صلاة جنازة على ثائر غيّر جنوب أفريقيا

تم نشره في الأربعاء 11 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 صباحاً

هآرتس

جدعون ليفي وأليكس ليبك

10/12/2013

بدأت أمطار تهطل الاثنين عصرا على سويتو وغرق مسار جارّي عربات القمامة اليومية بالماء. فساروا على جوانب الطرق الطويلة التي تخرج من البلدة ونظراتهم كئيبة في أسمال، وكان أحسنهم حالا ملتفين بأكياس نايلون ممزقة يدفعون بما بقي من قوتهم غنيمة يومهم، وهي عربات ضخمة محملة حتى الاتعاب بقمامة بلدة الأبواب السوداء. وأخفت جبال القمامة ناس المطر هؤلاء، وكأن أمر موت ساكن هذه البلدة الأكثر شهرة لم يؤثر فيهم: فقد بقوا في بؤسهم الفظيع وقتا طويلا بعد الانتصار الكبير لـ"ميديفا"، ألا وهو نلسون مانديلا.
بث التلفاز المحلي مسيرة قادة العالم الذين هبطوا واحدا بعد آخر. وقد وعد أمس من لا يقلون عن 91 رئيس دولة بمجيئهم إلى هنا، وسارع مذيع التلفاز إلى أن يقول إن مثل هذا العدد لم يُر إلا في الجمعية العمومية للامم المتحدة فقط. وأُتّمت بالقرب من ملعب كرة القدم الضخم غير البعيد عن سويتو الاستعدادات لأكبر الجنازات جميعا واشتمل ذلك على مروحية عسكرية في الجو، وعمال على الأرض يجزون الأعشاب على جوانب الطرق في جهد يؤثر في القلب في آخر لحظة. وانتظر في منطقة إكسبو آلاف الصحفيين من العالم كله للحصول على بطاقاتهم الصحفية تمهيدا لمراسم الجنازة اليوم.
وقالت لي كريستيان إمنفور في الصف المتعب أنها تُكثر التفكير في إسرائيل في الأيام الاخيرة، وحدثتني عن مبلغ احتياجها إلى مانديلا خاص بها. لكن كل ذلك لم يؤثر أي تأثير في عاملي جمع القمامة في سويتو الذين استمروا في رتابة يومهم دون ماض ولا حاضر ولا مستقبل.
بدا جنوب افريقيا أمس محبا حزينا متأثرا، بل ربما فاجأه مقدار الظاهرة المدهشة. فقد جر موت بطله القومي العالم إلى حداد دولي لم يُر مثله قط. وتأخرت طائرة إل عال التي جاءت بنا إلى هنا عن اقلاعها بعد أن كان اثنان من العاملين في بيت الرئيس في طريقهما إلى المطار وعادا كما جاءا ثم عادا إلى المطار مرة اخرى بحسب الأوامر المُبلبلة التي تلقياها من أعلى. وفي ساعة كتابة هذه السطور كان يبدو برغم ذلك أن صديق نظام الفصل العنصري السابق شمعون بيرس لن يحضر إلى هنا وبذلك ستبرز إسرائيل مرة اخرى في عزلتها.
لكن هذا هو يوم جنوب افريقيا. وهذه عشرة أيام حدادها. وعشرة ايام توبة العالم كله الذي اختار أن يشايع في هذه المرة شخصا قدوة. اليوم في السادسة صباحا ستُفتح أبواب الملعب الرياضي وقد أُغلقت كل الشوارع المفضية إليه أمس، وسيتدفق عليه أكثر من 90 ألف إنسان فيهم نحو من 1000 سياسي لوداع مانديلا. وقد استمر حداد الافارقة الجنوبيين وهم هذا الشعب البائس الذي حلت به النوائب، في جنوب القارة التي لا يحسب لها أحد حسابا في الايام العادية، منذ بضعة أيام منذ أن مات الزعيم الذي شبع من عمره ومن السجن.
سافرنا قُبيل المساء إلى بيته الأسطوري في شارع فيكازي 8115، في غرب اورلاندو في سويتو. كان البيض ينقلون إلى هنا في مطلع القرن الماضي عمال مناجم الذهب السود من ضواحي جوهانسبيرغ بزعم أنهم ينشرون الأمراض والأوبئة. وهنا أيضا بدأ كل شيء، ففي العاشر من حزيران 1976 عطّل تلاميذ البلدة دراستهم بعد أن اضطرهم النظام إلى تعلم لغة الفصل العنصري وهي الافريكانس. وقُتل ألف إنسان في اضطرابات نشبت كانت ترمز في نظر كثيرين إلى بدء النهاية. وما يزالون يحتفظون في بيت مانديلا الذي أصبح متحفا بثقوب الرصاص الذي وجه إليه لاغتياله. لكن كان أمس احتفال بالقرب من البيت، احتفال حداد لا يعرفون اقامته إلا في افريقيا فقط بالرقص والغناء.
بدا ذلك مشابها شيئا ما لحدث من أحداث الحي في مركز جماهيري. فقد مات ابن الحي واجتمع ساكنوه للاحتفاء به بالقرب من بيته بازاء "مطعم عائلة مانديلا"، وهذا هو اسمه التجاري. ووقف خطباء الحي على مسرح مرتجل يحمسون الجمهور بكلامهم وغنائهم. إنه هايد بارك عزاء في سويتو. وقد غرقت باقات الزهور التي وضعت عند مدخل البيت منذ زمن بالماء وناضلت مئات الشموع المشتعلة عن حياتها المطر الهاطل. وكتب عشرات السكان في أوراق مُقواة أُلصقت على جدار البيت بأقلام ملونة كتابات حب ووداع لبطلهم. والتُقطت لآخرين صور تذكارية بالقرب من تمثاله وهم يرفعون قبضات أيديهم في الهواء كأنما يحاولون تقليده.
وجاء المطرب السنغالي مو داديوف إلى هنا خصيصا. وقال لنا إن كل ما فعله في حياته "جاء منه"، أي من مانديلا بالطبع ولهذا جاء أمس إلى هنا معترفا بالجميل له. وسيحاول اليوم أن يدخل الملعب الرياضي وفي يوم الاحد سيسافر إلى مسقط رأسه قرية كونو لحضور الجنازة. وركعت أربع نساء سوداوات في ثياب حمراء أمام الشموع وصليّن صلاة صامتة. وكان كُتب على قمصانهن "الوحدة هي القوة".
جاء مانديلا في يوم الافراج عنه إلى كوخ الطوب الأحمر الصغير الذي أصبح بيته. وقد نُصبت عند مدخل البيت لافتة من المعدن: "في الليلة التي عُدت فيها مع فيني إلى رقم 8115 في غرب اورلاندو – آنذاك فقط عرفت في سريرتي أنني غادرت السجن. وكان الرقم 8115 عندي مركز عالمي، والمكان الذي اُعلم بعلامة "إكس" في عقليتي الجغرافية".
بعد ذلك هبط الظلام على بيوت سويتو. ظلام على الجزء المرمم المنمق بالقرب من بيت مانديلا، وهو حي فخم، وظلام على سائر بيوت البلدة وأكواخها الصفيحية في أجزائها الأفقر التي تجولنا فيها والتي يسكنها بين مليون أسود إلى ثلاثة ملايين، وتبدو غزة بالقياس إليها مثل ضاحية فخمة. كان الجو حزينا أمس في سويتو، حزينا وفرحا أيضا. يبدو أن الجميع هنا ما عدا العاملين في جمع القمامة يعلمون أنه برغم كل الصعاب التي بقيت فان هذا المكان كان مختلفا قبل مانديلا.

التعليق