الإفاقة من كابوس الشرق الأوسط

تم نشره في الاثنين 9 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 صباحاً

خافيير سولانا*

مدريد ــ  يبدو الشرق الأوسط عالقاً في دوامة تبدو بلا نهاية من عدم الاستقرار. ففي ظل احتمالات التدخل العسكري في سورية، جنباً إلى جنب مع الوضع المتدهور في مصر منذ انقلاب الجيش، أصبحت المنطقة على حافة الهاوية. وفضلاً عن ذلك، وبالرغم من التغيرات التي شهدتها إيران منذ انتخاباتها الرئاسية في حزيران (يونيو)، ما تزال المفاوضات الدولية بشأن طموحاتها النووية حبراً على ورق.
المفارقات كثيرة في ظل المواقف المتعارضة -والمتناقضة ظاهرياً في بعض الأحيان- التي اتخذها حلفاء الولايات المتحدة التقليديون في الشرق الأوسط (المملكة العربية السعودية وإسرائيل وتركيا ومصر ودول الخليج) بشأن النزاعات الرئيسية في المنطقة. وفي كل البقاع الساخنة اليوم، يأتي الحرص على ملاحقة المصالح الخاصة من قِبَل البلدان المجاورة أو القريبة ليزيد الأمور تعقيدا.
المملكة العربية السعودية، التي تخشى العواقب الداخلية الوخيمة التي قد تترتب على تمكين الإخوان المسلمين في مصر، لا تريد أن ترى حركة إسلامية تتمتع بالشرعية الديمقراطية. ولذلك اتخذت موقفاً قاسياً ضد الإخوان المسلمين، بالرغم من كونهم أكثر اعتدالاً من النسخة السعودية من الإسلام.
وإسرائيل من جانبها تمارس الضغوط في جهتين. فهي أولاً تدعم الانقلاب المصري والاعتراف الدولي بالنظام العسكري، وبالتالي تضمن -كما تأمل- قدراً أكبر من الاستقرار على طول الحدود مع سيناء. وثانياً، تحاول إسرائيل جعل أي تقدم على مسار المفاوضات مع الفلسطينيين معتمداً على الأحداث في مصر وأماكن أخرى في المنطقة، مثل إيران. وقد استثمر وزير الخارجية الأميركي جون كيري قدراً كبيراً من رأس المال السياسي في محاولات إحياء مفاوضات السلام، وبوسع إسرائيل أن تستخدم ذلك لمصلحتها أيضا.
ومن ناحية أخرى، وسعت الحرب الأهلية في سورية الصدع السُنّي الشيعي الذي يمتد عبر المنطقة بالكامل، والذي يرسم على سبيل المثال حدود المنافسة بين المملكة العربية السعودية وإيران. والواقع أنه في حين تعارض المملكة العربية السعودية الإسلاميين المنتخبين في مصر، فإنها تدعم المتمردين الإسلاميين في سورية، وهو ما يرجع بالكامل إلى دعم إيران لنظام الرئيس السوري بشار الأسد.
وقد أثبت الانقلاب المصري أنه كان تحركاً خاطئاً بالفعل. ويبدو أن المؤسسة العسكرية ترتد إلى أساليب الحكم -بل وحتى المؤسسات الأمنية المرعبة- المنتمية إلى عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك الذي دام ثلاثين عاما. بل أنه تم الإفراج حتى عن مبارك من السجن.
إن قمع الجيش للإخوان المسلمين في مصر هو في واقع الأمر مسألة تنافس على السلطة أكثر من كونه أمراً يتعلق بتوجهاتهم الدينية. وبوصف جماعة الإخوان المسلمين القوة المنظمة الوحيدة القادرة على تحدي الجيش، فإنها تشكل التهديد الأعظم الذي يواجهه الجيش، كما أظهر فوز مرسي في الانتخابات التي جعلته رئيساً قبل عام من الإطاحة به.
على رأس كل ذلك، تظل المشكلة التي يفرضها برنامج إيران النووي بلا حل. وقد لا يكون هذا مستغرباً نظراً للعنف والاضطرابات في أماكن أخرى من المنطقة. ولكن، منذ تولى الرئيس الجديد حسن روحاني منصبه في بداية شهر آب (أغسطس)، لم يبدِ الغرب بصراحة الإرادة الكافية لاستكشاف الفرص المحتملة.
وهو خطأ فادح، لأن من شأن التقدم في المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي أن يساعد في خلق مناخ أكثر ملاءمة لحل مشاكل المنطقة الأخرى. وعلاوة على ذلك، فإن المفاوضات سوف تدور الآن تحت ولاية الإدارة الرئاسية في إيران، وهو ما من شأنه أن يعطي روحاني حيزاً أكبر للمناورة. كما أن وزير الخارجية الجديد محمد جواد ظريف هو شخص معروف ويحترمه كل زعماء الدول التي تشارك في المفاوضات، وسوف يتولى مسؤوليات مهمة في أي محادثات مقبلة. وعلى الرغم من أن الحذر مطلوب بكل تأكيد، فلا بد من الإقرار بأهمية انتخاب روحاني. وإذا كانت نافذة الفرصة مفتوحة، فيتعين على الغرب أن يبذل كل ما بوسعه لاغتنام هذه الفرصة.
ينبغي لنا أن نتذكر أن روحاني حقق انتصاراً مفاجئاً في انتخابات بلغ معدل الإقبال عليها 75 % تقريباً من الناخبين، بالرغم من التوقعات بعدم اكتراثهم بها على نطاق واسع. وقد حشد روحاني الإيرانيين حوله بفضل برنامجه الواضح للتجديد الاقتصادي، والذي يعتمد على اندماج إيران في المجتمع الدولي -وبالتالي على تقدم المفاوضات النووية.
ومنذ تولى منصبه، استجاب روحاني بسرعة لمطالب الجماهير الإيرانية. والواقع أن قِلة من المراقبين كانوا يعتقدون أنه قادر على تجميع مجلس وزراء كهذا، من حيث مواقف أعضائه من الإصلاح الاقتصادي والعلاقات الدولية. وبالتالي، تم اتخاذ خطوتين مهمتين: الأولى اتخذها الشعب الإيراني الذي أثبت إدراكه للتحديات التي تواجهها بلاده. والثانية اتخذها رئيسهم الجديد الذي نجح في جمع أفضل فريق متاح لتحمل مسؤولية تنفيذ برنامج بالغ الصعوبة.
هناك تعبير في إيران ينطبق على المجتمع الدولي: "تستطيع أن توقظ شخصاً نائما، ولكنك لا تستطيع أن توقظ شخصاً يتظاهر بالنوم". والواقع أن إدراك محاوري إيران الدوليين لأهمية انتخاب روحاني يتوقف على اختيارهم وليس جهلهم.
في الشرق الأوسط العامر بالشكوك وعدم اليقين، يشكل وجود إيران أكثر وضوحا -والتي تتصرف كدولة مهمة إقليميا، وليس باعتبارها حركة شيعية تزعزع الاستقرار وتتجاوز طموحاتها ما يسمح به القانون الدولي- واقعاً يصب في مصلحة الجميع. ولن يكون هناك أي مسار للخروج من عذابات الشرق الأوسط في غياب المشاركة والالتزام والعزيمة الصادقة من جانب جميع الأطراف.


*كان ممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى لشؤون السياسة الخارجية والأمن، والأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي، ووزير خارجية أسبانيا. ويشغل حالياً منصب رئيس مركز إيساد للاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية، وهو زميل متميز لدى معهد بروكنجز.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكيت،" 2013.

التعليق