إيران، وليس سورية، هي هدف الغرب الحقيقي

تم نشره في الجمعة 6 أيلول / سبتمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • لوحة إعلانية تحمل صور زعماء حزب الله وسورية والرئيس الإيراني السابق- (أرشيفية)

روبرت فيسك – (الإندبندنت) 30/8/2013
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
قبل أن تبدأ أكثر الحروب الغربية حُمقاً في تاريخ العالم المعاصر –وأنا أشير هنا، بطبيعة الحال، إلى الهجوم الذي سيكون علينا ابتلاعه أيضاً ضد سورية- ربما يمكننا القول بنفس المقدار إن صواريخ كروز التي نتوقع بثقة أن تسقط قريباً على أقدم المدن التي عمرتها البشرية، ليست لها أي صلة بسورية.
إنها تقصد إلحاق الأذى بإيران. إنها تقصد ضرب الجمهورية الإسلامية الآن، عندما أصبح لها رئيس جديد نابض بالحيوية –على عكس الإناء المشروخ الذي شكله سلفه محمود أحمدي نجاد- وعندما بات بالإمكان أن تصبح إيران أكثر استقراراً بعض الشيء.
إن إيران هي عدو إسرائيل. وبذلك، تكون إيران بشكل طبيعي عدواً لأميركا. وإذن، أطلقوا الصواريخ على حليف العرب الوحيد.
ليس ثمة ما يسر في النظام الحاكم في دمشق. ولن تفلح التعليقات في إخراج النظام من ورطته عندما يأتي الأمر إلى القصف الشامل بالغاز. لكنني كبير السنّ بما يكفي لأتذكر أننا عندما قام العراق –الذي كان حليفاً لأميركا حينذاك- باستخدام الغاز ضد الأكراد في حلبجة في العام 1988، لم نعمد إلى شن أيّ هجوم على بغداد. وفي حقيقة الأمر، ترتّب على ذلك الهجوم أن ينتظر حتى العام 2003، عندما لم يكن قد تبقى لدى صدام أي غاز، أو أي أسلحة أخرى يمكن أن تراودنا الكوابيس بشأنها.
يحدث أنني أتذكر أيضاً ما قالته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في العام 1988 من أن إيران هي التي كانت مسؤولة عن قصف حلبجة بالغاز، وهي الكذبة الكبيرة ركزت على عدو أميركا الذي كان صدام يقاتله نيابة عنا. وقد مات الآلاف –وليس المئات- في قصف حلبجة. ولكن، هكذا هي طبيعة الأمور: زمان مختلف، معايير مختلفة.
أفترض أيضاً أنه لم يحدث أي فرق ولم يُستنفر أيّ انتباه عندما قامت إسرائيل بقتل ما وصل إلى 17.000 رجل وامرأة وطفل في لبنان في العام 1982، في ذلك الغزو الذي يفترض أنه جاء رداً على محاولة منظمة التحرير الفلسطينية قتل السفير الإسرائيلي في لندن –كان رفيق صدام، أبو نضال، هو الذي رتب لعملية القتل، وليس منظمة التحرير الفلسطينية، لكن ذلك لم يعد يهمّ الآن- وكان كل ما فعلته أميركا حينذاك هو دعوة الطرفين إلى ممارسة "ضبط النفس". وعندما قام حافظ الأسد –والد بشار الأسد- قبل شهور فقط من ذلك الغزو بإرسال شقيقه إلى حماة لمسح الآلاف من ثوار جماعة الإخوان المسلمين من الوجود، لم يغمغم أحد حتى بكلمة إدانة واحدة. كانت "قوانين حماة" هي الطريقة التي وصف بها رفيقي القديم توم فريدمان، ساخراً، حمام الدم ذاك.
على أي حال، هناك جماعة إخوان مسلمين مختلفة هذه الأيام –لم يستطع أوباما حتى أن يقنع نفسه بقول "بو" عندما تمت الإطاحة بالرئيس المصري المنتخب من الجماعة.
ولكن، انتظروا قليلاً. ألم يقم العراق –عندما كان حليف(نا) ضد إيران- باستخدام الغاز أيضاً ضد الجيش الإيراني؟ لقد فعل. وقد رأيت المصابين تماماً مثل ضحايا "إيبر" جراء ذلك الهجوم المخالف للقانون الذي شنه صدام –يجدر القول بأن ضباط الولايات المتحدة جابوا ميدان المعركة في وقت لاحق وأرسلوا تقاريرهم إلى واشنطن- ولم يهمهم جماعتنا تعقيباً على ذلك، ولا حتى بلعنة صغيرة. لقد تسمم آلاف الجنود الإيرانيين في حرب الأعوام 1980-88 حتى الموت بسبب هذا السلاح اللئيم.
في تلك الأيام، حدث أنني سافرت عائداً إلى طهران على متن قطار يحمل الجرحى العسكريين، وشممت هناك رائحة ذلك الشيء فعلياً، وفتحت النوافذ في الأروقة لطرد تلك النفحات من الغاز. كان أولئك الشبان مصابين بجروح فوق الجروح –حرفياً. كانت لديهم تقرحات رهيبة عائمة في تقرحات أكثر إيلاماً إلى حد لا يمكن أن يوصف. ومع ذلك، وعندما تم إرسال الجنود إلى المستشفيات الغربية للعلاج، قمنا نحن معشر الصحفيين بوصف هؤلاء الجرحى –حين كانت الأدلة الواردة من الأمم المتحدة أكثر إقناعاً بما لا يقاس من تلك التي يرجح أن نحصل عليها من دمشق- بأنهم ضحايا "مزعومون" للغاز.
وإذن، ما الذي نفعله الآن بحق السماء؟ بعد أن ماتت آلاف لا تُحصى من الناس في المأساة السورية الرهيبة، وفجأة –الآن، بعد شهور وسنوات من المراوغة والتملص- بدأنا نشعر بالاستياء بسبب بضع مئات من الموتى. رهيب. نعم، هذا صحيح. لكنه كان ينبغي لنا أن نصاب بالصدمة إلى حد القيام بعمل تجاه هذه الحرب وراء في العام 2011، 2012. ولكن، لماذا الآن؟
أعتقد أنني أعرف السبب. أعتقد أن جيش بشار الأسد الذي لا يرحم ربما شرع في الكسب ضد الثوار الذين نقوم بتسليحهم سراً. وبمساعدة من حزب الله اللبناني –حليف إيران في لبنان- تمكن نظام دمشق من كسر الثوار في القصير، وربما يكون الآن بصدد كسرهم أيضاً إلى الشمال من حمص. وقد دأبت إيران على الانخراط عميقاً في حماية الحكومة السورية كل الوقت. وهكذا، فإن انتصاراً لبشار الأسد سوف يعني انتصاراً لإيران. ولا يمكن التسامح مع الانتصارات الإيرانية في الغرب.
ثم، بما أننا نتحدث في موضوع الحرب، ما الذي حدث لتلك المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية النفيسة التي كان جون كيري يتباهى بها؟ بينما نعرب عن ألمنا البالغ جراء عمليات القتل البشعة بالغاز في سورية، ما يزال الاستيلاء على الأرض الفلسطينية مستمراً لم يتوقف. وما تزال سياسات إسرائيل الليكودية –التفاوض على السلام حتى لا يبقى هناك أي فلسطين- جارية على قدم وساق، وهو السبب في أن الكابوس الأردني (وهو سبب أقوى بكثير من "أسلحة الدمار الشامل" التي اختلقناها ذات حلم في العام 2003) يصبح أكبر: أن "فلسطين" سوف تكون في الأردن، وليس في فلسطين.
لكننا إذا كنا لنصدق الهراء القادم من واشنطن ولندن وباريس وبقية العالم "المتحضر"، فإنها مسألة وقت فقط قبل أن ينقض سيف ثأرنا السريع الصارم على رقاب الدمشقيين. وربما تكون مشاهدة قيادات بقية العالم العربي وهي تصفق لهذا الدمار، هي التجربة التاريخية الأكثر إيلاماً في المنطقة على الإطلاق. والأكثر خزياً وعاراً. باستثناء حقيقة أننا سنكون بصدد مهاجمة المسلمين الشيعة وحلفائهم، بما يستدعي تصفيق المسلمين السنة. هذا هو ما صُنعت منه الحرب الأهلية.


*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Iran, not Syria, is the West's real target

التعليق