الفريق عبد الفتاح السيسي ليس اليوزباشي جمال عبدالناصر

تم نشره في الأربعاء 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • ملصق دعائي مصري يجمع بين عبد الناصر والسادات والفريق السيسي - (أرشيفية)

د. حسن عفيف الحسن* - (ذا بالستاين كرونيكل) 23/10/213

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كانت أول تجربة مباشرة لجمال عبدالناصر مع حرب العام 1948 عندما حاصره الإسرائيليون هو وكتيبته من المشاة، ثم أصيب بجراح في مكان يدعى "الفلوجة". وحسب ناصر، جاءت هزيمة الجيوش العربية أمام إسرائيل بسبب فساد النظام العربي القائم، والملكيات، وأنظمة البايات والباشوات، وكثرة أصحاب العقارات الكبيرة والإقطاعيين. وكان من شأن حرب العام 1948 الكارثية أن تهيئ المسرح للعملية الانتقالية في العام 1952 تحت قيادة عبدالناصر، بحكم سجله الحربي في فلسطين وقلقه على مصر التي كانت في ذلك الوقت مستعمرة بريطانية.
في العام 1952، قام بتنفيذ الانقلاب العسكري أعضاء مجموعة "الضباط الأحرار" تحت قيادة جمال عبدالناصر، ثم تطور الانقلاب بعد ذلك إلى الثورة التي أسست مصر كدولة مستقلة ولاعب دولي رئيسي. وجاء ناصر في لحظة حاسمة من التاريخ، والتي كانت مصر فيها عملياً مستعمرة بريطانية، وكان المصريون يبحثون عن زعيم من أجل تحرير بلدهم. ويصف المؤرخون ناصر كواحد من الشخصيات السياسية البارزة في الشرق الأوسط في القرن العشرين، حيث أجبر الانقلاب العسكري الذي قاده الملك فاروق على التنازل عن العرش، قبل أن يتم إرساله هو وعائلته على متن يخت فاخر إلى المنفى في إمارة موناكو. وكان الجمهور المصري الساخط يدين الملك فاروق على نطاق واسع بالفساد والحكم غير الكفؤ، وبالتسبب في استمرار الاحتلال البريطاني لمصر والسيطرة الأجنبية على قناة السويس، وفشل مصر الذريع في الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1948. وقد ودع ناصر الملك السابق في طريقه إلى المنفى باحتفال تكريمي، ولم يفكر أبداً في تعريضه للإهانة أو المحاكمة، لأنها كانت لدى ناصر خطط لمصر تحتاج كل وقته وطاقته. وكان ناصر يشير إلى الشعب المصري كله، بما فيه أنصار الملك، وطبقة الباشاوات، وأعضاء حزب الوفد المهيمن في ذلك الوقت، وأصحاب الأراضي والعقارات، باعتبارهم جميعاً عائلة واحدة. كان هذا هو ما وصف به حكومته في أحد خطاباته: "إنها الحكومة التي تنظر إلى كل المصريين كعائلة واحدة كبيرة".
كانت لناصر إيديولوجية، وخطط، واستراتيجية، وخريطة طريق لإصلاح الاقتصاد المصري والنهوض بمستوى معيشة الفقراء. وكانت منجزات حكومته الأكثر أهمية في السنوات الخمس بين 1952 وحتى 1975 هي: خطة "الإصلاح الزراعي"، وبداية حقبة التصنيع. وكانت خطة الإصلاح الزراعي هي السياسة التي استندت عليها معظم شرعية نظامه، ليس باعتبارها وسيلة للحفاظ على السلام الاجتماعي فحسب، وإنما كوسيلة لتحويل الموارد من الزراعة إلى الصناعة. وهكذا، في يوم 23 تموز (يوليو) 1952، مباشرة بعد تنفيذ الانقلاب بنجاح وبطريقة سلمية بدون إطلاق رصاصة واحدة، أصدر قادته بياناً يقول إن القيادة العامة للثورة سلمت مطالب من أجل إصدار قوانين تساعد في رفع مستوى معيشة الشعب. ومن بين أهم وأول هذه القوانين، كان الحد من ملكية الأراضي.
كانت أهداف سياسة الإصلاح الزراعي هي الارتقاء بمستوى معيشة الفلاحين وتوفير المشاركة في تحويل البلد إلى التصنيع، باعتبار ذلك شكلاً بديلاً عن استثمار الأثرياء الذين كانوا يمتلكون معظم الأراضي المزروعة في مصر. وفي خطاب ألقاه في الذكرى الثانية للثورة، أعاد ناصر تأكيد هدف ثورته: "...الإصلاح الزراعي الذي خدم المزارعين، خدم الرأسماليين المصرييين أيضاً... لقد ضمن جني الأرباح في بعض الحالات، وقدم الكثير من التسهيلات للرأسماليين الذين يرغبون في إنشاء صناعة جديدة. إن هذه الحكومة هي للأمة جميعاً، حكومة للفلاحين، والعمال، والطلبة، والممولين، ورجال الأعمال؛ للأغنياء والفقراء؛ للضعيف والقوي، للمبتدئين وللذين حققوا النجاح...".
بالنظر إلى صغر نسبة المساحة القابلة للسكن والفلاحة على طول نهر النيل، والبالغة (3 %) فقط، التزم عبدالناصر بتوسيع رقعة الأراضي المتاحة للزراعة عن طريق بناء مشروع السد العالي في أسوان، واستصلاح جزء من الصحراء المحيطة. وفي ذلك الإطار، أبرم اتفاقاً مع السوفيات للمساعدة في استصلاح نحو 300.000 فدان في منطقة النوبة الغربية.
كان هدف ناصر هو إنشاء صناعات ثقيلة "استراتيجية"، باعتبارها السمة المميزة للقوة والنفوذ في كل من الغرب والاتحاد السوفياتي. وسيكون من شأن هذه الصناعات أن تنتج الأسمدة، والجرارات الزراعية، والمضخات وما إلى ذلك من الأدوات الضرورية للتحديث الزراعي. كما أنها ستنتج للمصريين السلع الاستهلاكية الأساسية المعمرة، مثل ألواح الصلب، وسبائك الألمنيوم، والأنابيب، والكابلات النحاسية، والإسمنت، ثم ستذهب في نهاية المطاف إلى دعم خانة الصادرات. واعتقد ناصر بأن التوسع العمراني الحضري، وارتفاع الدخل ومحو الأمية، ستعمل كلها على خفض معدلات المواليد بحيث يتمكن القطاع الزراعي النشط من إطعام سكان مستقرين. وعلى المدى البعيد، سيكون للمصري المتوسط مسكنه الخاص، بل وربما سيارته الخاصة أيضاً. وستكون الدولة قادرة على جني الضرائب من ازدهار المواطنين المتنامي من أجل توليد استثمار ينتج المزيد من النمو. كانت تلك هي رؤية ناصر لمصر، والتي رأى أنها يمكن أن تكون في متناول يد البلد في نهاية عقد من النمو المخطط. وفي مرحلة لاحقة، أدرك ناصر أن القطاع الخاص لم يكن قادراً على الاضطلاع بمهمة التحديث بوتيرة متسارعة، بسبب الافتقار إلى رأس المال الخاص، ولذلك أمر الدولة، بما فيها الجيش، بتولي العديد من الوظائف الصناعية. وهكذا، كان باستطاعة ناصر أن يصنع عملية انتقال إلى الديمقراطية، وأن يترشح على أساس سجله المحلي وسياسته الخارجية ويكسب الانتخابات، لكنه لم يفعل ذلك، للأسف.
بينما كان يحاول تطبيق رؤيته، ارتكب ناصر أخطاء فادحة أسهمت في إنتاج الحالة المحزنة التي تعيشها مصر اليوم. لكن قواته المسلحة لم تقم أبداً بسفك دماء المصريين في شوارع وميادين القاهرة. كانت إحدى أخطاء ناصر هي إحاطة نفسه بنواب غير أكفياء، وخلق نموذج عبادة الزعيم القوي الذي أصبح نموذجاً لخلفائه ولمعظم الأنظمة الثورية وغير الثورية في الشرق الأوسط. وقد خلق ناصر طبقة سياسية قوية في قلب النظام، هي طبقة ضباط الجيش الذين اعتقدوا بأنهم مُنحوا تفويضاً شعبياً لحكم مصر؛ وقد تبنى هؤلاء، على نحو مليء بالمفارقة، أسلوب حياة الأغنياء، فيما عدا ناصر نفسه الذي عاش حياة بسيطة. وقد أساء نائبه الأكثر حيازة على الثقة، عبدالحكيم عامر، إدارة الاندماج المصري-السوري في العام 1958، والذي أصبح يعرف باسم "الجمهورية العربية المتحدة". وقد فشلت هذه الجمهورية المتحدة. لكن عبدالناصر ارتكب خطأ آخر بترقية عامر إلى أعلى رتبة عسكرية. وكان عامر مسؤولاً عن هزيمة مصر الساحقة أمام إسرائيل في حرب الأيام الستة، 1967.
لسوء الحظ، تسلق خلفاء ناصر، ومن بينهم الفريق السيسي، إلى سدة السلطة باستغلال الهيكل الدائم للدولة السلطوية تحت حكم الجيش، والذي ناصر قد خلقه -وإنما من دون امتلاك شيء يشبه خططه الطموحة لتحسين حياة المصريين.
أنصار الفريق السيسي، رجل مصر القوي، يقارنونه الآن بعبدالناصر. لكن الزي العسكري هو الشيء الوحيد المشترك بين الرجلين. وإذا كان الناس يتذكرون عبدالناصر بتحقيقه استقلال مصر عن بريطانيا، واستعادة قناة السويس، وبناء السد العالي وتطبيق سياسات الإصلاح الزراعي، فإنهم سيتذكرون الفريق السيسي بإجهاض أول تجربة ديمقراطية في مصر؛ بتقسيم الأمة إلى ثنائية "نحن-هم" القائمة على اختلاف الآراء السياسية؛ بكونه أول جنرال عسكري مصري يأمر قواته بقتل المئات وجرح الآلاف من المتظاهرين المصريين المعارضين للانقلاب فيما يدعى مذابح 14 آب (أغسطس) في ميداني رابعة العدوية والنهضة. كما أن الفريق السيسي هو أول زعيم عربي ينضم إلى أحزاب اليمين الإسرائيلي بإعلانه علناً أن الاتصال مع حركة حماس التي كسبت الانتخابات البرلمانية الفلسطينية للعام 2006، يعد عملاً من أعمال الخيانة. إن الفريق عبدالفتاح السيسي ليس هو اليوزباشي جمال عبدالناصر.

*هو محلل سياسي. آخر كتبه هو "هل مات حل الدولتين فعلاً؟"
*نشر هذا المقال تحت عنوان: General Abdel-Fattah Sisi is No Colonel Gamal Abdel-Nasser

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق