هل يمكن أن تفتح المباحثات الأميركية-الإيرانية مغاليق الشرق الأوسط؟

تم نشره في الاثنين 16 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • وزيرا الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف والأميركي جون كيري في جولة مفاوضات - (أرشيفية)

بوب درايفوس* — (ذا نيشن) 7/12/2013

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ما يزال هناك الكثير من النقد الموجه للصفقة النووية المؤقتة التي تم التوصل إليها بين إيران والولايات المتحدة، سوية مع المجموعة (5+1). ومع ذلك، فإن الصفقة تحمل في طياتها، ليس احتمال حل مشكلة البرنامج النووي الإيراني وحسب، وإنما تحويل بل تحويل الشرق الأوسط برمته أيضاً، وخلق حالة وفاق إيجابية بين طهران وواشنطن، والتي يكون من شأنها المساعدة في وضع حد للحروب الأهلية الجارية في سورية والعراق وأفغانستان، (وثمة تلميحات تذهب إلى حد القول بأن الرئيس أوباما قد يزور طهران قبل نهاية فترة إقامته في البيت الأبيض).
لعل الأهم من كل شيء هو أن الاتفاق الأميركي-الإيراني يشير إلى احتمال حدوث تحول حيوي من جانب إدارة أوباما في اتجاه الابتعاد عن الحرب والمواجهات العسكرية وفرض العقوبات الاقتصادية كأدوات لسياستها الخارجية الرئيسية، والاستعاضة عن ذلك بالدبلوماسية. ولن يقتصر الأمر على تقدم صفقة إيران مع إعلان طهران أن تنفيذ الصفقة سيبدأ مع حلول نهاية كانون الأول (ديسمبر) الحالي أو في وقت مبكر من كانون الثاني (يناير) المقبل من النواحي العملية، وإنما سيعني ذلك تقدم الدبلوماسية الموازية الخاصة بسورية أيضاً. هناك تمضي الحركة بوتيرة سريعة باتجاه جمع وشحن وتدمير كل الأسلحة الكيميائية السورية. وهناك خطط لعقد مؤتمر للسلام في سورية يوم 22 كانون الثاني (يناير)، والذي يمكن أن يجلب معاً حكومة الأسد والعناصر المهمة من المعارضة المعتدلة -بالإضافة إلى الولايات المتحدة وروسيا -وربما إيران.
قبل وقت ليس بالطويل، كان يبدو أن أفضل ما يمكن إنجازه من المباحثات الأميركية الإيرانية هو التوصل إلى اتفاق يستطيع تجنيب الأطراف الحرب، حيث كرر الرئيس الأميركي بغموض ذلك القول عن أن كل "الخيارات" مطروحة دائماً على الطاولة. الأن، أصبحت تملأ تلك الطاولة أوراق المفاوضات، فيما تبدو الأشياء أقل قتامة بكثير. حتى أن جورج ويل، كاتب العمود المحافظ في صحيفة "الواشنطن بوست" كتب قبل أيام أن أزمة إيران كانت قد تحولت إلى اختيار بين الحرب و"الاحتواء،" بحيث تبدو المباحثات الراهنة وأنها تحشر الولايات المتحدة داخل قبول دائم بحيازة إيران التكنولوجيا النووية إلى الأبد —مع احتمال، ولو كان بعيداً، بحدوث "اختراق" في اتجاه إنتاج السلاح— بينما يتم خلق وضع يستطيع كلا الجانبين التعايش معه. ويقول ويل، في معرض تنبؤه بالأسباب التي تجعل الصقور يتعرضون على سياسة "الاسترضاء" كل الوقت:
"يبدو أن بعض المنافحين عن الحرب ما يزال عالقين في فكرة "حسد الثلاثينيات"، في توق إلى وضوح الثلاثينيات عندما فشلت سياسة الاسترضاء في إشباع عطش الدكتاتوريين للتمدد الإقليمي. لكن تعويذة "الاسترضاء" لا تشكل حجة. كما أن كلمة "استرضاء" لا تصف بشكل مفيد قراراً عاقلاً يقول أن الحرب ليست رداً حصيفاً، بل وغير فعال في نهاية المطاف، على فشل الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية بهدف تغيير خيارات نظام ما بخصوص السياسات داخل حدوده."
في مقاله المذكور، يقتبس ويل بموافقة منه قول كين بولاك، محلل معهد بروكينغز والضابط السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه): "سيكون الذهاب إلى حرب مع إيران في محاولة لمنعها من حيازة ترسانة نووية نهج عمل أسوأ كثيراً من احتواء إيران، وحتى إيران نووية." (الاقتباس من أحدث كتاب بولاك، بعنوان "الأمر غير القابل للتفكير فيه: إيران والقنبلة والاستراتيجية الأميركية" من مفكر من يمين الوسط، والذي كان قد روج مبكراً في العام 2002 للحرب في العراق، لكنه هدأ بعد ذلك، بل وأصبح أكثر هدوءاً مؤخراً بسبب ويلات الحرب).
لكن المحادثات مع إيران تذهب أبعد كثيراً إلى ما وراء مجرد الحيلولة دون اندلاع حرب ستنخرط فيها إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. هناك احتمال كبير لحدوث تحول إقليمي، فيما لا تكاد إيران تهدأ. ففي هذه الفترة، يقوم وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، مفاوض طهران الرئيس في المباحثات النووية، بجولة في الدول العربية الساحلية السنية المطلة على الخليج: الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة، في محاولة منه لتهدئة التوتر في الصراع الشيعي السني الذي يؤجج الصراعات في العراق وسورية ولبنان والبحرين. لكنه لا يلقى حتى كتابة هذه السطور ترحيباً في العربية السعودية، اللاعب المركزي في التكتل السني المعادي لإيران والمعارض للاتفاق معها. لكن الأمور إذا سارت في الاتجاه الصحيح، فستتصالح العربية السعودية أيضاً مع إيران، ولو بوتيرة بطيئة. وفي هذا الصدد، اقترحت شيرين هنتر، الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط في جامعة جورج تاون في مقال لها نشر في "هفينغتون بوست" أن المباحثات الأميركية-الإيرانية قد تفضي إلى إضفاء استقرار إقليمي أوسع. وكتبت:
"يمكن أن يفضي الاستمرار على هذا المسار إلى محصلات إيجابية، ليس بالنسبة للولايات المتحدة وإيران وحسب، وإنما أيضاً لكامل منطقة الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا برمتها. وفي ظل ظروف مواتية، قد تفضي أيضاً حتى إلى إحداث تغيير في نموذج العلاقات الدولية والإقليمية، وفي نهاية المطاف إلى تأسيس هيكل أمني في هاتين المنطقتين."
وتضيف هنتر: "هذا الجمود في المنطقة وعلى المستوى الدولي يتيح أفضل فرصة لمحاولة إعادة ترتيب المنطقة في نموذج جديد يتفادى الأهداف القصوى ويعترف بالمخاوف الأمنية الرئيسية لكل البلدان، بما فيها إسرائيل بطبيعة الحال. ومن شأن ذلك أن يشمل إنهاء إيران عداءها المفرط تجاه إسرائيل، ومحاولة المساعدة في تحقيق التطلعات الفلسطينية عبر الحوار، بالإضافة إلى الاعتراف بحدود نفوذها في العالم العربي السني.
"وفي الأثناء، تعني إعادة الترتيب أن على السعودية والدول الخليجية الأخرى أن تقبل بشرعية وجود دور لإيران في الخليج وباقي منطقة الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا، وأن على كل من إيران والعربية السعودية الاعتراف بأن لكل منهما دوائر نفوذ طبيعية في هذه المناطق، والتي يجب احترامها. ومن الممكن أن يقطع هذا التفاهم السعودي-الإيراني طريقاً طويلة نحو تخفيف التوترات الطائفية، وتكريس تفاهمات إقليمية أوسع تسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
"وليس هذا التصالح السعودي الإيراني فكرة بعيدة المنال. فقد حدث هذا في الماضي خلال رئاستي رفسنجاني وخاتمي، ومن الممكن تكراره ثانية. وقد ألمح آية الله هاشمي رفسنجاني، الذي يحظى بالاحترام والتقدير الكبيرين لدى القيادة السعودية، وخاصة لدى الملك عبد الله بن عبد العزيز، فعلاً إلى أنه يرغب القيام بعملية تصالحية مع المملكة، وأنه ينوي السفر إلى الرياض من تحقيق هذه الغاية. لكنه حتى لو قدر لهذه المصالحة أن تتم، فإنها لن تعني تأسيس سيادة سعودية –إيرانية مشتركة في الشرق الأوسط. سيكون قدر مثل هذا المخطط هو الفشل. لكنه سيزيل سببا رئيسياً للتوتر في الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا، وسيجعل من الأسهل حل الصراعات، من لبنان إلى أفغانستان، وبالتالي تعزيز الاستقرار.
"وفي نهاية المطاف، سيمكن لهذه التطورات، إن حدثت، فمن أن تمهد الأرضية
لتطوير نظام أمني للمنطقة كلها."
صحيح أن الصراع بين إيران والولايات المتحدة هو الأكثر أساسية من بين كل الصراعات في المنطقة، ومن الممكن أن يفضي حله إلى فتح كل الأبواب من شمال إفريقيا إلى آسيا الوسطى. ولا غرابة في أن يكون الصقور والمحافظون الجدد قلقين.
*محرر مساهم في مجلة "ذا نيشن" وصحفي استقصائي يتنقل بين كيب ماي ونيوجيرزي ونيويورك، متخصص في السياسة والأمن القوميين. وهو مؤلف كتاب "لعبة الشيطان: كيف أطلقت الولايات المتحدة عقال الإسلام المتشدد."
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:Will U.S-Iran Talks Unlock the Entire Middle East?

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق