ماذا تعني سورية لمصر: المزاج المؤيد للأسد يشي بعودة القومية العربية

تم نشره في الاثنين 9 أيلول / سبتمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • متظاهر مصري يرفع صورة لعبد الناصر والسيسي - (أرشيفية)

جيرد مالسن - (مجلة تايم) 3/9/2013

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

بينما التأمت اجتماعات جامعة الدول العربية وسط البلد في القاهرة يوم الأحد قبل الماضي لبحث الأزمة في سورية، تجمع نحو 200 متظاهر على بعد قواطع عدة لشجب وإدانة القيام بعمل عسكري أميركي محتمل ضد دمشق.
وفي وهج الظهيرة المتأخر، رفع اثنان من المتظاهرين يافطة بلاستيكية كبيرة تحمل صورة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر إلى جانب العلم الأحمر والأبيض والأسود للحكومة السورية التي يقودها الرئيس السوري المُجهد بشار الأسد. وتحدث البعض عن دعمهم لقوات الحكومة السورية ضد هجوم أميركي. بينما هتف آخرون على وقع دقات الطبول: "سورية ومصر يد واحدة". ورغم ضآلتها وفق المقاييس المصرية، فقد استقطبت هذه الاحتجاجات أيضاً عشرات من كاميرات التلفزة والمصورين ومراسلي الصحف. ولم يمر طويل وقت حتى وقعت مشاجرة عند حافة التجمع، عندما ظهرت هناك مجموعة صغيرة معارضة للأسد.
يقول أحمد محمد سعيد، 30 عاماً، المحتج المعادي للأسد والذي يعمل في شركة كمبيوتر: "أريد منهم أن يقولوا إنهم ضد الأسد". وقال إنه كان يعيش في سورية حتى شهر أيار (مايو) من العام 2011، بعد أن شن نظام الأسد حملة شرسة على الانتفاضة المطالبة بالديمقراطية، وهو ما أشعل فتيل حرب أهلية قتلت عشرات الآلاف من المواطنين. ومضى إلى القول وهو يظهر بطاقة هويته: "أنا مصري وأعرف ماذا حدث في سورية". وعندئذ، أمسك به من ذراعيه أحد منظمي الاحتجاج، الذي يرتدي قميصاً عليه شعار ائتلاف التيار الشعبي الناصري، ودفعه بضعة أمتار إلى الخلف بعيداً عن الحشد.
ما يزال احتمال توجيه ضربات أميركية ضد سورية آخذاً في مزيد من الدفع بصعود في القومية العسكرية التي سيطرت على قسم ضخم من المجتمع المصري، منذ أزاحت القوات المسلحة المصرية الرئيس محمد مرسي المرتبط بالإخوان المسلمين عن السلطة يوم 3 تموز (يوليو) الماضي، في أعقاب احتجاجات شعبية ضخمة. وكان مرسي الذي كسب رئاسته بفضل موجة الانتفاضات العربية التي بدأت في العام 2011 قد دعم المعارضة السورية بحماس، ودعا إلى تدخل دولي في الأزمة السورية.
منذ استيلائها على السلطة، غيرت الحكومة المدعومة عسكرياً والتي استأصلت مرسي موقف مصر الرسمي فيما يتعلق بسورية، ورفضت التدخل العسكري بشدة، وأعلنت في الجامعة العربية وقوفها بقوة ضد أي عمل دولي في سورية. وفي داخل مصر، ومعولين كثيراً على الدعم الشعبي، ما يزال الحكام العسكريون ينفذون حملة شرسة ضد الإخوان المسلمين تحت شعار "محاربة الإرهاب"، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 1000 شخص وسجن 1000 آخرين على الأقل. ويوجد مرسي نفسه راهناً قيد الاعتقال، وقد أحيل مؤخراً إلى المحكمة بتهم التحريض على قتل المحتجين خلال مظاهرات جرت خارج القصر الرئاسي في القاهرة في كانون الأول (ديسمبر) الماضي.
في الأسبوعين الأخيرين، ومع اقتراب الولايات المتحدة أكثر فأكثر من شن الهجوم على سورية، بلغ الخطاب القومي داخل مصر آفاقاً جديدة. وقال حمدين صباحي، قائد التيار الشعبي الذي جاء في المرتبة الثالثة في الانتخابات الرئاسية في العام الماضي في مقابلة تلفزيونية: "إذا كانت مصر ستهاجم، فإن الهجوم عليها سيأتي من الشمال، من سورية. إن أي هجوم على سورية هو هجوم على مصر".
من جهتهم، انضم الناشطون الشباب الذين كانوا قد شنوا حملة لإسقاط مرسي إلى هذا الموقف. وأصدر محمود بدر، الناطق بلسان حركة "تمرد" بياناً دعا فيه مصر إلى إغلاق قناة السويس أمام السفن الحربية المتورطة في احتمال توجيه ضربة لسورية، قائلاً إنه "يدعم الجيش العربي السوري في مواجهة الضربة العسكرية الأميركية المقبلة ضد سورية". وقال إن كل من يدعم التدخل الأجنبي هو "خائن"، وتزين صفحة فيسبوك التابعة للمجموعة صورة لعلم أميركي تلتهمه النيران.
ثمة شيء مشترك بين صباحي، والمحتجين في وسط القاهرة، وبعض أعضاء مؤسسي حركة "تمرد": إن نزعتهم القومية تتحرك بالحنين إلى جمال عبد الناصر، الذي قاد وهو ملازم شاب في الجيش المصري تتوافر فيه سمات الشخصية الكارزمية مجموعة الضباط الأحرار للانقلاب على النظام الملكي المدعوم من بريطانيا في العام 1952. وكرئيس، قام بتحويل الدولة المصرية، وجلب مصر إلى اتحاد قصير العمر مع سورية (وهي حقيقة أشار إليها صباحي صراحة في الأسبوع قبل الماضي). ورغم أنها تتمايز عن بعثية عائلة الأسد (توليفة أخرى من القومية العربية)، فإن الناصرية تيار ما يزال يسري عميقاً في السياسة المصرية، والذي أفصح عن شيء من العودة في الشهور الأخيرة. وقد أقام البعض نوعاً من المقارنة بين ناصر والجنرال
عبد الفتاح السيسي، قائد الجيش المصري البالغ من العمر 58 عاماً، والذي رغم تمتعه بعلاقات جيدة مع مرسي في وقت مبكر من رئاسته، قاد انقلاب 3 تموز (يوليو) ضده. وخلال المظاهرة المذكورة أمام الجامعة العربية ضد التدخل، رفع المحتجون يافطات تحمل صورة السيسي وناصر جنباً إلى جنب.
بينما يشاهد المزيد من صور ناصر متدلية من البنايات في القاهرة، ويسمع اسمه وهو يذكر بالمشاعر نفسها، يسلط السيسي ضوءاً جديداً على التيارات السياسية التي أفضت إلى إبعاد مرسي. وكان محمد هيكل، أحد مؤسسي حركة "تمرد" من بين الواقفين في مظاهرة يوم الأحد المذكورة. وباعترافه، فإن حافز الحملة المعادية لمرسي لم يأت في أيار (مايو) 2013، وإنما في حزيران (يونيو) 2012 عندما أشار الرئيس المنتخب حديثاً في كلمة له في ميدان التحرير إلى "القمع الطويل" الذي عانى منه المصريون لعقود عدة وأفضى إلى ثورة العام 2011". وكان هيكل قد قال في مقابلة أجريت معه قبل أسبوع من المظاهرة المذكورة: "لقد قال (مرسي) جملة عن زمن الستينيات الذي كان يشكل سنوات ناصر... وشعرنا بأننا نهان من جانب الرئيس الجديد، وبأنه ضد زعيمنا المحبوب وأيقونتنا ناصر".
هناك آخرون في المقابل ممن يبدون توجساً من الانبعاث الناصري المتكشف. ورغم أنه كان محبوباً بفضل إصلاحاته الشعبية والكرامة القومية التي زرعها في شعبه، فإن العديد من المصريين ينطوون على ذكريات متضاربة بشكل عميق إزاء ناصر الذي أسس أيضاً العديد من الممارسات السلطوية التي ما تزال تشكل ركائز الدولة المصرية. ومثل الحكومة الراهنة، قمع نظام ناصر المعارضة السياسية بعنف، بما فيها الإخوان المسلمون (خاصة في أعقاب محاولة اغتيال أقدم عليها أحد أفراد الإخوان المسلمين ضده).
كان الخطاب الناصري غائباً بشكل ملحوظ في الشهور التي أعقبت انتفاضة العام 2011 التي أفضت إلى الإطاحة بالدكتاتور حسني مبارك، وفقاً لخالد فهمي، رئيس قسم التاريخ في الجامعة الأميركية في القاهرة. ويقول فهمي إن ثورة 25 كانون الثاني (يناير) كانت رفضاً لصيغة ناصر للاستقرار والأمن الاقتصادي على حساب الحقوق السياسية. وقد تغير ذلك في العام الماضي خلال الاحتجاجات على قيام مرسي بمركزة، عندما بدأت صور ناصر في الظهور بشكل أكثر تواتراً في المظاهرات. ويقول فهمي: "إنه الخوف من الإخوان المسلمين. وهو أيضا الخوف من انهيار القانون والنظام". ويضيف: "إنه بشكل ما، إجهاد الثورة".
ويذهب فهمي إلى القول: "لقد اندلعت الثورة بشكل خاص ضد معادلة: إما الاستقرار أو الحرية. لقد أردنا الاستقرار والحرية معاً وعلى حد سواء. وقد عرفنا أن الحرية تعني من الناحية الفعلية إثارة أسئلة مهمة حول الجيش؛ الذي أصبح مقدساً في السياسة المصرية بسبب ناصر، الجيش الذي أعطيت له الحصانة بسبب ناصر. وهكذا، وفي نهاية المطاف، فإن المطالبة بعودة ناصر تشكل من الناحية الفعلية نكسة للثورة".


*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:What Syria Means for Egypt: Pro-Assad Mood Marks Return of Arab Nationalism

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جامع النجارين (يوسف ناصر فاروق ياسين)

    الجمعة 24 كانون الثاني / يناير 2014.
    انه كلام جميل والصورة جميلة