فلنركز على حقوق الفلسطينيين الإنسانية

تم نشره في الاثنين 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • طفلان فلسطينيان يطلان من وراء جدار معدني مثقوب بالرصاص والشظايا- (أرشيفية)

جيمس زغبي* – (واشنطن ووتش)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
الآن، يجتمع المفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون في إطار الفصل الأخير من الحكاية الأسطورية المستمرة لعقود، من معاودة توقف ومعاودة استمرار محادثات السلام. ومع عدم وجود تسريبات عما يدور في الاجتماعات، بل ومع غياب حتى الإحساس بالتفاؤل، يتبقى لدينا تكهن واحد عن الكيفية التي تسير بها المحادثات، أو ما إذا كان هناك حتى أي احتمال للتوصل إلى اتفاق.
هنا في الولايات المتحدة، ينخرط المؤيدون للفلسطينيين في جدال ربما يسخن في بعض الأوقات، لكنه يظل عقيماً وغير ذي جدوى، حول أشياء من نوع: ما الذي ينبغي أن تشمله "الصفقة"، أو ما إذا كان عدم التوصل إلى صفقة سيكون أفضل حاصل -بما أن هذه النتيجة، كما يقول البعض، سوف تفضي بشكل حتمي إلى حل الدولة الواحدة.
أياً يكن واقع الحال، فإن هذا النقاش كله يبقى بلا غاية، ومضيعة للوقت، وتهرباً من المسؤولية الحقيقية.
ولا أقصد القول إن النتيجة لا تهم. لكن على الجميع الاعتراف بأن الحل النهائي للصراع لن يعتمد على تلك المناقشة في التحصيل الأخير. وبدلاً من استنفاد أنفسنا في المجادلات حول ما لا ليست لنا سيطرة عليه، ينبغي أن نركز على ما يمكننا القيام به -تسليط الضوء على الظلم اليومي الذي ينزل بالفلسطينيين، وحشد الدعم لنصرة أولئك الذين يتعرضون للاعتداء المتواصل على حقوقهم الإنسانية.
هناك الكثير من جماعات حقوق الإنسان المنخرطة في هذا الجهد في إسرائيل وفلسطين. ويقوم ناشطوها بتوثيق حالات مصادرة الأراضي وهدم البيوت؛ حالات السجناء المحتجزين بلا تهم أو محاكمة؛ حالات قيام عصابات المستوطنين الانتقامية بتدنيس المساجد، وقطع أشجار الزيتون وضرب أو قتل الشبان الفلسطينيين، وتسجيل الحوادث التي استخدم فيها الجيش إجراءات العقاب الجماعي أو القوة المفرطة أو قام بإهانة وإذلال المدنيين الفلسطينيين. إن ضحايا هذه التصرفات غير القانونية وغير الأخلاقية يستحقون أن نمنحهم اهتمامنا. ينبغي أن يقوم أحد بتبني قضاياهم وتوصيلها. ويجب أن تكون أسماؤهم معروفة. وينبغي الاستمرار في دعمهم حتى يصل هذا الظلم المستمر إلى نهاية.
في العام 1977، قمت أنا وآخرون بتأسيس حملة الحقوق الإنسانية الفلسطينية. ولأنها لم تكن هناك في ذلك الوقت أي جماعة حقوق إنسان تقوم بتبني القضايا الفلسطينية، أخذنا على عاتقنا النظر في القضايا الفردية لأولئك الذين تعرضوا للتعذيب؛ أولئك الذين هُدمت منازلهم؛ والذين عانوا من الاعتقال لفترات مطولة بلا توجيه تهم إليهم، وأولئك الذين طُردوا من وطنهم.
في ذلك الوقت، في المناقشات الدائرة في الولايات المتحدة للصراع، كان يُنظر إلى الإسرائيليين على أنهم كائنات بشرية كاملة، لكن الفلسطينيين لم يكونوا معروفين ولا لهم شكل. حينذاك، نظر الأميركيون إلى الإسرائيليين باعتبارهم أناساً حقيقيين ينطوون على آمال ومخاوف. أما الفلسطينيون، من جهة أخرى، فكانوا مجرد فكرة مجردة يستطيع القليل من الأميركيين التعرف إليها وتمييزها.
هكذا، جرى تقديم الفلسطينيين إما في صور نمطية سلبية، أو باعتبارهم مجرد "مشكلة" ينبغي حلها. وكنا نأمل تصحيح ذلك الخلل عن طريق وضع وجه إنساني على المفهوم الغائم للشعب الفلسطيني.
الكثير من جماعات الدعم العربية الأميركية أو الفلسطينية التي كانت موجودة في ذلك الوقت، حالها مثل حال الجماعات الموجودة الآن، كانت منخرطة في الجدالات نفسها التي لا تنتهي حول قضايا لم تكن تمتلك السيطرة عليها والتدخل في وجهاتها: أي "خط سياسي" هو الذي سيكون صحيحاً أكثر من غيره، أو ما هو شكل الحكم الذي يجب أن يسود في الدولة الفلسطينية المستقبلية.
وراء حينذاك، كان اليسار الليبرالي الأميركي صامتاً إلى حد كبير فيما يتعلق بالقضايا الفلسطينية. وقد ركز أولئك الذين كانوا منخرطين جهودهم على محاولة إقامة "حوارات" على أمل تعزيز المصالحة بين العرب واليهود.
عندما جاءت حملة الحقوق الإنسانية الفلسطينية إلى الوجود، لاقينا الشجب والإدانة من كلتا المجموعتين. فمن جهة، قيل لنا إننا قد "بِعنا" وتنازلنا لأننا أهملنا الجدالات الإيديولوجية، وإننا لم نكن "أنقياء" بما يكفي. لكن جماعات السلام أبقتنا على مسافة ذراع منها أيضاً، قائلة إننا بتحدينا سلوك إسرائيل وضعنا الجماعات اليهودية على جانب الدفاع وجعلناها غير مرتاحة، بحيث أفضت جهودنا -في رأيهم- إلى إحباط الجهد المبذول لإقامة حوار "محايد".
الآن، بعد 36 عاماً، يبدو أن تلك الحالة نفسها ما تزال قائمة اليوم. الآن يحتدم الجدال حول الدولة أو الدولتين في بعض الأوساط، بينما يستمر الليبراليون الذين أصبحوا يعتنقون الآن فكرة حل دولتين في رفض مخاطبة مسألة الحقوق الإنسانية للفلسطينيين. وفي حان كان الجهد السابق مضيعة للوقت والطاقة، فإن هذا الأخير اللاحق يشكل تخلياً عن الأخلاقية. وفي الأثناء، ظل الفلسطينيون غير معروفين للجمهور الأميركي، وما تزال حقوقهم عرضة للانتهاك اليومي.
طالما ظل الفلسطينيون غير معروفين، فإن الخطاب عن القضية في الولايات المتحدة سيظل أحادي الجانب بطريقة ميؤوس منها. عندما يتم تقديم الإنسانية الإسرائيلية على أنها تقف في مواجهة "المشكلة" الفلسطينية، فإنك تستطيع أن تخمن من هو الطرف الذي سيفوز. وإذا كان الأميركيون لا يستطيعون أن يروا أو يفهموا الفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم وأراضيهم؛ الذين يتعرضون للإهانة والإذلال أمام أولادهم على نقاط التفتيش؛ أو الذين أسيئت معاملتهم وحرموا من حقوقهم الأساسية كأسرى، فإن كل ما سيهتم به الأميركيون عندئذ سيكون ضمان الأمن للإسرائيليين.
من أجل تصحيح هذا الوضع غير السوي، سيكون المطلوب هو تبني قضية العدالة والحقوق الإنسانية، أو كما صاغ المسألة أحد مرشديّ السابقين، الدكتور إسرائيل شاحاك (مؤسس العصبة الإسرائيلية للحقوق الإنسانية والمدنية): "النضال من أجل ضمان حقوق متساوية لكل كائن بشري".
سواء ستكون هناك دولة واحدة أو دولتان، إذا كان يمكن أن يحدث أصلاً، فإن ذلك سيحدده المفاوضون. ولكن في الأثناء، ماذا عن الضحايا؟ من سيتحدث باسمهم؟ من سيعطي أولئك الذين يعانون الأمل بأن يسمع أحد صرخاتهم المطالبة بالعدالة؟ ومن هو الذي سيخبر الجمهور الأميركي بأنها ليست الإنسانية الإسرائيلية فقط هي المهددة في غياب السلام؟ في حقيقة الأمر، دفع الفلسطينيون، وما يزالون يدفعون، ثمناً هائلاً تحت الاحتلال.
إن إدراك هذا الواقع والاعتراف به هو مكون أساسي في البحث عن سلام عادل، لأنه فقط عندما يُعرف الفلسطينيون ويتم الاعتراف بحقوقهم بشكل كامل، سوف تشعر الولايات المتحدة بالحاجة إلى الضغط من أجل تحقيق سلام متوازن يعترف بحقوق وحاجات الجميع.

*رئيس المعهد العربي الأميركي. يكتب عموداً أسبوعياً باسم "واشنطن ووتش"، وهو مؤلف كتاب "أصوات عربية: ما يقولونه لنا، ولماذا يهم".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Focus on Palestinians’ Rights

التعليق