الجيش السوري الحر المتشظي

تم نشره في الأحد 8 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • اللواء سليم إدريس قائد الجيش الحر المعارض في سورية - (أرشيفية)

كيرك هـ. ساويل* — (فورين بوليسي) 3/9/2013

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

فيما تمضي الولايات المتحدة قدماً نحو اتخاذ إجراء عسكري ضد الحكومة السورية، اختارت قيادة الاتجاه السائد لقوة المعارضة المسلحة وقتاً غريباً للظهور بأنها على شفير التفكك والانحلال. وقد حاول هذا التجمع المكون في أغلبه من ضباط عرب سنة منشقين عن الجيش النظامي السوري، كما ومن متطوعين إسلاميين، والمعروف عموماً بالجيش السوري الحر، إعادة تنظيم نفسه عدة مرات. ويتهدد أحدث هذه المحاولات راهناً، وعلى نحو خطير، تهديد قادة رفيعي المستوى بالاستقالة.
كانت المحاولة الأكثر استمراراً، والتي ربما تكون واعدة، هي تلك التي تمثلت في تشكيل نظام المجلس العسكري على أساس محافظة بمحافظة، والذي شكل في أواخر العام 2011 وأوائل العام 2012، ثم المجلس العسكري الأعلى الذي أسس في كانون الثاني (ديسمبر) من العام 2012. وضم المجلس العسكري الأعلى الذي يترأس أركانه المشتركة الجنرال سليم إدريس قادة من داخل البلد، بالإضافة إلى آخرين منفيين، واستهدف التغلب على الفجوة القائمة بين القادة في الداخل، الذين يمسكون بالقوة الفعلية على الأرض، وبين المعارضة المنفية.
يوم 22 آب (أغسطس) الماضي، هدد أربعة من أصل خمسة قادة في الجبهة الأمامية بالاستقالة من المجلس العسكري الأعلى، متعهدين بكسر "الخطوط الحمر" والعمل "مع كل القوى المقاتلة في سورية،" في إشارة واضحة إلى كتيبة الجهاديين السلفيين المتنامية في الحرب. وقد تلا بيان التهديد الكولونيل فاتح حسون، قائد جبهة حمص في المجلس العسكري الأعلى ونائب رئيس الأركان، أي نائب الجنرال إدريس وأرفع ضابط متواجد داخل البلد. وأضاف حسون أن الثوار لن يحترموا المطالب المقدمة من جانب قوى خارجية، والقاضية بأن لا يحاولوا الاستيلاء على مواقع الأسلحة الكيميائية التي تسيطر عليها الحكومة. وبالإضافة إلى المطالبة باتخاذ إجراء رداً على استخدام الحكومة للأسلحة الكيميائية في دمشق، طالب حسون أيضاً بأسلحة أفضل، وقال إن الثوار باتوا يشعرون بالملل من "الوعود الزائفة التي قدمها كل أولئك الذين يسمون أنفسهم أصدقاء سورية".
بينما بدت الاستقالة مؤقتة، كان حسون أقل حسماً فيما يتعلق بالخط الأحمر الآخر - المجموعات السلفية الجهادية: جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام- اللتين صنفتهما الولايات المتحدة باعتبارهما كيانين إرهابيين مرتبطين بالقاعدة. ومباشرة خلف حسون، كانت هناك راية إسلامية يتدلى إلى جانبها علم الجيش السوري الحر لسورية ما قبل الأسد، ربما بقصد إرسال إشارة إلى السلفيين. وكان يجلس إلى يمينه رجل دين ملتحٍ مرتدياً ثوباً سلفياً. وأعلن بعد ذلك مباشرة بالقول: "إننا ندعو كل" وحدات الجيش السوري الحر للعمل مع الآخرين الذين يقاتلون النظام. ويوم 25 آب (أغسطس) قدم النقيب محمد طبنجة، القائد الميداني لكتبية أحفاد الرسول في اللاذقية استقالته، مشيراً إلى الافتقار للدعم من جانب المجلس العسكري الأعلى، ليضيف بذلك من تعميق الجرح.
في الأثناء، تبدو جبهة التحرير الإسلامية السورية السلفية المعتدلة والمتصلة بالمجلس العسكري الأعلى تتجه نحو الجناح السلفي الأكثر تشدداً في المعارضة، وهو تحول يبدو من المرجح أن يكون ناجماً عن الافتقار للدعم الخارجي، وربما أيضاً الدعم الأحدث من العربية السعودية للانقلاب المعادي للإسلاميين في مصر. وكان أحمد أبو عيسى الشيخ، رئيس جبهة التحرير الإسلامية السورية، قد دافع صراحة عن جبهة النصرة، معتبراً إياها الجزء الشرعي من المعارضة، وفقاً لمقابلة أجرتها معه قناة الجزيرة، وذلك على الرغم من خلافاته الأيديولوجية مع المجموعة. وثمة زهران علوش، رئيس كتيبة الإسلام التي تعد أضخم وحدة مرتبطة مع المجلس العسكري الأعلى في دمشق (تسيطر على المنطقة المحيطة بالغوطة الشرقية، مكان هجوم الأسلحة الكيميائية المزعوم الأخير). وقد نشر علوش شريط فيديو طائفياً معادياً للشيعة يوم 25 تموز (يوليو) الماضي، والذي يرحب علناً "بالجهاديين من العراق" ومن أمكنة أخرى، في إشارة إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. والأكثر حداثة، في أواخر آب (أغسطس)، انتقد علوش صراحة المجلس العسكري الأعلى من خلال حسابه في شبكة التواصل الاجتماعي "تويتر" بالرغم من أنه لم يستقل رسمياً من المجلس.
ما فتئ المجلس العسكري الأعلى يشكل نوعاً من القشرة طوال أشهر، مع أنه يعجز عن اتخاذ القرارات القيادية عندما تنشأ فرص لاتخاذ مثل هذه القرارات. وقد أصبح هذا واضحاً للعيان أكثر ما يكون في أوائل حزيران (يونيو)، عندما حاول المجلس العسكري الأعلى إزاحة الكولونيل عبد الجبار العقيدي، قائد المجلس العسكري في حلب. وظاهرياً، جاءت تلك الخطوة لأنه لا يجب أن يكون العقيدي قائداً للمجلس العسكري وجزءاً من المجلس العسكري الأعلى، لكن السبب الرئيسي –وفقاً للعقيدي وغيره من قادة الثوار- كان تدخله ضد حزب الله في القصير في أيار (مايو) الماضي. وقد غادر العقيدي حلب للقتال في القصير، وهدد بشن هجمات صاروخية ضد جنوب بيروت، وهو ما أزعج الأعضاء اللبنانيين في المجلس العسكري الأعلى.
أما الأمر الذي يحكي الكثير، فهو ما حصل عندما تم الإعلان عن قرار المجلس العسكري الأعلى بإزاحة العقيدي. فقد تجاهله العقيدي، ثم بعد أن رفض قادة على مستوى الكتيبة في داخل المجلس العسكري الأعلى القرار، أجريت معه مقابلة سخر خلالها من المجلس العسكري الأعلى لكونه مكوناً من أناس "مهتمين بالسفر والفنادق ولا يتوافرون على أي صلة بما يحدث على الأرض". وبرأ ساحة إدريس من التورط، ما حدا بإدريس إلى الاعتذار في الحال للعقيدي، ثم السفر إلى حلب للاجتماع معه والثناء عليه.
ليس التنسيق مع المجموعات الجهادية جديداً في حقيقة الأمر. وقد نسقوا على المستوى العملياتي الكثير من العمليات قوات النظام، وقد نما ذلك مع الوقت. ويوم 6 آب (أغسطس)، وبعد استيلاء الثوار على قاعدة منبج الجوية في حلب، وقف العقيدي سوية مع مجموعة تتكون في معظمها من القادة السلفيين. وبعد تحدثه أولاً، سلم العقيدي الميكروفون إلى القائد المحلي لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أبو جندل.
والأكثر إحراجاً هي العمليات الرئيسية التي يبز فيها الجهاديون مجموعات المجلس العسكري الأعلى في التنظيم والقتال على حد سواء. وقد حدث هذا قبل أسابيع في هجمات الثوار على اللاذقية، والتي شكل فيها الجهاديون "مركز عمليات المجاهدين" وتحملوا عبء المعركة. وكان لثوار المجلس العسكري الأعلى تواجدهم الخاص أيضاً، حتى إن إدريس زار اللاذقية يوم 11 آب (أغسطس) لإظهار الدعم، لكنهم سرعان ما انسحبوا تاركين الجهاديين لمواجهة قوات المليشيات العلوية وجهاً لوجه هناك.
ورد إدريس على تهديد الاستقالة من حسون بقوله إنه "رفضها" وكأنه يتوافر على الصلاحية لذلك. ولعل مما ينطوي على مدلول أكبر، هو ما أوردته وكالة أنباء رويترز يوم 25 آب (أغسطس) من أن هناك شحنة أسلحة تقدر زنتها بحوالي 400 طن قادمة من الحدود التركية. وثمة حاجة لأن تأتي هذه الشحنات بانتظام، وكانت هناك إعلانات مشابهة قبل ذلك؛ ففي يوم 21 حزيران (يونيو)، أعلن لؤي المقداد عن تطور مماثل وكأنه سيغير مسار القتال. وبالإضافة إلى ذلك، ذكر أن رئيس الائتلاف الوطني السوري، أحمد الجربا، يحاول راهناً تشكيل "جيش وطني" حقيقي، مبتدئاً من الجنوب حيث يتمركز في الأردن مع دعم من المملكة العربية السعودية. وسيكشف الوقت ما إذا استطاعت مبادرة الجربا أن تنجز شيئا ما على ضوء فشل الجهود السابقة. ونظراً لأن حسون لم يصدر أي تصريحات جديدة، فإنما قد يكون منتظراً هو الآخر.
كما تتجلى الأمور راهناً في المحافظتين الشرقيتين، الرقة ودير الزور، فإن السلفيين والجهاديين هم الذين يهيمنون، بينما لا يوجد هناك أي بناء للمجلس العسكري للجيش السوري الحر من الناحية الأساسية. وهم في حمص ودرعا وحلب أقرب ما يكون إلى التكافؤ مع تواجد أكثر تواضعا في دمشق وإدلب وشمالي اللاذقية. ولو تحول إعلان حسون إلى حقيقة، فإنه سيترك المجلس العسكري الأعلى مع قسم من التنظيم خارج محافظة درعا الجنوبية، حيث كان قائد القيادة الجنوبية بشار الزعبي الوحيد من بين القادة الخمسة الذي لم ينضم إلى بيان الإعلان. وربما كانت التقارير التي تتحدث عن شحنات أسلحة متزايدة عبر الأردن هي أفضل تفسير للاختلاف، وثمة احتمال بأن تعطي الضربات الأميركية المنتظرة للثوار نوعاً من الفسحة للتنفس، اعتماداً على شدتها. لكنه فقط إذا أقدم المجلس العسكري الأعلى على تطوير هيكلية قيادة عملية، سيمكن أن يكون حليفاً يعتد به عند أولئك الذين يسعى للحصول على مساعداتهم. وفور سقوط الأسد، سوف تندلع حرب جديدة، وسيعتمد ميزان القوى في تلك الحرب على ما إذا كان الثوار الذين يقرنون أنفسهم بالمجتمع السوري سيستطيعون تنظيم أنفسهم الآن.

*هو مدير خدمات يوتينسيس ريسك، وهي مؤسسة متخصصة في الأبحاث باللغة العربية.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
 The fragmenting FSA

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلمن ايدو الو (كولومبس)

    الخميس 24 آذار / مارس 2016.
    والله كل المعارضين خارج سوريا ﻻيريدون اﻻزمه في سوريا تنتهي ﻻنهم المستفيدون منهاوحدهم وليس الشعب السوري الذي يقاسي وحده.