الصفقة الإيرانية الأميركية: خطوة أولى مهمة نحو السلام

تم نشره في الاثنين 9 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف - (أرشيفية)

بوب درايفوس* (ميدل إيست أونلاين) 25/11/2013
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

توصل الولايات المتحدة وإيران، بالاشتراك مع القوى العالمية الممثلة في مجموعة (5+1) إلى اتفاق جنيف التاريخي، يمهد الطريق أمام التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع المستمر منذ أمد طويل حول البرنامج النووي الإيراني. في اليوم الرابع من الجولة الأحدث من المباحثات، وبعد مساومات طويلة امتدت حتى الساعة الثالثة فجراً، توصلت مجموعة (5+1) وإيران إلى اتفاقية مؤقتة، كما كان متوقعاً على نطاق واسع، والتي تقضي بتجميد برنامج إيران النووي عند حالته الراهنة تقريباً. وفي المقابل، وافقت الولايات المتحدة ومجموعة (5+1) على تخفيف متواضع، لكنه لا بأس به، للعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران. وستكون الخطوة التالية التي تتوقع الأطراف أن تبت فيها بعد ستة أشهر، هي استكمال صفقة تنص على إنهاء العقوبات كاملة في مقابل تجميد مستمر وتراجع جزئي في برنامج إيران –يتضمن المزيد من عمليات التفتيش المفاجئة من جانب الوكالة الدولية للطاقة النووية- بطريقة توفر تأكيدات واضحة بأن إيران ليست على الطريق نحو حيازة أسلحة نووية.
بينما يشكل جوهر الاتفاق الذي تم التوصل إليه في جنيف انفراجاً، فإن النظرة السياسية للاتفاقية تحتل أهمية مساوية. فقد وقع الرئيس أوباما ووزير الخارجية، جون كيري، على الصفقة بوضوح وصراحة، في مواجهة كاملة مع الصقور الأميركيين والمحافظين الجدد والمتشددين واللوبي الإسرائيلي، بالإضافة إلى الحزبين المعادين لإيران في الكونغرس. ومن جهتهم، وفي خط مشابه، خرج وزير الخارجية جواد ظريف وفريقه، المدعومون من جانب الرئيس روحاني المنتخب في حزيران (يونيو) بتفويض للقيام بما فعلوه بالضبط- خرجوا على المتشددين والمتشككين في بلدهم، بقيادة الحرس الثوري الإسلامي وما يصفه ظريف بأنه حزب الشاي الإيراني. كما أن الولايات المتحدة توصلت إلى الصفقة بالرغم من العداء مباشر، الذي بلغ حدود الهستيريا، من جانب اثنين من حلفائها الرئيسيين في الشرق الأوسط: إسرائيل والعربية السعودية.
طبقا لبنود الاتفاقية، توافق إيران على وقف كل تخصيب اليورانيوم فوق درجة 3.5 إلى 5% من النقاء، وهو ما يعني الاكتفاء بيورانيوم منخفض التخصيب بدرجة الوقود فقط. وستم التخلص من مخزونها من اليورانيوم متوسط التخصيب وذي نسبة النقاء التي تصل إلى 20 % عبر تحويله إلى منتج لا يمكن استخدامه لصناعة الأسلحة. كما أنها لن تقوم بتركيب أي أجهزة طرد مركزي جديدة باستثناء تلك التي تلزم لاستبدال الأجهزة التي تتعطل، فضلاً عن أنها لن تشرع في تشغيل الموجودة راهناً، بما في ذلك أجهزة الطرد المركزي المتطورة غير المستخدمة، كما أنها لن تضيف إلى مخزونها الحالي من اليورانيوم منخفض التخصيب أيضاً، بالرغم من أنها تستطيع الاستمرار في تنقية اليورانيوم إلى نسبة نقاء تبلغ 5 % طالما أن بعضها يتحول إلى قضبان وقود وغير ذلك من المنتجات غير العسكرية. أما مفاعلها الذي يعمل بالماء الثقيل في آراك، والذي يستطيع إنتاج مادة لمعالجتها في البلوتونيوم، فسيتم تجميده. كما وافقت إيران على المزيد من عمليات التفتيش المفاجئة التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة النووية، بما في ذلك تفتيش يومي لمرفق "ناتانز" والمنشأة المقامة تحت الأرض في "فوردو".
وقد صادق كل من الرئيس الإيراني روحاني وآية الله علي خامنئي، المرشد الروحي للثورة الإيرانية، على هذا الاتفاق، فيما يعود في جزء منه إلى أن الولايات المتحدة ومجموعة (5+1) تعترف ضمنياً ولأول مرة بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي التي كانت إيران قد وقعت عليها، عبر الموافقة على السماح باستمرار إيران في تخصيب اليورانيوم إلى درجة 5 %. وقال روحاني أن الصفقة تعترف "بالحقوق النووية" لإيران. ووفق محطة تلفزة "العربية،" قال خامنئي: "يجب توجيه الشكر للفريق النووي المفاوض مقرونا بالتقدير لهذا الإنجاز. كان توفيق الله ومن ثم دعم الأمة الإيرانية السبب وراء هذا الإنجاز."
ومتحدثاً من البيت الأبيض في وقت مبكر يوم الأحد قال الرئيس الأميركي أوباما: "بينما يعد إعلان اليوم مجرد خطوة أولى، فإنه ينجز صفقة كبرى. لأول مرة في عقد من الزمن تقريباً أوقفنا تقدم البرنامج النووي الإيراني، وسيتم إلغاء أجزاء رئيسية من البرنامج. وقد التزمت إيران بوقف مستويات معينة من التخصيب وبإتلاف جزء من المخزون. ولا تستطيع إيران استخدام الجيل التالي من أجهزة الطرد المركزي -التي تستخدم لتخصيب اليورانيوم. ولا تستطيع إيران تركيب أو تشغيل أجهزة طرد مركزي جديدة، وسيكون إنتاجها من أجهزة الطرد المركزي محدوداً. وستوقف إيران العمل في مفاعلها للبلوتونيوم. وستتيح عمليات التفتيش الجديدة وصولاً واسعاً إلى مرافق إيران النووية، وسيتيح أمام المجموعة الدولية التحقق مما إذا كانت إيران ستحترم التزاماتها."
من المثير للاهتمام أيضاً أن بياناً صدر عن البيت الأبيض مؤخراً يستبعد صراحة فرض المزيد من العقوبات الإضافية على إيران، وهو ما يعتبر رسالة مباشرة موجهة إلى قادة مجلس الشيوخ الأميركي، بمن فيهم زعيم الأغلبية هاري ريد وتشك شومر (ديمقراطي- نيويورك)، اللذين كانا قد ألمحا إلى أنهما سيمضيان قدماً نحو إقرار جولة أخرى من العقوبات على إيران في كانون الأول (ديسمبر) الحالي. ويقول البيت الأبيض أن الاتفاق يلزم أطراف المجموعة (5+1)، بمن فيهم الولايات المتحدة، "بعدم فرض عقوبات جديدة تمت بصلة للموضوع النووي لمدة ستة أشهر إذا ما أوفت إيران بالتزاماتها بموجب هذه الصفقة، وإلى المدى المسموح به في إطار سياساتها."
لكن البيت الأبيض، في محاولته بيع الاتفاق على المتشككين المحليين بمن فيهم الصقور، يجازف بأن يبدو مفرطاً بعض الشيء بوصفه التخفيف من العقوبات المفروضة على إيران بأنه "محدود ومؤقت ومستهدف وقابل للتراجع عنه." كل ذلك صحيح، لكن التزامات إيران هي الأخرى "قابلة للتراجع عنها" بطبيعة الحال. وفي الحقيقة، فإن تخفيف العقوبات مهم في حد ذاته، لكنه يشكل أيضاً أول تحرك في الاتجاه المعاكس فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية على إيران منذ منتصف التسعينيات (من القرن الماضي). وبموجب شروط الاتفاق، ستكسب إيران الوصول إلى مليارات الدولارات في حساباتها المجمدة على مدار الأشهر الستة التالية، كما ستكسب تخفيفاً محدداً في العقوبات المتعلقة بقطاعي المركبات والطيران لديها، وسيسمح الاتفاق ببقاء مشتريات النفط الإيراني عند مستوياتها المنخفضة حالياً إلى حد كبير." وتعني العبارة الأخيرة أنه بالرغم من أن العقوبات الكبيرة، النفطية والمصرفية، ستظل قيد العمل، فلن يكون هناك المزيد من الضغط لخفض صادرات إيران النفطية أكثر.
كما كان متوقعاً، كان رد فعل إسرائيل مثل المصاب بالسكتة القلبية. وقال وزير الاقتصاد الإسرائيلي، نافتالي بينيت: "إذا انفجرت حقيبة نووية في نيويورك أو مدريد بعد خمسة أعوام من الآن، فسيكون تفجرها بسبب الصفقة التي وقعت هذا الصباح." لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيواجه المشاكل وهو يلعب بهذه البطاقة منذ وقت طويل، نظراً لأن إسرائيل معزولة بشكل حاد عن باقي العالم، وتخاطر بحدوث انفجار مكشوف في علاقاتها مع واشنطن. وكان بعض القادة الإسرائيليين، مثل الرئيس شيمون بيريز والزعيم الجديد لحزب العمل الإسرائيلي، قد أصدروا مسبقاً بيانات تفاوتت بين اللطيفة والمعتدلة، والتي تشجب تهجم نتنياهو على الاتفاق. ومع ذلك، فإن من المفارقات أن رد فعل إسرائيل القوي سيساعد روحاني وظريف على تسويق الصفقة في إيران، سيما وأن باستطاعتهما الإشارة إلى انتقاد إسرائيل للصفقة كإشارة إلى أنها شكلت في الحقيقة انتصاراً لـ"حقوق إيران النووية".
وفي إيجاز عن الخلفيات، فصل مسؤول أميركي رفيع نوعية تخفيف العقوبات الذي ستحصل عليه إيران من الاتفاق. وكان بيانه مؤثراً:
"المكونات هي كما يلي: سوف نوقف الجهود الرامية إلى مزيد من خفض مبيعات النفط الخام الإيراني. وهذا يعني أن صادرات نفط إيران ستبقى ثابتة عند مستوياتها الراهنة، والبالغة حوالي مليون برميل في اليوم، والتي انخفضت بنسبة 60 % منذ دخول عقوباتنا النفطية حيز التنفيذ في أواخر العام 2011. ومع استثناء واحد، فإن العائد الذي تكسبه إيران من هذه المبيعات على مدار الأشهر الستة التالية سيستمر بأن يكون مقيداً بفعل عقوباتنا، ما يعني أن تلك الأموال لن تكون متاحة لإيران كي تستعيدها أو لتحويلها عبر الحدود. أما الاستثناء الوحيد، فهو أننا سنسمح لإيران بتحويل 4.2 بليون دولار كعوائد من هذه المبيعات في شكل أقساط على مدار الأشهر الستة التالية.
سوف نعلق العقوبات الأميركية على صادرات إيران من البتروكيماويات. وسيسمح ذلك لإيران بتوليد بعض العائد، والذي نقدر بأنه سيكون بمقدار مليار دولار في الحد الأقصى من العوائد الجديدة على مدار الأشهر الستة التالية. وسنعلق العقوبات الأميركية على تجارة إيران في الذهب والمعادن النفيسة. ولن تكون هناك قيمة اقتصادية محددة لإيران من هذا البند، لأنه يجب على إيران أن تنفق عملتها الأجنبية المحدودة وغير المقيدة في مقابل مشتريات الذهب. ولا تستطيع إيران استخدام عوائدها من النفط لشراء الذهب.
 سنعلق العقوبات الأميركية على الصادرات الخاصة بصناعة المركبات في إيران. ويستطيع هذا التعليق أن يقدم لإيران بعض الاستفادة الهامشية التي تصل إلى حوالي 500 مليون دولار، إذا كانت قادرة على استئناف مستوياتها السابقة من الإنتاج وإعادة تنشيط صادراتها من المركبات. ومع ذلك، تعاني صناعة المركبات في إيران من العديد من المشاكل بسبب العقوبات التي يترتب حل العديد منها حتى تستفيد إيران من هذا البند. وبالإضافة إلى ذلك، ستحتاج إيران إلى استخدام بعض عملتها الأجنبية المحدودة لتسديد أثمان قطع السيارات التي ستستوردها من الخارج.
 وسنسمح بمبلغ 400 مليون دولار كمساعدة حكومية لرسوم الدراسة، وسيتم تحويلها من الأموال المقيدة وراء البحار مباشرة لمؤسسات تعليمية معروفة في بلدان أخرى، من أجل دفع نفقات الرسوم الدراسية للطلبة الإيرانيين. وسنمنح رخصاً لإجراء تصليحات لها علاقة بالسلامة، وبعمليات تفتيش داخل إيران لبعض الطائرات الإيرانية، وسنؤسس قناة مالية لتسهيل التجارة الإنسانية في الغذاء والسلع الزراعية والعقاقير والأجهزة الطبية التي تلزم لاحتياجات إيران في الداخل. وكانت المعاملات الإنسانية قد أعفيت صراحة من العقوبات من جانب الكونغرس. وعليهن فإن هذه القناة لن تمنح إيران الوصول إلى أي مصدر أموال جديد.
وأخيراً، وإلى المدى الذي تخوله سياساتنا، التزمنا بالامتناع عن فرض أي عقوبات جديدة ذات صلة بالموضوع النووي. ولن يمنعنا ذلك من تنفيذ وتفعيل عقوباتنا الموجودة وذات الصلة بالموضوع النووي، وهو ما سنفعله بالطبع، أو من فرض عقوبات جديدة تستهدف رعاية إيران للإرهاب أو سجلها الكبير في مجال حقوق الإنسان."


*محرر مساهم في مجلة "ذا نيشن" وصحفي استقصائي متخصص في السياسة والأمن القوميين. وهو مؤلف كتاب "لعبة الشيطان: كيف أطلقت الولايات المتحدة الإسلام المتشدد من عقاله."
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: United States-Iran deal Is First step Toward Peace

التعليق