منطقة حظر للطيران.. الحل الأنسب في سورية

تم نشره في الجمعة 6 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • مقاتلان من الجيش السوري الحر يرقبان منطقة الاشتباك في حلب - (أرشيفية)

تشارلز تانوك*
بروكسل- هناك مقولة كثيراً ما تستخدم في تفسير العلاقات الدولية: "عدو عدوي صديقي". وقد يثبت صدق هذه المقولة أحيانا؛ لكنها غالباً ما لا تكون صحيحة.
قبل ثلاثين عاما، تصور الغرب -مخطئاً- أن المجاهدين الأفغان هم أصدقاؤه لأنهم كانوا يحاربون القوات السوفييتية الغازية في بلادهم. لكن هذا الافتراض أصبح يبدو الآن غبياً فارغاً في ضوء كل ما حدث منذ ذلك الحين.
الآن، خلقت الأزمة السورية المتزايدة الخطورة، والاستخدام الإجرامي للأسلحة الكيمائية هناك، ديناميكية مماثلة يرجح أن تقود إلى المعضلة نفسها. لكنه لا ينبغي للغرب أن يجازف بارتكاب الخطأ نفسه وقبول الخيارات الزائفة نفسها.
ولنبدأ هنا بالمبادئ الأولية. لا بد أن نعتبر الهجوم بالأسلحة الكيميائية على النطاق الذي شهدناه للتو في سورية عاملاً مغيراً لقواعد اللعبة تماما. فرغم أن امتلاك مثل هذه الأسلحة من أسلحة الدمار الشامل ليس فعلاً مُجرَّماً من الناحية الفنية، فإن أغلب الدول وقعت على اتفاقية الأسلحة الكيميائية للعام 1993، التي رفضت سورية التوقيع عليها.
وهكذا، فإن الإجابة عن سؤال: "ماذا يجب أن يحدث الآن إذن؟" من غير الممكن أن تكون بصيغة "لا شيء". إن مبادئ القانون الدولي -وخاصة مبدأ "المسؤولية عن الحماية" المعنيّ وفرض الحظر العالمي على استخدام الأسلحة الكيميائية- تملي ضرورة القيام بشكل ما من أشكال التدخل العسكري من أجل ردع الآخرين عن استخدام أسلحة الدمار الشامل، وخاصة ضد المدنيين.
ولكن، أي التدابير هي التي يمكن أن تعد مناسبة ومفيدة حقاً في هذا السياق؟ وما هو التصرف الذي الذي يُتوقع أن يعزز أمن الغرب؟ وما هو التصرف الذي ربما ينطوي على التهديد بإضعاف هذا الأمن؟
أعتقد أن الاستجابة المتناسبة المستحقة والأكثر بساطة تتلخص في فرض منطقة حظر للطيران في سورية. والواقع أن هذا الاقتراح مناسب بشكل خاص في ظل الغياب المرجح لأي قرار يصدر بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ("التحرك في مواجهة المخاطر التي تهدد السلم")، نظراً لاستخدام روسيا والصين (الذي يكاد يكون مؤكدا) لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.
بطبيعة الحال، انطلقت المزاعم والمزاعم المضادة في أعقاب الهجوم المروع بالأسلحة الكيميائية على منطقة يسيطر عليها المتمردون في شرق دمشق. ولكن، ونظراً لوحشية نظام بشار الأسد، فإن أحداً قد لا يشك في استعداده للقيام بأي شيء من أجل إخفاء جريمته. والواقع أن التلكؤ لخمسة أيام قبل السماح لفريق خبراء الأسلحة النووية التابع للأمم المتحدة بالذهاب للتحقق من الهجوم أعطى حكومة الأسد الوقت الكافي لإخفاء أدلة الإدانة، سواء بتحللها تلقائياً أو بتدميرها بالمزيد من القصف. وتصر الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة على أن كل المعلومات الاستخباراتية وإفادات شهود العيان تشير إلى حكومة الأسد بوصفها المسؤولة عن الهجوم.
ولا يوجد شك أيضاً في شرعية المخاوف بشأن عناصر المعارضة السورية. فقد أثبتت الجماعات السلفية المتطرفة التي يقودها تنظيم القاعدة بين قوات المتمردين، مثل "جبهة النُصرة"، أنها لا تقل شراسة وخبثاً عن الحكومة وحلفائها مثل الوكيل الإيراني حزب الله والحرس الثوري الإيراني. ولكن الرأي الموحد للأجهزة الاستخباراتية الغربية هو أنه لا يوجد دليل على أن هذه الجماعات المتمردة هي التي شنت الهجوم بالأسلحة الكيميائية.
في ظل هذه الظروف، فإن منطقة حظر الطيران لن تعمل فقط على إخلاء السماء من الطائرات الحربية والقذائف السورية، لتقلل بالتالي من نطاق المذابح؛ بل إنها سوف تثبت للأسد وأنصاره أيضاً أنه مكشوف وغير حصين حقا. ولا بد أن يدرك الجنرالات الذين أمروا باستخدام الأسلحة الكيميائية أن النظام من الممكن أن يسقط في واقع الأمر، وأنهم قد يجدون أنفسهم آنئذ ماثلين أمام المحكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
يقى الخيار الأفضل، بكل تأكيد، هو أن تسمح روسيا والصين لمجلس الأمن بالقيام بالمهمة التي أنشئ من أجلها -تأمين السلام ومنع جرائم الحرب. فمن خلال الاستمرار في دعم الأسد رغم استخدامه الأسلحة الكيميائية، تتحول مكانة روسيا في العالم العربي من راعية إلى دولة منبوذة. وسوف يتبخر أيضاً أي قدر متبق للرئيس الروسي فلاديمير بوتن من المكانة الأخلاقية والسياسية في بقية العالم، كما سيكتشف بنفسه قريباً في قمة العشرين المقبلة في سانت بطرسبرج.
لكن العالم لا يملك أن يحبس أنفاسه في انتظار تغيير يطرأ على موقف بوتن والصين، ولهذا السبب، لا بد من دراسة فكرة فرض منطقة حظر للطيران باعتبارها خياراً عسكرياً. في أعقاب حرب الخليج في العام 1991، لم تُفلِح منطقة حظر الطيران التي اقترحها في البداية رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور في الإطاحة بصدّام حسين، ولكنها منعته من شن المزيد من الهجمات من الجو على الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب.
وبالمثل، سيكون من شأن فرض منطقة حظر للطيران في سورية أن تقيد على الفور السبل التي قد تستخدمها الحكومة السورية لإيصال أسلحة الدمار الشامل إلى أهدافها. وقد يزعم بعض الخبراء العسكريين بأن أنظمة الدفاع الجوي السورية متطورة للغاية ولا يمكن قمعها، الأمر الذي يجعل من محاولات فرض منطقة حظر الطيران أمراً بالغ الخطورة. لكن إسرائيل تمكنت من مهاجمة الأراضي السورية مرتين -دمرت مفاعلاً نووياً يديره خبراء من كوريا الشمالية في العام 2007، ومؤخراً ضربت قافلة لحزب الله- ولم يلحق بقواتها أي خسائر في الأرواح أو الطائرات.
إدراكاً منها لنقطة الضعف هذه، قدمت روسيا لسورية صواريخها الأكثر حداثة (اس-300)؛ لكنه لا يوجد أي دليل على وصول هذه الصواريخ إلى سورية بعد، ناهيك عن نشرها. وبمجرد كسر نظام الدفاع الجوي السوري بالقدر الكافي، فسيكون من الأفضل أن تستخدم الدول العربية -المملكة العربية السعودية وقطر وغيرهما من دول الخليج- وتركيا قواتها الجوية لمراقبة المنطقة المعنية. وبهذا يصبح من الممكن وأد أي فكرة خبيثة من جانب نظام الأسد في ظل وجود كل هذه الأعين التي تراقب السماء هناك.


*منسق الشؤون الخارجية للمحافظين والإصلاحيين الأوروبيين في البرلمان الأوروبي.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2013.

التعليق