العمل العسكري ضد سورية: قصف في سبيل الأخلاق؟

تم نشره في الثلاثاء 10 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • إعلان لحزب الاستقلال البريطاني يعارض ضرب سورية - (أرشيفية)

إيان بوروما*

 

نيويورك- كانت موهبة الاستخدام البارع للكلمات دوماً من أقوى الأصول التي يتمتع بها الرئيس الأميركي باراك أوباما. والآن، يبدو الأمر وكأن كلماته أوقعته في فخ.
فبعد أن صرح في آذار (مارس) بأن الولايات المتحدة "لن تتسامح مع استخدام الأسلحة الكيماوية ضد الشعب السوري"، وبعد أن تحدث في العام الماضي عن "خط أحمر" لا يمكن تجاوزه، فإنه سوف يريق ماء وجهه ويخسر سمعته إذا فشل في الرد بقوة على جريمة القتل المزعومة التي ارتكبها النظام السوري في حق أكثر من ألف مدني باستخدام غاز السارين. لا شك أن خطر فقدان ماء الوجه ليس بالسبب الوجيه لمهاجمة بلد آخر.
ولكن، لماذا حبس أوباما نفسه داخل هذا النوع من الخطاب في المقام الأول؟ ولماذا هذا الخط الأحمر بوجه خاص؟ كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري محقاً عندما أطلق على استخدام الغاز وصف "الفحش الأخلاقي". بيد أن الوصف نفسه ينطبق على تعذيب الأطفال، والذي كان سبباً لاندلاع الحرب الأهلية في سورية فعلياً قبل أكثر من عامين. وهل يكون قتل المدنيين بمواد كيماوية أكثر فُحشاً على المستوى الأخلاقي من قصفهم أو إطلاق النار عليهم أو تجويعهم حتى الموت؟
منذ استخدام غاز الخردل في الحرب العالمية الأولى على الأقل، كان الافتراض الشائع هو أن استخدام أسلحة بعينها تصرف أقل أخلاقية من استخدام غيرها. لا شك أن أسلحة الدمار الشامل، وبخاصة القنابل النووية، تحدث أضراراً أكبر وفي وقت أقل كثيراً مقارنة بالأسلحة التقليدية. ولكن هل يوجد حقاً تمييز أخلاقي واضح بين قتل نحو 100 ألف إنسان في هيروشيما بقنبلة ذرية واحدة وقتل أعداد أكبر من البشر في طوكيو في ليلة واحدة من القصف بالقنابل الحارقة؟ وهل كان قتل اليهود بالغاز أبشع أخلاقياً من إطلاق النار عليهم بمدافع آلية في حفر مفتوحة؟
في صحيفة نيويورك تايمز، ساق نيكولاس كريستوف حجة مفادها أن العقاب السريع قد يقنع الرئيس السوري بشار الأسد بالتوقف عن استخدام الأسلحة الكيماوية واستخدام "وسائل أكثر اعتيادية لذبح شعبه". إن هذا غير منطقي ولا معنى له في نظري. فالمشكلة بكل تأكيد في الذبح ذاته وليس الوسيلة المستخدمة.
على أي حال، فإن الغضب الأخلاقي، مهما كان مبررا، ليس بالسبب الكافي لخوض الحروب. كان ماو تسي تونج مسؤولاً عن موت أكثر من أربعين مليون صيني في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. ولم يقترح أحد سليم العقل أن التدخل العسكري في الصين كان ليشكل فكرة جيدة آنذاك. وفي الثمانينيات استخدم صدّام حسين الغاز لقتل مئات الآلاف من الإيرانيين والأكراد، وكانت الولايات المتحدة تسانده.
أهي قضية قانونية إذن؟ إن استخدام الأسلحة الكيماوية في واقع الأمر انتهاك للاتفاقيات الدولية، بما في ذلك اتفاقية الأسلحة الكيماوية، التي لم توقع عليها سورية قط، وبروتوكول جنيف، وسورية أحد أطرافه. لذا فهناك أسباب وجيهة للتعامل مع الأسد باعتباره مجرم حرب، وفي هذه الحالة فلابد من توجيه الاتهام إليه في المحكمة الجنائية الدولية -والتي تأسست بالمناسبة بموجب معاهدة لم تصدق عليها الولايات المتحدة قط. ولكن تجاهل الأمم المتحدة وشن حرب غير قانونية لمعاقبة تصرف غير قانوني ليس بالسياسة التي يسهل الدفاع عنها.
ومع ذلك فبوسعنا أن نقول إن "المجتمع الدولي" أو الغرب، أو الولايات المتحدة باعتبارها القوة الغربية الرئيسية، لابد أن ترسم الخط عند حد ما. فكيف تشيح الحكومات المسؤولة بوجهها بعيداً ببساطة عندما يُقتَل أناس أبرياء بأعداد كبيرة؟ إن التغاضي عن الإبادة الجماعية أمر لا يمكن احتماله.
ولكن أين بالضبط نرسم هذا الخط؟ وكم عدد جرائم القتل التي قد تشكل إبادة جماعية؟ الآلاف؟ مئات الآلاف؟ الملايين؟
أم أنها ليست مسألة أرقام؟ إن الإبادة الجماعية في نهاية المطاف مسألة نية وقصد، لقتل أو اضطهاد الناس على أساس الجنس أو العرق. ومن الناحية الفنية فإن قتل عشرة أشخاص لمثل هذه الأسباب -أو حتى قتل شخصين- قد يكون شكلاً من أشكال الإبادة الجماعية.
وهناك طريقة أخرى للنظر إلى الأمر. إن السؤال الذي ينبغي لنا أن نتأمل كثيراً في الرد عليه قبل التدخل بالقوة في دولة أخرى هو ما إذا كان التدخل من المرجح أن يفضي إلى تحسين الأمور وإنقاذ الأرواح وجعل العالم أكثر أمانا. صحيح أن ممارسة العنف ضد المدنيين، سواء باستخدام غاز السارين أو طائرات الهليوكوبتر، فُحش أخلاقي. ولكن القضية تتعلق الآن بكيفية الرد: ما هو السبيل الذي قد يكون نجاحه مضمونا؟
إن العدالة والأخلاق لا يشكلان أهمية كبيرة هنا. فمبدأ "التدخل الإنساني"، مثله في ذلك كمثل المحكمة الجنائية الدولية، يحظى بفرصة أكبر للنجاح في حالة الدول الضعيفة (ولنقل صربيا أو مالي أو سيراليون) مقارنة بالحال لو كان المستهدف قوة كبرى. فلن يتجرأ أحد على إطلاق الصواريخ على الصين أو روسيا من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان أو المعايير الدولية للحرب.
إن سورية، كما أشار العديد من المراقبين، ليست ليبيا أو مالي، وهي أيضاً ليست قوة عظمى. ولكن الحرب الأهلية الدائرة على أرضها امتدت بالفعل إلى خارج حدودها، لكي تتورط في العملية قوى أكبر مثل إيران وتركيا وروسيا. والأمر الوحيد الأفظع من الفواحش الأخلاقية التي تميز الحروب الأهلية هو اشتعال حرب إقليمية.
وليس من المؤكد أو المضمون بأي حال من الأحوال أن تدخل الولايات المتحدة بفعل أي شيء للحد من خطر نشوب حرب أوسع نطاقا. بل إن بعض أنصار التدخل الأميركي -سواء من المحافظين الجدد أو "صقور الليبرالية"- يرغبون في النتيجة العكسية؛ فهم يريدون حرباً ضد إيران. ولعلنا نجد صلة واضحة في ذهن أوباما بين الخط الأحمر في سورية والخط الآخر الذي رسمه لإيران، ربما بالقدر نفسه من الحماقة، لمنعها من تطوير أسلحة نووية.
ما الذي يمكن تحقيقه إذن من خلال توجيه ضربة أميركية لأهداف سورية، والتي أكّد أوباما للعالم بالفعل أنها ليست بغرض تغيير النظام السوري؟ من المؤكد أنها لن توقف الحرب الأهلية. ولكن إطلاق صاروخ واحد كفيل بتحويل الولايات المتحدة إلى طرف مشارك مباشر، واستفزاز المزيد من أعمال العنف. والحق أن إنقاذ شرف أوباما لا يستحق خوض مجازفة بهذا القدر من الخطورة.
هذه هي وجهة نظر الكثيرين في سورية، وحتى بين صفوف المتمردين. وهي وجهة نظر أغلب الناس في أوروبا. وهي أيضاً وجهة نظر أغلب الناس في الولايات المتحدة. بل ولعلها حتى وجهة نظر أوباما ذاته، ولهذا السبب فهو يلعب على عنصر الوقت، بتحويل الموافقة على الهجوم على سورية، في محاولة يائسة، إلى الكونغرس الأميركي. صحيح أن علاقاته مع الكونغرس كانت بعيدة كل البعد عن السلاسة، ولكنه الآن يحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى -لكي "يغطي عورته" كما يقولون في أميركا.

*أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة في كلية بارد، ومؤلف كتاب "ترويض الآلهة: الدين والديمقراطية في ثلاث قارات".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2013.

التعليق