كيري ليس وسيطا نزيها

تم نشره في السبت 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 02:00 صباحاً

هآرتس

عاموس هرئيل
15/11/2013
أجواء الأزمة بين إسرائيل والولايات المتحدة اشتدت هذا الاسبوع، بسبب خلافين على المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين والمحاولة لايجاد حل وسط دبلوماسي في الاتصالات على البرنامج النووي الإيراني.
لقد هاجم بنيامين نتنياهو ما وصفه بالاتفاق السيئ المتبلور مع إيران، فيما انتقد وزراء آخرون سلوك وزير الخارجية الأميركي جون كيري في المفاوضات الفلسطينية.
في القيادة السياسية في إسرائيل يقولون إن الأجواء خلف الكواليس مشحونة ومعادية اكثر مما تنعكس في وسائل الإعلام. فقد قال وزير كبير لـ"هآرتس" إن كيري لا يمكنه ان يكون وسيطا نزيها بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
لقد اشتد التوتر في القناتين في آن واحد تقريبا. فيوم الأربعاء الماضي، 6 تشرين الثاني، عشية استئناف المحادثات مع إيران في جنيف، اطلع الأميركيون القيادة الإسرائيلية على تقرير فهموه في إسرائيل بأن إدارة أوباما تطلب اتخاذ تخفيف مهم جدا في العقوبات: تحرير أملاك إيرانية مجمدة في الغرب، بقيمة ثلاثة حتى أربعة مليارات دولار. فانتقدت إسرائيل البادرة المبالغ فيها، برأيها، ولكن بعد نحو يومين، في صباح الجمعة، تبين أن الاتفاق المتبلور يسير بعيدا اكثر من ذلك باتجاه إيران. ففي القدس يشتبهون منذ فترة طويلة بأن واشنطن وطهران تقيمان قناة اتصالات مباشرة، سرية، منذ الانتخابات للرئاسة في إيران في حزيران الماضي وربما حتى قبل ذلك. وأكدت المعلومات التي وصلت إسرائيل هذا الاسبوع هذه التقديرات.
لقد تبين هذه المرة بأن القوى العظمى مستعدة لتخفيفات حقيقية اخرى في العقوبات على إيران، في مجالات أساسية مثل الصناعة البتروكميائية، التجارة بالذهب، صناعة السيارات واستيراد قطع الغيار للطائرات. ويقدرون في القدس قيمة الامتيازات بنحو 20 مليار دولار. (الوزير يوفال شتاينتس ذكر هذا الاسبوع مبلغا مضاعفا، ولكن حسابات مبالغ فيها برأي زملائه). "لقد اعدت الادارة هنا شيئا ما لا يمكن وصفه بالكلمات"، يقول الوزير الكبير. "الاميركيون يقولون لنا اننا اذا كنا متشددين اكثر مما ينبغي فسنضر الرئيس الإيراني حسن روحاني. هذا هراء: الوحيد الذي يقرر في طهران هو علي خمينئي، الزعيم الروحي. وروحاني لا يعبر الا عن الوجه الجميل للنظام، الذي ارسل إلى الامم المتحدة وإلى الاتصالات في جنيف".
وعلى حد قوله فإن "خمينئي عاد إلى المفاوضات على ركبتيه بسبب التاثير الشديد للعقوبات على الاقتصاد الإيراني. وبدلا من ممارسة المزيد من الضغط وحشره في الزاوية، قرر الاميركيون التنازل".
نتنياهو ووزراؤه يؤمنون، في خلاف تام مع رأي الاميركيين وبعض القوى العظمى الأخرى التي تشارك في الاتصالات، بانه يمكن ان ينتزع من خمينئي اتفاق افضل بكثير، يوقف تماما تخصيب اليورانيوم، على كل المستويات، ويوقف تماما عمل أجهزة الطرد المركزي. وبزعمهم، فانه في المعضلة بين تحقيق القنبلة وبقاء النظام – والأزمة الاقتصادية تضع حكم آيات الله في خطر حقيقي – سيختار خمينئي البقاء.
ولكن ما انتزعه الغرب منه حتى الآن كان طفيفا. "جرى الحديث عن وقف العمل في مفاعل المياه الثقيلة في أراك لمدة نصف سنة الاتفاق الانتقالي. ولكن اراك على اي حال لم يخطط له ان يعمل حتى نهاية 2014"، يقول الوزير. "فقد حول الإيرانيون اليورانيوم المخصب إلى مستوى 20 في المائة إلى قضبان وقود، بمبادرتهم، بعد الخط الاحمر الذي رسمه نتنياهو في خطابه في الامم المتحدة في ايلول من العام الماضي".
وعلى حد قوله، فطالما بقيت للإيرانيين قدرة التخصيب إلى 3.5 في المائة، ولا يوجد ضرر حقيقي باجهزة الطرد المركزي، فستبقى قدرتهم على أن يقتحموا، عند الحاجة، فينتجوا كمية كافية من اليورانيوم المخصب لغرض القنبلة النووية في غضون بضعة اشهر.
وعليه، فا التسوية المقترحة لا تعيد إلى الوراء قدرة إيران الكامنة. واذا لم يكن هذا بكاف، فان اجواء التخفيف في العقوبات تترجم منذ الان إلى تحسن في الاقتصاد الإيراني. "الصينيون يعتزمون استئنف المفاوضات معهم على التوقيع على عقود اقتصادية؛ رجال أعمال اوروبيون يقفون في الطابور من أجل اغلاق صفقات جديدة معهم. وفي واقع الامر، فان الاقتصاد الإيراني يقف منذ الان على عتبة الخلاص.
سيكون من الصعب جدا اعادة العجلة إلى الوراء، ولا سيما اذا ما تمت التسهيلات المبالغ فيها التي تعتزم القوى العظمى اقرارها لاحقا".
وحسب الإسرائيليين، فقد وقعت اميركا في الفخ الإيراني. طهران، من اللحظة التي يرفع فيها قسم من العقوبات، لن تسارع إلى التوقيع على اتفاق نهائي بل ستحاول التسويف في المدة الزمنية للتسوية الانتقالية.
لقد أدى اتضاح التفاصيل إلى هجوم نتنياهو العلني على اوباما. وبالتوازي، وجه انتقاد مشابه ايضا من جانب فرنسا، السعودية وامارات الخليج. كيري، الذي اعتزم الانضمام إلى الاتصالات في جنيف يوم الجمعة الماضي، للتوقيع على الاتفاق، غير الان نهجه وحاول اعادة فتح الشروط. وهنا نشبت أزمة مع الإيرانيين، أدت إلى القرار بجولة مداولات اخرى يوم الاربعاء المقبل، 20 تشرين الثاني. ويتعين على الادارة الان ان تتصدى لجبهة اخرى، هذه المرة داخلية. فبتشجيع هادىء من إسرائيل تطرح مبادرتا تشريع جديدتان في مجلس الشيوخ: السناتور الديمقراطي بوب مننديلز يحاول ان يتصدر موجة جديدة من العقوبات الاكثر حدة ضد إيران، رغم معارضة اوباما. السناتور الجمهوري ليندزي غرهام يتصدر تشريعا سيسمح للادارة بالهجوم على إيران (وحسب الفكرة المطروحة، يلزم بدعم اميركي في حالة قصف إسرائيل لمواقع النووي).
ويقدر مننديلز بانه سيكون لمشروعه أغلبية 75 سناتور؛ اما غرهام فيتحدث عن 95 صوتا من اصل 100 .
وما يزال، رغم كل المصاعب، يبدو ان ادارة اوباما مصممة على عقد صفقة مع إيران في الجولة القريبة القادمة. وهذا يضع إسرائيل مرة اخرى في مكانة "قلنا لكم" المحبب عليها: فهي ستحذر من اضرار الاتفاق وتنتظر انهيار الصفقة في المستقبل. وسيواصل نتنياهو التلميح بخطوة عسكرية إسرائيلية محتملة، وان كانت لا تبدو في هذه اللحظة على جدول الاعمال.
بالتوازي مع الخلاف على إيران، اشتعل من جديد الجدال مع واشنطن على الاتصالات مع الفلسطينيين. فقد اغضبت إسرائيل الادارة بنشر العطاءات لتخطيط 20 الف وحدة سكن جديدة في الضفة الغربية. وفي القدس غضبوا من تحذيرات كيري، في المقابلة مع القناة 2، من اندلاع انتفاضة ثالثة، اذا لم يطرأ تقدم في المحادثات. في هذه الحالة، حددت القدس وزير الخارجية الاميركي، وليس الرئيس، كمصدر للأزمة.
"هذه مواجهة جبهوية مع كيري، وليس مع اوباما"، يقول الوزير الكبير. "المفاوضات السياسية هي الطفل المدلل لوزير الخارجية. افكاره ببساطة لا ترتبط بالواقع. وهو يوعظنا ويهددنا بجملة من الانتفاضة الثالثة، العزلة الدولية ومنح الشرعية للتوجه الفلسطيني احادي الجانب إلى المنظمات المرتبطة بالامم المتحدة. هذا الرجل يعطي شرعية للسلوك الفلسطيني الشاذ عن اطار الاتفاقات. وهو ليس وسيطا نزيها.

التعليق