معالجة الصحة النفسية للاجئين السوريين.. ضرورة ملحة

تم نشره في السبت 17 آب / أغسطس 2013. 03:00 صباحاً
  • أم سورية تحتضن ابنتها المريضة بعيادة بمخيم الزعتري - (تصوير: محمد أبو غوش)

كيرت غويرنغ* – (كرستيان سينس مونيتور) 13/8/2013

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 

عندما زار وزير الخارجية الأميركي جون كيري مخيماً كبيراً للاجئين السوريين في الأردن الشهر الماضي، ناشده اللاجئون اتخاذ إجراءات لوقف أعمال القتل الجارية في وطنهم. وقد صنعت التماساتهم اليائسة عناوين الأخبار في جميع أنحاء العالم، وكشفت عن الألم النفسي الشديد الذي صاحب الاعتداءات البدنية التي يتعرض لها الناس في حرب سورية الأهلية.
كانت زيارة وزير الخارجية لمخيم الزعتري قد جاءت في نفس الأسبوع الذي اعتبر فيه مسؤولون في الأمم المتحدة أزمة سورية أسوأ أزمة لاجئين منذ حوادث الإبادة الجماعية في رواندا. وفي تموز (يوليو)، أصدرت لجنة تابعة للأمم المتحدة تحذيراً شديد اللهجة، جاء فيه: "لقد أصبحت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية واقعاً يومياً في سورية، حيث تلقي الحكايات المروعة للضحايا بثقلها على ضمائرنا".
لكن هناك سؤالاً مهماً ينجم وسط الرعب الجماعي والجدل السياسي: ما هي الحاجات النفسية لأولئك الناجين الذين نقرأ "حكاياتهم المروعة" في الأخبار، والذين نشاهد معاناتهم في أفلام "يوتيوب؟" من يهتم بهؤلاء اللاجئين؟ من يعتني بصحتهم العقلية وبتسهيل تعافيهم؟
هناك الملايين من المدنيين السوريين –من الرجال والنساء والأطفال- الذين تعرضوا للتعذيب، والسجن، والاغتصاب، وإطلاق النار عليهم بينما يهربون من الصراع المتصاعد باطراد. وقد شهدوا المعاملة الوحشية شخصياً، بما فيها ذبح عائلات بأكملها وتدمير المنازل والأحياء. وفيما يصبح الصراع السياسي والطائفي في سورية أكثر وضوحاً، تصبح الحاجة إلى معالجة المعاناة النفسية للاجئين أكثر إلحاحاً.
في الأردن، موطن ما يقرب من ثلث مجموع اللاجئين السوريين البالغ عددهم نحو 1.5 مليون لاجئ، يضم "مركز ضحايا التعذيب" فريقاً من المعالجين الذين يقدمون خدمات العناية بالصحة العقلية والعلاج الطبيعي للعراقيين والسوريين الذين فروا في القتال في بلدانهم. ومع أننا لم نقم بالإعلان عن الخدمات التي نقدمها، فإن لدينا قائمة انتظار طويلة للزبائن المحتملين، والتي تضم أكثر من 700 شخص تأتي الغالبية العظمى منهم من سورية.
هذه الاستجابة الكبيرة، خاصة من دون إعلان أو توعية للجمهور، تشكل ظاهرة غير مسبوقة بالنسبة لنا. وكانت منظمتنا قد عملت بعد العديد من الصراعات السابقة، بما فيها تلك التي وقعت في كل من سيراليون، وليبيريا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، بشكل وثيق مع قادة المجتمع. وقد أقمنا أنشطة توعية عامة لشرح آثار العنف، وكيف يمكن للعناية بالصحة العقلية أن تساعد الأفراد والمجتمعات على استعادة السيطرة واستئناف الوظائف والأعمال الأساسية.
على النقيض من ذلك، لا ينتظر السوريون الذين يسعون إلينا حملات التوعية العامة. وهناك ما يصل إلى 50 لاجئا سوريا في اليوم الواحد، ممن يأتون إلينا بطلبات الحصول على الرعاية النفسية والاجتماعية والعقلية الصحية لأنفسهم ولأبنائهم، ولغيرهم من أفراد الأسر المنكوبة بشدة. ويعاني هؤلاء حالة من الذهول -ينتحبون بلا سيطرة ولا ضابط، ويتقاسمون قصص الرعب التي لا يمكن تصورها، ويعرضون على أفراد كادرنا من المرشدين صوراً لحوادث القتل التي وقعت أمام أعينهم.
قصص هؤلاء اللاجئين تكسر القلب. ويشعر الآباء بقلق يائس على أبنائهم، الذين يتبولون في الفراش، ويغلقون آذانهم ويبكون عندما تمر الطائرات من فوق رؤوسهم، متشبثين بوالديهم وغير قادرين على التركيز في المدرسة. ويريد الآباء والأمهات مساعدة أبنائهم، بينما يناضلون مع تجاربهم المروعة الخاصة، ويغالبون مشاعر الفشل لأنهم لم يستطيعوا حماية صغارهم من الأذى.
هناك أطفال صغار لم تتجاوز أعمارهم الأربع سنوات ممن سُجنوا وعُذبوا. وقد تم اختطاف أحد الأطفال، وألقي به في زنزانة سجن مظلمة، حيث تُرك لعدة أيام هناك قبل إطلاق سراحه. وأصبح هذا الطفل الآن أخرس -لم يعد يتحدث أو يلعب.
أدهشتنا شجاعة وصمود هؤلاء اللاجئين السوريين وهم يناضلون من أجل تدبر أمور حياتهم اليومية. وهم يستحقون، هم وكل الناجين من الحرب والتعذيب، حياة أفضل. وبعد أن قدمنا العناية لما يقرب من 24.000 شخص من الناجين من الحرب والتعذيب منذ بدأنا مهمتنا، أصبحنا نعرف في مركز ضحايا التعذيب أن خدمات الصحة العقلية يمكن أن تقدم لهؤلاء الناس شعاعاً من الأمل وسط بربرية الصراع.
لكل ذلك، قدم المركز في الخريف الماضي "التزاماً بالعمل" في الاجتماع السنوي الثامن لمبادرة كلينتون العالمية، وتعهد بتقديم خدمات العلاج الطبيعي والصحة العقلية للاجئين السوريين المصابين بالصدمة والمتواجدين في الأردن على مدى السنوات الثلاث المقبلة. ويشمل هذا الالتزام زيادة القدرة العلاجية في عيادتنا القائمة في عمان، وإضافة وحدة متنقلة تسافر يومياً إلى الأماكن التي توجد فيها تجمعات كبيرة من اللاجئين السوريين في الأردن.
من المفهوم أن تكون المساعدات الإنسانية خلال الصراعات العنيفة متركزة على الحاجات الأساسية: الطعام، والمأوى والعناية الطبية. وعلى سبيل المثال، هناك الكثير من اللاجئين السوريين الذين فروا إلى الدول المجاورة، وهناك الملايين من المشردين داخلياً، والذين يعيشون جميعاً في مساكن مؤقتة غير مستوفية لأدنى المعايير. لكن الأمم المتحدة والوكالات الدولية الأخرى التي تستجيب للصراع تبقى مفتقرة بشكل حاد للتمويل.
غير أن الكثيرين من ضحايا الصراع سوف يحتاجون إيضاً إلى العناية الماهرة والمناسبة بالصحة العقلية حتى يتمكنوا من التعافي. وهناك بعض الناجين الذين ربما يطورون مشكلات دائمة في الصحة العقلية في حال لم يتمكنوا من الحصول على عناية عقلية متخصصة. وسوف يواجه هؤلاء كل أشكال التحديات التي يجب أن يواجهها أي لاجئ، لكنهم سيفعلون ذلك بينما يشعرون أيضاً باليأس العميق، والقلق، والألم النفسي. وسيكون البعض منهم غير قادرين على العمل من أجل إعالة أنفسهم وأولادهم.
ينبغي على الدول الغنية أن تتقدم وتمد يد المساعدة –وإحدى الطرق التي تستطيع بها ذلك هي تقديم المزيد من المساهمات السخية لصندوق تبرعات الأمم المتحدة لضحايا التعذيب. وتضمن المنح التي تقدم أن يتمكن الصندوق الذي تأسس في العام 1981 من توفير المساعدة الطبية والنفسية والقانونية، والدعم المالي للناجين من التعذيب وعائلاتهم. وكانت الأمم المتحدة على الدوام رائدة في هذا الجهد، لكنها تستطيع أن تفعل المزيد لتشجيع الحلفاء على تقديم مساهمات كبيرة وجعل الصحة النفسية ضمن الأولويات.
مع وجود المزيد من الموارد، سوف يكون صندوق التبرعات التابع للأمم المتحدة أفضل تجهيزاً واستعداداً لدعم برامج الناجين من التعذيب، بما في ذلك تلك القائمة في البلدان التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين، مثل تركيا، ولبنان، والأردن، حيث استنفدت الموارد في هذه المرحلة.
من خلال عملنا، إلى جانب التزام مبادرة كلينتون العالمية، فإننا نقف شهوداً على أكثر أعمال البشرية ترويعاً كل يوم. لكننا نرى أيضاً إمكانيات الصمود عندما يتم تمكين الناس حتى يستطيعوا إعادة بناء حياتهم.
من الأمور الملحة لمواجهة جزء مهم من تحديات هذه التداعيات للأزمة السورية، أن يقوم المجتمع الدولي بتصعيد جهوده لضمان أن تصل الرعاية الماهرة، والمناسبة ثقافياً إلى النازحين السوريين –تلك الرعاية التي تعالج معاناتهم الداخلية، وتعترف بإنسانيتهم.


*المدير التنفيذي لمركز ضحايا التعذيب، وهو منظمة دولية غير حكومية مقرها مينيسوتا، مخصصة لشفاء الناجين من التعذيب.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The urgency of addressing mental health for Syrian refugees

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق