هل يجب أن يزداد وضع ليبيا سوءا حتى يتحسن؟

تم نشره في الثلاثاء 17 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • ليبيون يطفئون سيارة مفخخة انفجرت في مدينة بنغازي هذا الشهر - (أرشيفية)

تقرير خاص – (الإيكونوميست)
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
هناك قول يسري الآن على سبيل النكتة في مقاهي طرابلس، العاصمة الليبية الواقعة على خاصرة البحر: "الطريق الوحيد إلى الجنة، هو ذلك المفضي إلى المطار الدولي". وما يزال معظم الليبيين يحتفلون ويعربدون منتشين بالحرية والحس بالإمكانية الذي جلبته الحرب التي دعمها "الناتو"، والتي أسقطت العقيد معمر القذافي قبل سنتين. ويتذكر ثائر تحول إلى رجل شرطة: "مع ذلك، عندما كان أحد ما يختفي في السابق، كنت تعرف أنه لدى قوات القذافي. أما الآن، فلن تكون لديك أدنى فكرة". وقد تجسد ذلك تماماً في واقت سابق هذا الشهر عندما نددت الحكومة باختطاف ابنة عبد السنوسي، رئيس المخابرات السابق للقذافي، فقط لتكتشف بعد ذلك أن واحدة من قواتها الخاصة هي التي اعتقلتها؛ وتم إطلاق سراحها بعد بضعة أيام من ذلك.
الآن، وصلت ليبيا إلى أكثر مقاطع طريقها وعورة منذ زوال نظام القذافي. لم يتمكن أحد من إعادة تأكيد السلطة الكاملة على القبائل والمناطق والمجموعات التي كانت ملتحمة معاً تحت الحكم الحديدي للعقيد القذافي. وما يزال على مؤسسات الدولة، التي كانت غائبة في حقبة القذافي، أن تتخذ شكلاً واضحاً. وقد خضعت موانئ النفط الرئيسية في البلد لحصار العمال الساخطين والميليشيات في الأسابيع القليلة الماضية. كما تزدهر الاغتيالات وسرقة السيارات. وقطعت المياه والكهرباء عن طرابلس طوال الأسبوع الماضي. ويوم 11 أيلول (سبتمبر)، انفجرت سيارة في طرابلس؛ وانفجرت أخرى في بنغازي مهد الثورة المضادة للقذافي والمدينة الرئيسية في الشرق الليبي.
يشكل الأمن في ليبيا أكبر مواطن الشكوى. ويقول مدير مؤسسة الصادق الفكرية الليبية: "إن أي دولة، في أبسط مقوماتها، تحتكر القوة. ويمكنك القول هنا بأن الحكومة هي التي تعمل عند الميليشيات". وفي الوقت الراهن، تقوم السلطات، بمساعدة الغرب، ببناء جيش وقوة شرطة، والتي يفترض أن تتولى الأمر من الميليشيات المدرجة على كشوف رواتبها، خاصة اللجنة الأمنية العليا، وهي مجموعة من الثوار السابقين الذين يقومون بمهمات قوة شرطة مؤقتة، ودرع ليبيا، وهي مجموعة من الميليشيات التي تشكل شبه جيش. لكن ثلث الرجال في هذه الميليشيات سوف يرفضون إلقاء أسلحتهم والانضواء تحت سلطة القوات الأمنية الجديدة، كما يعتقد هاشم بشر، الذي يرأس اللجنة الأمنية العليا. ويأنف الإسلاميون على وجه الخصوص من انفراط عقدهم، خوفاً من احتمال تعرضهم للقمع، كما كان حالهم في ظل حكم القذافي.
وهكذا، تبقى قدرة الحكومة على حفظ القانون والنظام خارج طرابلس ضعيفة – "بل وفي داخلها أيضاً، كما يمكن القول" حسب كلوديا غازيني من مجموعة الأزمات الدولية، المؤسسة الفكرية التي مركزها بروكسل. ولعل أوضح تجليات ذلك هو عدم قدرة الحكومة على إنهاء الحصار الذي خفض صادرات النفط، المصدر الرئيسي لدخل الحكومة، إلى مستويات بلغت أقل من عُشر كمية 1.6 مليون برميل يومياً التي كانت تُصدر قبل الانتفاضة. ويظهر أن بعض الفصائل تحاول أن تبيع النفط لتمويل حملة من أجل الفيدرالية، بحيث تكون بنغازي عاصمة لإقليم شرقي يتمتع بالحكم الذاتي، في وقت تحتج فيه فصائل أخرى ضد انعدام الكفاءة العامة للحكومة.
الآن، يبدو كل من المؤتمر الوطني العام، البرلمان المؤقت الذي انتُخب العام الماضي، والحكومة التي صادق عليها ذلك البرلمان، وأنهما أصبحا عاجزين. وفي انتخابات السنة الماضية للمؤتمر، كسب تحالف القوى الوطنية، المشكل من حفنة من الإسلاميين ليبراليي التوجه، معظم الأصوات (في غياب أي علمانيين واضحين تقريباً). لكن الكثير من أعضاء المؤتمر المستقلين انضموا معاً لدعم حزب العدالة والبناء، وهو العربة الليبية لجماعة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى قبضة من الإسلاميين الآخرين. وقام هذا الفصيل ذي التوجه الأكثر إسلامية في المؤتمر بزيادة تعزيز قوته بفضل "قانون العزل" الذي تم إقراره في أيار (مايو) بضغط من رجال الميليشيات المحيطين بالوزراء الذين أصروا على أن أيّ شخص كان يحتل منصباً عالياً في فترة حكم القذافي يجب أن تنزع أهليته في احتلال منصب عام. وفي الفترة الأخيرة، غادر تحالف القوى الوطنية الذي ضم العديد من مثل هذه الشخصيات ذات الخبرة الثمينة، تاركاً السيطرة للإسلاميين.
في الفترة الأخيرة، تصاعدت التوترات إلى مستويات أعلى منذ قام علي زيدان، رئيس الوزراء المحاصر الذي كان يتلقى الدعم من الليبراليين نسبياً، بعقد اجتماع وديّ مع الجنرال عبد الفتاح السيسي، قائد الجيش المصري الذي أشرف على سقوط محمد مرسي، الإخواني الذي كان رئيساً لمصر خلال السنة الماضية. والآن، يوجه حزب العدالة والبناء الليبي الدعوات للمطالبة باستقالة السيد زيدان.
هذه الأيام، يقوم الإسلاميون بتشويه سمعة أعضاء المزيد من الأحزاب الليبرالية بتسميتهم "الأزلام"، أي بقايا نظام معمر القذافي، الذين شرعوا بدورهم في شجب أي شخص قريب من جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها الإسلاميين بوصفهم بـ"المتطرفين". ولم يتم بعد انتخاب لجنة لوضع مسودة للدستور. كما أن النساء والأقليات العرقية، مثل البربر، ما يزالون غير ممثلين بالقدر اللازم.
يشكل الشرق الليبي الذي كان مهملاً لفترة طويلة أكثر الأجزاء اضطراباً في البلاد. ويميل الليبيون الأكثر علمانية إلى إلقاء اللوم على الإسلاميين في الاغتيالات شبه اليومية هناك، لكن الفيدراليين الشرقيين والانفصاليين يثيرون المشاكل أيضاً. وقد شرع تنظيم أنصار الشريعة، وهو جماعة جهادية كانت قد طُردت من بنغازي بعد قتل السفير الأميركي هناك قبل نحو سنة، في الزحف عائداً إلى المدينة، خاطباً ود السكان المحليين بتقديم الخدمات، مثل العيادات الطبية. كما أقامت الجماعة أيضاً قواعد لنفسها في أجدابيا، بين طرابلس وبنغازي، وخاضت معارك في سرت، مسقط رأس القذافي. وتحجم القوات المتحالفة مع الحكومة عن الانقضاض على الجماعة خوفاً من ربط نفسها بالقوى الموالية للقذافي. وقد حلت الحكومة بعض قوات الدرع الليبي بعد أن استخدم أفرادها الأسلحة المضادة للطائرات في تفريق تظاهرة في بنغازي في حزيران (يونيو)، مما أسفر عن مصرع أكثر من 30 شخصاً.
المستثمرون الأجانب، الذين كانوا يشيدون بليبيا قبل سنة باعتبارها الجبهة الجديدة، ما يزالون ينأون بأنفسهم ويبقون بعيدين. وتقف رافعات الإنشاءات متبطلة فيما لم يتم التعاقد مع أي متعهدين بعد. وتقدر إحدى الشركات أنه سيترتب عليها أن تدفع مبلغ مليوني دولار إضافية فوق عقد بقيمة 25 مليون دولار لضمان الأمن.
مع ذلك، لم يفقد الجميع الأمل. وقد تمكنت القبائل في الشرق من الحيلولة دون خروج مناطقها تماماً عن السيطرة. وتقوم مجالس البلدات هنا وهناك بأداء عمل جيد في تشغيل الخدمات المحلية، بما فيها المستشفيات والمدارس. ويقول جبريل رائد، المستشار في مصراته: "لا يجب علينا انتظار الحكومة لاتخاذ القرارات وإعطائنا الأموال". ومصراته هي مدينة ذات عقلية مستقلة، تقع إلى الشرق من طرابلس، وهي واحدة من عدة أماكن حيث تقوم المجالس ببناء المؤسسات من الألف إلى الياء. وقد تمكنت جولات بين رجال الأعمال في المدينة من جمع الأموال لتجديد الشارع الرئيسي وبناء قاعة جديدة للقادمين في المطار.
يبدو أن معظم الليبيين يعتقدون بأن بوسع إجماع اجتماعي سياسي أن يوقف انقسام البلد وتداعيه الكامل، حتى لو انه بعيد عن أن يكون الدولة الحديثة التي كانوا يأملونها. بل ان البعض يعتقدون بأن النزاعات الجارية على النفط ربما ترغم الحكومة وخصومها على السعي إلى تحقيق تسوية يمكن أن تنهي الاقتتال الداخلي. وما تزال الأصوات التي تدعوا إلى إقامة حوار وطني تنمو وتصبح أعلى. ويقول دبلوماسي في بنغازي: "آمل بأن تكون المشكلات الحالية بمثابة الحمى التي تصيب المريض مباشرة قبل أن تتحسن حالته".

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
Libya: Must it get worse before it gets better?

التعليق