حل الدولتين أم وهم الدولتين؟

تم نشره في الاثنين 30 أيلول / سبتمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • جون كيري يتوسط وزيرة العدل الإسرائيلية تسيبي ليفني وكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات - (أرشيفية)

لورنس ديفيدسون* – (ميدل إيست أونلاين)
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
بيتر بينارت هو "صهيوني ليبرالي"، كتب مقالة في "نيويورك ريفيو أف بوكس" يوم 26 أيلول (سبتمبر) تحت عنوان: "شرنقة اليهود الأميركيين". وفي تلك المقالة، يأسف بنارت لأن "المجتمع اليهودي الأميركي المنظم هو فضاء فكري مغلق".
بهذا يعني بينارت أن معظم اليهود الصهاينة الأميركيين (من المهم تذكر أنه ليس كل اليهود صهاينة)، يعرفون القليل، أو لا شيء عن أولئك الناس الذين يعارضونهم، وخاصة الفلسطينيين. كما يبدو أيضاً أنها ليست لديهم أي مصلحة أو اهتمام بتغيير هذا الوضع. وبالنسبة لهؤلاء الصهاينة، جرى اختزال المعارضة جميعاً إلى "هم" معادين للسامية بشكل لا شفاء له.
ويمضي بينارت ليخبرنا بأن هذا هو حال النفوذ السياسي للمجتمع الصهيوني المنظم، بحيث أصبح هذا الاتجاه الجاهل وغير العارف بشيء هو الذي يشخص "النقاش الدائر حول إسرائيل في واشنطن" والآراء التي تُعرض في وسائل الإعلام الجماهيرية أيضاً. وفي حين أن السيد بينارت لا يقول ذلك، أستطيع أن أقول لكم إن هذا الواقع شكل الوضع الأساسي منذ بواكير العشرينيات. لكن بينارت يلاحظ، مع ذلك، أن هذا الوضع أدى بالفلسطينيين وأولئك الذين يدعمونهم، بمرور الوقت، إلى إظهار استعداد أقل للحوار مع الصهاينة، الذين يعتبر الفلسطينيون وأنصارهم معظمهم عنصريين بشكل لا شفاء منه أيضاً.
يعتقد بينارت بأن هذا الجهل السائد يشكل كارثة. لماذا هو كذلك؟ لأنه يخلف الشعور بأن اليهود يخونون دروس ماضيهم الخاص عندما يفشلون في فهم معنى "تشتيت وطرد" الفلسطينيين. إنهم لا يبدون معنيين بكون هؤلاء الناس بالتحديد قد "تشتَّتت عائلاتهم في الحرب، (ويستمرون) في النضال من أجل الحفاظ على هويتـ(هم) وإيمانـ(هم) بالله في مواجهة قوى ليست لـ(هم) عليها أي سيطرة". إن هذا النوع من الأوضاع، وفقاً لبينارت، هو شيء "يجب أن يفهمه اليهود غريزياً".
أياً يكن الأمر، فإن تحقيق مثل هذا الفهم، بالنسبة لبينارت، هو وسيلة لتحقيق غاية. وتلك الغاية هي تحقيق حل دولتين للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني المستمر. وحتى يحدث ذلك، سيكون على الصهاينة بشكل أساسي أن يشعروا بألم الفلسطينيين، وعلى الفلسطينيين أن يفهموا وضعهم الذي لا ينطوي على إمكانية الكسب، بحيث يوافق الجميع على قيام دولة فلسطينية صغيرة على مساحة "22 % من فلسطين الانتداب البريطاني"، إلى جانب "التعويض وإعادة توطين الناس الذين لم تعد قراهم وبيوتهم الأصلية موجودة".
وهم حل الدولتين
ثمة سؤال مهم، هو ما إذا كان حل الدولتين الذي يتحدث عنه بينارت لا يمثل في حد ذاته غاية كفت شروط تحققها العملية عن الوجود منذ وقت طويل؟ ذلك بالتأكيد هو رأي "أيان لوستيك"، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا. وفي زاوية مراجعات الأحد في صحيفة نيويورك تايمز يوم 15 أيلول (سبتمبر) نشر لوستيك مقالاً افتتاحياً بعنوان "وهم الدولتين".
وفق البروفيسور لوستيك، أصبحت فكرة حل الدولتين نوعاً من الحيلة الخادعة التي تختبئ خلفها دوافع سياسية انتهازية. على سبيل المثال، تبقي السلطة الوطنية الفلسطينية على هذا الأمل حياً بحيث تستطيع "الحصول على المساعدات الاقتصادية والدعم الدبلوماسي الذي يكفل إدامة طريقة عيش قادتها، والاحتفاظ بالوظائف لعشرات الآلاف من الجنود، والجواسيس، وضباط الشرطة، وموظفي الخدمة المدنية". وتبقي الحكومة الإسرائيلية على هذا الأمل حياً لأنه "يبدو وأنه يعكس عواطف أغلبية اليهود الإسرائيليين ويشكل درعاً للبلاد من مشاعر الازدراء الدولي، حتى مع أنه يموه ويغطي على الجهود الدؤوبة لتوسيع أراضي إسرائيل على حساب الضفة الغربية".
وأخيراً، تديم حكومة الولايات المتحدة أمل حل الدولتين لكي "تري الناس أنها تعمل في اتجاه إيجاد حل دبلوماسي، ولمنع اللوبي الداعم لإسرائيل من التحول ضدها، ولإخفاء عجزها المهين عن السماح لأي ضوء نهار بالبزوغ بين واشنطن والحكومة الإسرائيلية".
يعتقد لوستيك بأن حل الدولتين هو أمل مستحيل، والذي أنتج مفاوضات دورية كانت دائماً "زائفة" وحالت دون ظهور أفكار جديدة لإحداث تغيير إيجابي يمكن أن يتم تأملها بجدية. كما هيأ هذا الاختناق طويل الأمد أرضية المسرح لظهور أحداث "مفاجئة وخشنة" محتملة، والتي يمكن أن ترسل الصراع مسافات بعيدة في اتجاهات كارثية. وعلى نحو غريب بما يكفي، يرى لوستيك في هذا الاحتمال لتصعيد الصراع أمراً ضرورياً.
 يقول لنا لوستيك إنه، فقط عندما يختفي حل الدولتين "الأنيق والمقبول" -ومعه السلطة الفلسطينية وسياساتها القائمة على التعاون- عندها فقط سوف نحصل على "التعبئة الجماهيرية، وأعمال الشغب، والأعمال الوحشية، والإرهاب، والهجرة العربية واليهودية، والمد المتصاعد للإدانة الدولية لإسرائيل"، إلى جانب السحب اللاحق للدعم الأميركي غير المشروط للدولة الصهيونية.
عند تلك النقطة، "ربما يشرع القادة الإسرائيليون بأن يروا، كما رأى قادة جنوب إفريقيا البيض في أواخر الثمانينيات، أن سلوكهم يجلب عليهم العزلة، والهجرة واليأس وفقدان الأمل". ثم، سيصبحون، أخيراً، عقلانيين، وسيكون وجود شيء جديد ومقبول (حل دولة واحدة؟) أمراً ممكناً.
كما نرى، يحدث أن يكون سيناريو لوستيك الضروري هو كابوس بيتر بينارت نفسه، والذي يُسمى في مقالة الأخير "الحرب الأهلية". وقد صُممت دعوة بينارت لزيادة الفهم والتفاهم المتبادل من أجل منع حدوث مثل هذا العنف بالتحديد. ويستطيع المرء افتراض أن الأمور، بالنسبة للبروفيسور لوستيك، ذهبت شوطاً بعيداً جداً بحيث لا يمكن لمثل هذا الفهم أن يسود فجأة. "تتطلب صناعة السلام وبناء الدولة الديمقراطية كلا من الدم والسحر"، كما يقول لنا. وسيكون من شأن تأخير قدوم ما هو محتم بالآمال الزائفة أن يجعل الأمور أسوأ فحسب.
وبالمناسبة، ليس لوستيك وحيداً في رأيه القائل بأن صيغة الدولتين هي طريق مسدود. فهناك واحد من أفضل المؤرخين الإسرائيليين، إيلان بابيه، الذي يدير الآن مركز جامعة إكستر الأوروبي للدراسات الفلسطينية، والذي يعتقد بأن هذا الاحتمال مات منذ أكثر من عقد من الزمان. وكان الذي قتله، والذي أبقاه ميتاً، هو "الجشع الصهيوني للأراضي، والقناعة الأيديولوجية بأن هناك حاجة إلى امتلاك قدر أكبر بكثير من فلسطين [فيما وراء حدود 1967] من أجل إقامة دولة يهودية قابلة للحياة".
من الجدير ملاحظة أن هذه القناعة الأيديولوجية فقط هي التي تجعل من نداء بيتر بينارت لمزيد من فهم اليهود الأميركيين الصهاينة للموقف الفلسطيني اقتراحاً غير صالح. إن أي أيديولوجية يمكنها أن تبرر التطهير العرقي المتواصل ستجعل معتنقيها عاجزين عن الشعور بألم ضحاياهم. وإذا كان أمل بينارت بتحقيق الفهم المتبادل ساذجاً، فإن أمل لوستيك بأن المزيد من "الدم" سيؤدي إلى "السحر" المتمثل في التوصل إلى نتيجة إيجابية، ليس أكيداً ولا مطمئناً بدوره على الإطلاق.
قد يتساءل المرء عن كم من الكوارث سيكون ضرورياً قبل أن يعمد الصهاينة المتشددون الذين يسيطرون على إسرائيل منذ وقت طويل إلى التنازل عن التزامهم الأيديولوجي. ويجب أن نضع في اعتبارنا أن النخب السياسية الإسرائيلية، من اليمين واليسار على حد سواء، كانت دائماً توسعية النزعة، حتى إن بيتر بينارت لا يضغط من أجل العودة إلى الخط الأخضر للعام 1967 وإخلاء المستوطنات غير الشرعية، بقدر ما يمكنني القول.
في الماضي، نظر جماعة النخب الإسرائيلية إلى إرهابهم ووحشيتهم باعتبار أن لها ما يبررها. وهم سيفعلون ذلك في المستقبل كذلك. وسوف يفسر البعض منهم أي زيادة في الهجرة اليهودية إلى الخارج (وهي عملية جارية بالفعل) باعتبار أنها تعشيب وإزالة للعناصر الضعيفة. وعلى المستوى العسكري، ربما يستطيع الإسرائيليون الاحتفاظ بالتفوق على جيرانهم، حتى في وجه انخفاض المعونة الأميركية. وبالقدر الذي يخص الرأي العام العالمي، فإن معظمهم لا يولون الكثير من العناية لذلك. وإذا كانت لهذا التقييم أي صلاحية، فإنه يعني أنه سيمكن للإسرائيليين المضي قدماً في عملية التطهير العرقي لفترة قادمة طويلة جداً.
من وجهة نظري، سيكون السلاح الوحيد القابل للتطبيق ضد مثل هذا العناد الشرس هو المقاطعة الاقتصادية الشاملة لإسرائيل على مستوى العالم جميعاً على غرار نموذج جنوب أفريقيا. ومع ذلك، ربما لا يشكل، حتى هذا نفسه، الصفحة الأخيرة في الدراما. قد تثبت مثل هذه المقاطعة الاقتصادية أنها قوية بما يكفي لتقويض إرادة بعض المنظرين الإسرائيليين، ولكن ليس كلهم. وعندئذ، وخلافاً لحالة جنوب أفريقيا، قد يحتاج الأمر إلى قيام حرب أهلية يهودية داخل إسرائيل نفسها من أجل إسدال الستار أخيراً على مأساة الصهيونية.

*أستاذ التاريخ في جامعة ويست تشيستر في بنسلفانيا. وهو مؤلف "مؤسسة السياسة الخارجية: خصخصة مصلحة أميركا الوطنية"؛ "فلسطين أميركا: المفاهيم الشعبية والرسمية من بلفور إلى تأسيس دولة إسرائيل"؛ و"الأصولية الإسلامية".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Two-State Solution or Illusion?

التعليق