مَن الذي أمر بالهجوم الكيميائي في سورية؟

تم نشره في السبت 14 أيلول / سبتمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • جندي يضع القناع والملابس الواقية من الأسلحة الكيميائية - (أرشيفية)

فريد هـ. لاوسون* – (ذا ناشيونال إنترست) 11/9/2013

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 

انطلقت فكرة التدخل العسكري الأميركي في الحرب الأهلية السورية بدافع من رغبة واشنطن في معاقبة النظام الذي يقوده حزب البعث في دمشق على مصرع عدة مئات من المدنيين نتيجة استخدام غاز سام ضدهم يوم 21 آب (أغسطس)، وكذلك ردع هذا النظام عن استخدام الأسلحة الكيميائية مرة أخرى في المستقبل. ويبدو أن هذه الحادثة قد عبرت الخط الأحمر الذي كان الرئيس أوباما قد وضعه قبل نحو سنة من الآن: فقد اشتملت على إطلاق واسع النطاق لعوامل كيميائية، وكانت جزءاً ممّا زُعم بأنه نمط أكبر إطاراً من مثل هذه الهجمات. فمَن يمكن أن يكون الذي أصدر الأمر بشن هذه الهجمات؟ سوف تكون الإجابة عن السؤال مهمة ومحورية جداً لتحديد نوع الرد الفعال والناجع في سورية.
يوم 30 آب (أغسطس)، اتهم وزير الخارجية الأميركي جون كيري سورية بإطلاق أسلحة كيميائية ضد الأحياء التي يقطنها مواطنون أبرياء وعزّل. واستندت اتهاماته إلى تقييم استخباري للحادث، والذي زعم بأن "الحكومة السورية نفذت الهجوم بالأسلحة الكيميائية ضد عناصر المعارضة في ضواحي دمشق يوم 21 آب (أغسطس)." وذهب التقرير إلى التأكيد على أن "الرئيس بشار الأسد هو صاحب القرار النهائي فيما يتعلق ببرنامج الأسلحة الكيميائية، وأن الأعضاء العاملين في البرنامج يتم فحصهم وانتقاؤهم بعناية لضمان الأمن والولاء."
بالإضافة إلى ذلك، يزعم التقييم بأن وسائل المراقبة الأميركية "اعترضت اتصالات تتضمن مكالمة هاتفية لمسؤول كبير على دراية وثيقة بالهجوم، والذي أكد أن النظام هو الذي استخدم الأسلحة الكيميائية يوم 21 آب (أغسطس)، وأنه يشعر بالقلق من إمكانية حصول مفتشي الأمم المتحدة على أدلة." ويخمن التقرير أيضاً أن "شعور النظام بالإحباط جراء عدم قدرته على تأمين أجزاء كبيرة من دمشق، ربما يكون قد أسهم في تقريره استخدام الأسلحة الكيميائية."
استناداً إلى وقائع القضية، هناك خمسة تداعيات للأحداث على الأقل، والتي ربما تكون قد أفضت إلى إطلاق العوامل الكيميائية فوق ضواحي دمشق:
أولاً، ربما يكون الرئيس الأسد بنفسه هو الذي أصدر الأوامر بإطلاق الصواريخ المحملة بالرؤوس الكيميائية ضد المناطق المحاصرة. وربما يكون القرار قد عكس، إما توتره المتصاعد من إخفاق القوات العسكرية النظامية في سحق الثوار، أو ثقته المتصاعدة بأن المعارضة أصبحت في طور الانهيار بسبب النجاحات الميدانية التي حققتها القوات الحكومية على مدى الأشهر الثلاثة الماضية.
ثانياً: ربما يكون الأمر بشن هجوم كيميائي قد أتى من لاعبين نافذين من داخل النظام، والذين كانوا يحاولون ليّ ذراع الرئيس الأسد. ففي ضوء التقدم الذي أحرزه الجيش في الآونة الأخيرة، أصبح من الممكن أن يوافق الرئيس على الدخول في مفاوضات مع المعارضة بشأن مستقبل البلاد، ربما كجزء من عملية جنيف التي اقترحتها واشنطن. ويحتمل كثيراً أن يكون المتشددون قد شعروا بالقلق من احتمال أن تفضي مثل هذه المفاوضات إلى إزاحتهم عن السلطة، ولذلك لجأوا إلى اتخاذ تدابير متطرفة لضمان أن لا تقلع هذه المحادثات أبداً عن الأرض.
ثالثاً، ربما يكون الذي اتخذ القرار باستخدام العوامل الكيميائية هم القادة الميدانيون للجيش على الأرض، في خضم سخونة المعركة. وربما يبدو هذا الاحتمال غير مرجح غالباً، نظراً للطبيعة الهرمية الصارمة لهيكل قيادة الجيش السوري. لكن الكثير من الأشهر الطويلة من القتال الشرس لا بد أن تكون قد أضعفت الفعالية المؤسسية للقوات المسلحة. أما إذا كان الرئيس ما يزال يحتفظ بالسيطرة الكاملة على كل مكونات المؤسسة العسكرية أم لا، وكل الوقت، فهو أمر مفتوح على احتمال الشك الجدّي. يمكن كثيراً أن يكون قادة رفيعون قد استمروا في قصف الضواحي المنكوبة لمدة ثلاثة أيام بعد الهجوم الأساسي، ليس لتدمير الأدلة على استخدام الأسلحة الكيميائية، وإنما لإخفاء الانهيار الكامن للانضباط في قطاعات الجيش.
رابعاً: ربما تكون العوامل الكيميائية قد أُطلِقت عن غير قصد، بعد أن تكون مخازن الغاز السام قد دُمرت بفعل قصف صاروخي ومدفعي كثيف، والذي استهدف مناطق يسيطر عليها الثوار خارج العاصمة خلال الساعات المبكرة من صباح يوم 21 آب (أغسطس). ومن المحتمل كثيراً أن تمتلك السلطات السورية سجلاً دقيقاً وكاملاً لكل مواضع تخزين الأسلحة المنتشرة في كل أنحاء البلاد. ولكن، وكما أشارت وكالات الاستخبارات الأميركية من قبل، فقد تم نقل هذه المخزونات في عدد من المناسبات. وربما تكون العديد من الشاحنات الناقلة أو المخازن قد فُقدت وسط الارتباك واختلاط الأوراق.
خامساً، يمكن أن يكون القصف الكثيف قد فجر مخازن للكيميائيات، والتي تكون قد وقعت في أيدي المعارضة. ولن يكون من المفاجئ كثيراً أن يسارع المسؤولون في دمشق إلى الزعم بأنهم اكتشفوا مخابئ للمواد السامة مخبأة في أنفاق ومخابئ محصنة أنشأها خصومهم. ويبدو من غير المرجح الآن أن يكون مقاتلو الثوار هم الذين أطلقوا العوامل الكيميائية عن قصد، على الرغم من المزاعم الروسية بأنه يمكن تعقب الهجمات السابقة بالغازات السامة إلى الثوار. ومع ذلك، فإن التوليفات الغريبة من الأعراض التي ظهرت على الضحايا تشير إلى أن خلائط غريبة من المواد السامة قد استخدمت في الهجوم، وليس المعادلات والمركبات المنظمة المعروفة.
سوف يشكل تحديد أي من هذه التداعيات هي التي وقعت فعلاً فارقاً حاسماً. وسوف تفضي معاقبة الرئيس الأسد على حادثة 21 آب (أغسطس) إلى ردعه فقط عن اللجوء إلى أعمال مماثلة في المستقبل إذا كان هو الذي أصدر فعلاً تلك الأوامر المصيرية. أما إذا لم يكن هو الذي فعل، فإن إيقاع ضرر هائل بمرافق الحكومة أو المنشآت العسكرية يمكن أن يدفعه إلى تبني سياسات أشد خطورة وأكثر يأساً في رد الفعل. وبالإضافة إلى ذلك، وإذا كان متشددون من داخل النظام هم الذين أمروا بالهجوم، أشخاص مثل شقيق الرئيس ماهر الأسد، على سبيل المثال، فإن من شبه المؤكد أن التدخل العسكري الأميركي سوف ينتج بالضبط نفس الحاصل الذي سعى هؤلاء إليه، وبذلك لا يمكن استبعاد تكرار الأداء ذاته.
ثم، هناك الاحتمال الأكثر رعباً على الإطلاق. إذا كانت حادثة 21 آب (أغسطس) قد نتجت عن تصرفات لقادة عسكريين مستقلين في الميدان، فإن إمكانية شن المزيد من الهجمات الكيميائية سوف تزداد فيما تخفت قدرة الضباط الأعلى على ضبط المستويات الأدنى. وقد اتخذت الحرب الأهلية السورية مسبقاً انعطافة سيئة، طائفية بكل وضوح. ويمكن توقع أن يلجأ المقاتلون الموالون للنظام إلى أيقاع المزيد من العقاب الوحشي والعشوائي بالمدنيين غير المسلحين، في حال قامت صواريخ الكروز الأميركية بتدمير خطوط القيادة والسيطرة القائمة.


*أستاذ لين وايت جيه. آر في الحكم،
في كلية ميلز.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان:
 Who Ordered Syria's Chemical Attack?

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق