القهوة العربية.. عنوان كرم الضيافة في أيام العيد

تم نشره في الاثنين 14 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 03:00 صباحاً
  • القهوة العربية من العادات الاجتماعية الأصيلة - (أرشيفية)

منى أبو صبح

عمان- اعتادت الستينية أم عامر تجهيز القهوة العربية منذ الصباح الباكر في العيد، لتصبها في دلتها القديمة ذات النقوش والزخارف المتعددة. ومع إطلالة أول ضيف تبدأ مهمة أحد أفراد عائلتها بتقديمها إليه، إلى جانب المعمول والحلوى.
تحاول أم عامر الحفاظ على طقوس صنع القهوة التقليدية السابقة، فرغم توفرها بالأسواق حاليا إلا أنها تفضل شراء حبوب البن الخضراء، وتبدأ بتقليبها وتحميصها على نار هادئة، ومن ثم تبدأ بدقها بـ(الهاون) الذي ورثته عن والدتها. وبعد ذلك تقوم بغلي القهوة مع الماء في القدر المخصص لذلك، وتضيف عليه الهيل والقرنفل والزنجبيل في المرحلة الأخيرة.
تقول أم عامر "أحرص على الاعتناء بصنع القهوة في هذا اليوم، فالعيد مناسبة دينية عزيزة على قلوبنا جميعا، كما أن القهوة العربية من العادات الاجتماعية الأصيلة، وجزء من حياتنا وتراثنا، وسوف تتناقلها الأجيال".
تعد القهوة العربية عنوان الأصالة وإكرام الضيف، وفي العيد لها طقوس خاصة إذ تقدَّم للزوار مع أصناف الطعام المختلفة، ولا تكتمل فرحة العيد إلا بها، حيث تتبارى ربات البيوت في تنوع أساليب تحضيرها وتقديمها لضيوف العيد.
ربة المنزل الأربعينية علياء السمان تقول "تجمُّع الأهل في العيد أمر ضروري، وغالبا ما تبدأ الجلسات بالقهوة، فلا بد من شرب القهوة قبل تناول الفطور، وكذلك بعد تناول الغداء".
وتوضح أم عامر أن زيارة المقابر في صباح العيد عادة من عادات عائلتها، كما هو لدى العديد من الأسر، وبعد هذه الزيارة يجتمع الأهل في منزل كبير العائلة لتناول القهوة ذات الرائحة الشهية.
وفي هذا السياق يبين الخمسيني أبو عبدالله أن القهوة العربية "ضرورية" في يوم العيد، يتلذذ الجميع بنكتها الخاصة، لافتا إلى "أن القهوة جزء من مظاهر أيام الفرح، نستمتع بها جميعا، فهي تلازمنا في كل مناسباتنا السعيدة، كما أن تقديم القهوة من العادات المحافظ عليها بشدة، وهذا يسعدنا جميعا، كون القهوة لها مكانة خاصة عند العرب".
وحول الفروق في طرق إعداد القهوة تفضل الثلاثينية نُهى البدري، صنع القهوة السعودية، التي تشبعها بالزعفران والقرنفل، إلى جانب الهيل، وتقوم بتحضيرها منذ الصباح الباكر، لتكون جاهزة للتقديم.
تقول "بعد الانتهاء من صنع القهوة في الموعد المتفق عليه مع جاراتي، نجتمع أمام المنزل فتحتسي كل منا قهوة الأخرى، وتبدي رأيها فيها، لنعرف من منا أتقنت إعداد القهوة العربية المثلى".
يبين خبير التراث نايف النوايسة، أن القهوة العربية السادة هي المشروب المفضل في الوسط الأردني عامة (الريف أو المدينة)، وأن التفنن في صنعها وإعدادها بدأ من خلال إدخال بعض الحبوب الجديدة غير الهيل عليها، مثل القرنفل والزنجبيل والزعفران، لكن المادة الأساسية فيها هي البن المحمص (ثلثان شقراء وثلث محروقة)، بالإضافة إلى القهوة السعودية الشقراء التي تحوي نسبة عالية من الهيل.
يقول "هذه القهوة ليست مشروبا فقط، وإنما هي مرتبطة بكثير من العادات والطقوس والأساليب المتعلقة بالكثير من القضايا، كالصلحة العشائرية والعطوات، وطلب العروس، فلا يجري إبرام الصلحة العشائرية إلا إذا قدّم فنجان القهوة لكبير الجاهة. ويجري من حول هذا الفنجان التداول سواء على الصلحة، أو طلبة العروس، بمعنى أن فنجان القهوة تجاوز معناه كمشروب إلى دلالة شعبية عميقة".
ويضيف، "أما صنع القهوة في العيد في أوساطنا الشعبية فيتم بطريقة جميلة جدا، وخاصة في بيوت الشعر، حيث تحمص القهوة بالمحماص على نار الحطب، وبعد ذلك توضع القهوة في المهباش (الجهن) وهو من الخشب، وتدق القهوة في حركات تتميز بإيقاع جميل يقوم بها شخص يُعرف في بيوت الشعر وعند الشيوخ بـ(الصانع). أما إن غاب الصانع فيقوم صاحب البيت بدق القهوة بنفسه. وبعد أن تدق القهوة تغلى على النار بواسطة دلة كبيرة (المعمل). وبعد أن يتأكد صاحب البيت أن القهوة قد نضجت تنقل إلى دلة أخرى من النحاس حتى تصل لدلة أصغر تقدم للضيوف".
ويرى النوايسة أن المحافظة على هذا الطقس من التراث يجب أن يقيد ويصوّر حسب الأصول، كما هو الحال في الريف والبادية، بوصفه يتداخل مع كثير من جوانب تراثنا الأخرى (القضاء العشائري، طلب الزواج، الضيافة العربية).
ويضيف "علينا أن نحافظ على هذا الطقس العريق الجميل، على نحو ما هو موجود في الريف والبادية، حتى لا ينقرض ويضيع وسط مشروبات أخرى. ويجب المحافظة على دلات القهوة العربية وفناجينها المميزة، وأدوات إعدادها جميعها، وعلى والطريقة التي تعدّ وتصب بها القهوة، علما بأنها تقدّم باليد اليمنى وتصبّ باليد اليسرى، وبطريقة محببة للضيف".

muna.abusubeh@alghad.jo

التعليق