خيار فوزية

تم نشره في الأحد 29 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • أطفال سوريون في مخيم الزعتري للاجئين في الأردن - (أرشيفية)

نيكولاس دي. كريستوف —
 (النيويورك تايمز) 18/9/2013
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
مخيم الزعتري، الأردن - أولئك الأميركيون الذين يعتبرون أنفسهم "قلقين من الحرب" يجب أن يلتقوا فوزية، المرأة متوسطة العمر التي ربما اتخذت أصعب قرار يمكن أن يأخذه أب أو أم.
كانت فوزية بين اللاجئين الذين يهيمون عبر الحدود السورية الأردنية هنا. وكانت قد وصلت لتوها بعد رحلة محفوفة بالمخاطر، والتي استغرقت أسبوعاً بطوله قادمة من الغوطة، الضاحية القريبة من دمشق حيث قتل غاز السارين مئات الأشخاص يوم 21 آب (أغسطس) الماضي. لكن الأسلحة الكيميائية تعتبر بالنسبة لفوزية ثانوية. فالأسلحة الحقيقية للدمار الشامل في سورية هي بنادق الكلاشينكوف (إيه كيه 47) والمقذوفات والصواريخ والقنابل. وهكذا، تبدو أي اتفاقية يتم التوصل إليها بوساطة القوى العالمية وتقتصر على الأسلحة الكيميائية -بالرغم من فائدتها- غير ذات صلة نوعاً ما بالأعمال الوحشية التي تصبغ حيوات معظم السوريين.
لم يصب أي من أفراد عائلة فوزية بأذى جراء الهجوم بالأسلحة الكيميائية، لكنه وقع بعدئذ قصف عنيف بالأسلحة التقليدية لضاحيتها. وقد تفرق أفراد عائلتها من الرعب، واختفى ابنها، مصطفى، البالغ من العمر 8 سنوات. ولا يعرف أحد ما حدث له.
بعد ذلك، قررت فوزية الهرب ومعها ابنان إلى الأردن، على أمل إنقاذهما، ربما مضحية بمصطفى. لكنها تشعر بأنها محطمة بالذنب.
اعتادت وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة والتي تدير مخيم الزعتري، على مثل هذه المآسي. وقد أخبرها موظف إغاثة منها بلطف كيف تسجل اسم مصطفى في حال ظهر في مكان ما.
لدى التحدث إلى سوريين مثل فوزية، يبدو غرائبياً ونرجسياً أن يكون هناك حديث في واشنطن عما إذا كانت الأزمة السورية قد "حلت". ربما تكون أزمة الساسة هناك قد خفت، لكن الكارثة الإنسانية هنا في المخيم تصبح أسوأ حالاً وحسب.
في حقيقة الأمر، يبدو أن الرئيس بشار الأسد قد صعد في الأسبوعين الماضيين من وتيرة القصف والقنابل والهجمات التقليدية الأخرى على المناطق المدنية.
تقول فوزية إنها ستحب أن ترى ضربات الصواريخ الأميركية لبلدها، على أمل أن يفضي أي هجوم إلى التقليل من قدرة الجيش السوري على القتل الجماعي، وإلى تقصير أمد الحرب. ويبدو ذلك إلى حد كبير وأنه الرأي الأكثر شيوعاً بين اللاجئين هنا، بالرغم من أنه ليس رأي الجميع. ويظهر البعض خشية من وقوع إصابات في صفوف المدنيين، أو يعتقد بأن الضربة ستكون ضئيلة جداً أو متأخرة جداً.
مهما يكن ما يفكر فيه المرء إزاء ضربة عسكرية تستهدف تدمير بعض من سلاح الجو القاتل لدى الأسد -أنا أؤيد، لكن ثمة القليلين جداً في أميركا ممن يؤيدون- فإنه يجب علينا إيجاد أرضية مشتركة في الإصرار على أن مفاوضات دولية يجب أن تعالج، ليس مخزونات الأسلحة الكيميائية وحسب، وإنما أيضاً وصول الإغاثة الإنسانية في سورية.
سيكون من شأن ذلك أن يعني مطالبة الحكومة السورية والثوار على حد سواء بالسماح لعمال الإغاثة والمساعدات الغذائية والطبية بالوصول إلى خطوطها. وليس من المستحيل أن يوافق كلا الطرفين تحت الضغط، وذلك قد يخفف شيئاً من أسوأ أنواع المعاناة في داخل سورية.
تقول لي فاليري آموس، كبيرة مسؤولي الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، إن هناك ما يقارب سبعة ملايين سوري سوف يحتاجون للمساعدات حتى يبقوا على قيد الحياة، وأيضاً من أجل خفض نزيف اللاجئين.
وتقدر الأمم المتحدة بأن لاجئاً سورياً يهرب جديداً يهرب كل 17 ثانية من البلد، وهو ما يضع أعباء غير محتملة تقريباً على لبنان والأردن على وجه الخصوص. وقد ظل الأردن مرحباً بشكل ملحوظ باللاجئين السوريين، لكنه يبدو أن الامتعاض الجماهيري قاد الحكومة إلى تشديد سبل الوصول في الفترة الأخيرة، ما أفضى إلى وجود عدة عشرات الآلاف من المشردين السوريين عالقين الآن على الجانب السوري من الحدود، كما يقال.
هناك ثلث السوريين مشردون راهناً. ووفق المقياس الأميركي، فإن ذلك يعادل هروب 100 مليون أميركي من منازلهم.
وفي الأثناء، يعد مخيم الزعتري للاجئين السوريين أصلاً من أكبر المدن في الأردن، كما أن من الصعب جداً إدارة اللاجئين صعبي المراس. وقبل عدة شهور، شرعوا في تفكيك قاطرة كانت بمثابة مركز للشرطة. وخلال ساعات، لم يتبق من القاطرة أي شيء: لقد سرقوا مركز الشرطة عن بكرة أبيه.
وقال لي العديد من اللاجئين أن كل واحد في حيهم يتطلع إلى تغيير موضعه في الأردن لو أن الانتقال لم ينطو على مخاطر.
فريدة الحسن، امرأة من مدينة حماة كانت قد عبرت الحدود لتوها من سورية وبرفقتها مجموعة من الأولاد عندما قابلتها. وشرحت بقولها أن القصف الحكومي دمر بيتها، وأنها كانت قد شاهدت أفراد ميليشيات موالية للحكومة يقطعون رؤوس أولاد، لذلك دفعت نقوداً لمرشد حتى يهربها هي وأولادها في رحلة لمدة 10 أيام تجاوزت فيها نقاط التفتيش الحكومية. وإذا اعتقد الجنود بأن المسافرين متجهون إلى الأردن، فإنهم يعدمونهم أحياناً باعتبارهم خونة مفترضين.
خلال رحلة العائلة، فتح مربض رشاش النار على العائلة، فاشتعلت النار في العربتين اللتين كانتا في المقدمة، سيارة باص وسيارة خاصة، وقتل كل من كان فيهما، كما قالت فريدة الحسن.
في بعض الأحيان، يعطي المرشدون الذين ينقلون السوريين إلى الأردن الأطفال أقراصاً منومة بحيث لا يبكون من الجوع، فيستدرجون هجوماً من القوات السورية.
ربما لا نكون قادرين على حل مشاكل سورية. وأنا لست متأكداً من أننا نستطيع تخفيفها. لكننا نستطيع محاولة ذلك. ولعل نقطة البدء تكون في توفير دفعة كبيرة للوصول الإنساني. وقد تسمح خطوة من هذا القبيل لعمال المساعدة بأن يعثروا على مصطفى، ولم شمله مع أمه التي يمزقها الشعور بالذنب.


*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Fawzia’s Choice

التعليق