسب من السلطة. وثانياً، أصبحت عملية صنع القرار العالمي الآن تتضمن أربعة أضعاف عدد البلدان التي كانت تشارك فيها في عصر ما بعد الحرب مباشرة، ناهيك عن العدد الكبير من المنظمات غير الحكومية وجماعات المجتمع المدني التي تشكل عملية فوضوية -وغير منتجة غالباً.
مع تزايد المشاكل التي يواجهها العالم تعقيداً وترابطاً، لا بد أن تصبح عملية صنع القرار العالمي مبسطة وفعّالة قدر الإمكان. وعندما يلتقي عدد كبير من اللجان بالتوازي، فإن البلدان صاحبة الفرق الأكبر من الخبراء تهيمن على الإجراءات، الأمر الذي يؤدي فعلياً إلى منع أغلب البلدان من المشاركة في اتخاذ قرارات أساسية، ويعيق إجراء الحوار الهادف.
من أجل زيادة إنتاجية المفاوضات العالمية، توصي لجنة أكسفورد مارتن بإنشاء تحالفات من البلدان ذات المصلحة والاهتمام، جنباً إلى جنب مع جهات فاعلة أخرى، مثل المدن والشركات. ومع تحسن النتائج، فإن شرعية الهيئات الدولية سوف تتعزز، وهو ما من شأنه بمرور الوقت أن يعزز استعداد البلدان المختلفة لتفويض الصلاحيات لهذه الهيئات.
تقترح اللجنة فضلاً عن ذلك تأسيس منصات طوعية لتيسير إنشاء المعاهدات الدولية في المناطق والمجالات الحيوية. على سبيل المثال، من شأن التبادل الضريبي والتنظيمي أن يساعد البلدان على التعامل مع حالات التهرب الضريبي وتنسيق الضرائب المفروضة على الشركات، وفي الوقت نفسه تعزيز عملية تبادل المعلومات والتعاون. وعلى نحو مماثل، بوسع منصات تبادل البيانات في مجال الأمن الإلكتروني أن تبرهن على أهميتها البالغة في تعقب ومنع الهجمات الإلكترونية السيبرانية والتصدي لها.
مع تعلم الحكومات كيفية التعاون فيما بينها ومع الجهات الفاعلة الأخرى، مثل الشركات وجماعات المجتمع المدني، سوف تستعاد الثقة في قوة التعاون الدولي. وفي مثل هذه البيئة، سوف يكون كسر الجمود بشأن القضايا العالمية الملحة أسهل كثيراً مما آلت إليه الحال في الأجواء الحالية من خيبة الأمل وانعدام الثقة.
الحقيقة البسيطة هي أن الاعتمادية المتبادلة تأتي مع الترابط. ومن أجل حماية الاهتمامات العالمية المشتركة، ينبغي لزعماء العالم أن يبحثوا عن حلول مشتركة جامعة وفعّالة قدر الإمكان -وهي العملية التي لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال المؤسسات الدولية. وسيكون من شأن الفشل في القيام بهذا أن يهدد التقدم الهائل الذي يسرته العولمة في العقود الأخيرة.
لن تحدث التغيرات اللازمة بين عشية وضحاها. لكنه إذا عملت الحكومات والشركات والمجتمع المدني معاً، فإن التغيير يصبح ممكنا -وهو ما يَعِد بمستقبل أكثر تبشيراً واستدامة وشمولاً ورخاءً للجميع.
*المدير العام السابق لمنظمة التجارة العالمية، ورئيس لجنة أكسفورد مارتن لأجيال المستقبل.
*خاص بـالغد، بالتنسيق مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق