هل يستطيع الغرب إدارة حرب طويلة في سورية؟

تم نشره في الخميس 25 تموز / يوليو 2013. 03:00 صباحاً
  • سوريان في أحد شوارع حمص التي دمرتها الحرب الأهلية - (أرشيفية)

ريتشارد غوان* -  (وورلد بوليتيكس ريفيو) 15/7/2013
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
هل يتوجب على الغرب محاولة جعل الحرب الأهلية السورية تستمر قدر الإمكان؟ قد يبدو السؤال مزعجاً من الناحية الأخلاقية، وخاطئ الوجهة من الناحية السياسية. ولطالما دعت الولايات المتحدة وحلفاؤها بثبات إلى وقف سريع لأعمال القتال، والتوصل إلى تسوية متفاوض عليها في سورية، لكنهم يطبقون راهناً استراتيجيات عسكرية ودبلوماسية وإنسانية يمكن أن تسهم في إطالة أمد الصراع. ومن الممكن أن يفضي هذا النهج إلى سيادة الجمود في داخل سورية، أو حتى المزيد من العنف في البلد، وفي عموم منطقة الشرق الأوسط.
بينما تصاعدت وتيرة الحرب السورية من العنف الثابت، وإنما المحدود، إلى إراقة الدماء على نطاق واسع في العام 2012، ما يزال العديد من المراقبين الغربيين يعتقدون بأن هذه الدوامة يجب أن تنتهي بسرعة. وقد بدا الرئيس بشار الأسد وكأنه يستنزف الدعم ويفقد الأرضية، لكنه استعاد الزخم العسكري في الشهور الستة الماضية. وبينما ما يزال يقف على مسافة طويلة من تحقيق النصر الكامل، فإن هزيمته الكاملة تبدو غير مرجحة بالمقدار نفسه. وما يزال هناك، وبشكل متزايد، قتال أخوي عنيف يجري بين الفصائل العلمانية والإسلامية في صفوف الثوار السوريين.
ورغم وجود دعوات مستمرة تطالب بنوع ما من التدخل العسكري الغربي، ظلت الولايات المتحدة تذهب إلى خيارات محدودة باطراد. وكان قرارها الأكثر مدعاة للانتباه، والذي أعلن عنه في حزيران (يونيو) الماضي، هو تقديم أسلحة خفيفة للثوار المعتدلين. وقد واجه هذا الاقتراح الحذر المشاكل بدوره. وبينما يقوم الصقور والحمائم في الكونغرس الأميركي بمناقشة الخطوة، قالت الأخبار إن إرسال الإمدادات لم يبدأ بعد.
من غير المرجح إلى حد كبير أن تغير الأسلحة الخفيفة الديناميات الكلية للحرب بأي حال من الأحوال. ومع أنها قد تساعد الثوار في الدفاع عن أنفسهم والتصدي للميليشيات الموالية للأسد، وكذلك ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين إذا ما وصلت إلى الأيدي الخطأ، فإنها تستطيع بالكاد تمكين الثوار من التغلب على دبابات الجيش السوري. وقد تقدم هذه المساعدة الأميركية وعروض الدعم المشابهة من فرنسا والمملكة المتحدة الوقود للقتال من منزل إلى منزل في مدن سورية المبتلاة، لكنها لن تسهل أمر التوصل إلى نهاية سريعة للحرب.
وإذن، هل سيأتي حل متفاوض بنتجية أسرع مما تأتي به هذه الإمدادات؟ من الواضح أن الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب فقدت الزخم منذ أيار (مايو) عندما دعت الولايات المتحدة وروسيا إلى مؤتمر سلام في جنيف. وكما ذكرت سابقاً، فقد كثفت قوات الحكومة فعليا عملياتها بعد الإعلان عن القمة من أجل تقوية المركز التفاوضي لدمشق. كما يصر داعمو الأسد على أنه لن يقبل بأي اتفاقية تتطلب منه التنحي.
الآن، تم الدفع بمؤتمر السلام حتى آب (أغسطس)، فيما لا يعتقد العديد من الدبلوماسيين بأنه سينعقد على الإطلاق. وثمة مجازفة بأن تقع الولايات المتحدة في شرك مسعى لا ينتهي من وضع أطر العمل البديلة لبحث وضع حد للصراع، والذي يهدف في جزء منه إلى تفادي الانهيار الكلي للانخراط الدبلوماسي حول الموضوع مع روسيا. ومن المحتمل أن تريد الولايات المتحدة جلب الأمم المتحدة إلى ظهر المركب للحفاظ على صورة زائفة من التعاون الدولي. وفي حروب سابقة، مثل تلك التي وقعت في البوسنة ودارفور، كانت الدبلوماسية المتعددة الأطراف غاية في حد ذاتها، حيث كان المبعوثون يتنقلون في رحلات مكوكية بين اجتماعات غير مثمرة لصياغة بيانات ختامية. والآن، يحدث الأمر نفسه في المسألة السورية.
يستطيع هذا النوع من الدبلوماسية تمديد الصراع فيما الأطراف المتحاربة تواصل المفاوضات. وقد أظهر الأسد نوعاً من المهارة في هذا النوع من المراوغة مُسبقاً. فهل تتوفر طريقة دبلوماسية أفضل؟ ما يزال الخبراء الإنسانيون يطرحون لبعض الوقت أنه في ظل غياب عملية سياسية معقولة، فإنه يجب على الحكومات الغربية تحويل تركيزها على التخفيف من كلف الحرب البشرية.
ووفق هذا الطرح، قد يكون من المستحيل إقناع الأسد بالتنحي، لكنه قد يكون من الممكن مع ذلك منح منظمات الإغاثة وصولاً أفضل إلى المدن الواقعة تحت الحصار. وكان وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد ميليباند قد قدم هذا الطرح مؤخراً، داعياً إلى ممارسة "ضغط على الحكومة في دمشق والثوار للتمسك بالقوانين والأعراف الدولية الخاصة المتعلقة بحماية المدنيين في أعمال الحرب".
وما تزال الحكومات الغربية تنتهج هذه الاستراتيجية مُسبقاً في الأمم المتحدة، ولكن بدون جدوى. وفي بداية هذا الشهر أطلقت أستراليا ولوكسمبورغ مسودة نص بيان صحفي لمجلس الأمن الدولي يدعو سورية إلى توفير وصول إنساني لمدينة حمص. لكن روسيا صدت هذه الإيماءة الدبلوماسية اللطيفة، تماما مثلما صدت بيانا مشابها خلال حصار القصير في بداية شهر حزيران (يونيو).
إن من المحتم بالطبع وجوب أن تصل المساعدة الإنسانية إلى السوريين الذين يعانون. وكما أشار ميليباند محقاً، فإن الجهد الكلي للمساعدات ما يزال منقوص الموارد، وسيئ التنسيق غالباً، مما جعل مسؤولي المساعدات يعتمدون على معلومات خاطئة حول ما كان يحدث في سورية. لكنه يجب أيضاً تذكر أن المساعدات الإنسانية تستطيع في بعض الظروف المساعدة في إطالة أمد الصراعات بقدر ما تخفف من الفظائع التي تسببها. وبينما يبذل الخارجيون قصارى جهدهم للإبقاء على المدنيين أحياء من دون أي اشتراطات لفعل ذلك، تشعر الفصائل المتحاربة بالقليل من الضغط للبحث عن حلول سياسية لخلافاتها. وفي الحالة السورية، تستطيع عملية إغاثة إنسانية أكثر فعالية الحفاظ على استدامة الحرب على نحو معاكس للمطلوب.
قد يمكن القول إن كل هذه العوامل تظل ذات أهمية سطحية للأسد ومعظم مجموعات الثوار المصممة على مواصلة القتال. ويبدو الطرفان راغبين في القتال حتى النهاية، ولن تشتت انتباههما عروض محدودة من الأسلحة والمساعدات والمفاوضات في جنيف. وتبدو قدرة الغرب على التأثير في الصراع محدودة بشكل مؤلم في هذه المرحلة. ورغم ذلك، يبقى من الممكن رؤية كيف أن هذه المبادرات العسكرية والإنسانية والدبلوماسية المختلفة تستطيع أن تضيف إلى استراتيجية أكبر لإدارة الحرب الأهلية السورية.
في هذا السيناريو، يمكن أن يسهم تقديم مساعدة عسكرية للثوار في حالة جمود لاحق. ويمكن لتقديم مساعدة إنسانية متزايدة إيقاف المجتمع السوري المعذب أصلاً بسبب الصراع عن رفع وتيرة العنف تماماً. كما أن تقديم خيار دبلوماسي مستمر يستطيع فتح الطريق أمام كل الأطراف، أو على الأقل المعتدلين في الفصائل المختلفة لإيجاد طريق للخروج متى ما أنهكها القتال.
لكن هذه إذا آنت استراتيجية قاتمة، فإنها يمكن أن تكون مع ذلك واحدة متفائلة بشكل مفرط. ثمة احتمال بأن تخاطر المساعدة العسكرية القادمة من الغرب بأن تتعرض للتهميش من جانب الدعم الذي تقدمه روسيا وإيران للحكومة السورية، وذلك الذي تقدمه العربية السعودية ودول الخليج للثوار. ومن غير المرجح أن يظهر النظام السوري ومعظم معارضيه الراديكاليين الكثير من الانصياع لقوانين الحرب، مهما كان حجم النداءات العديدة التي تلقوها بهذا الصدد. كما أن المسار الدبلوماسي الذي دعمته الولايات المتحدة، ربما يكون ببساطة قد فقد المصداقية الضئيلة التي كانت تتوفر له في الأيام الأولى.
في تلك الحالة، تثبت محاولة إدارة الحرب السورية والتخفيف من تداعياتها أنها مجرد وهم. وبدلاً من الانزلاق إلى حالة من الجمود، فإن المعركة في سورية يمكن أن تتصاعد وتتمدد إلى دول الجوار، وخصوصا لبنان.
وحتى الآن، يتوافر الغرب على القليل من إجراءات لوقف الفجوة في التعامل مع الحرب، لكن هذه الإجراءات لن تعمل لأجل غير مسمى. وقد تكون إطالة أمد الحرب السورية مفضلة على القبول بانتصار الأسد. لكنها قد تنطوي أيضا على مجرد تأجيل لليوم الذي يصبح فيه التدخل الغربي المباشر حتميا كملاذ أخير.


*مدير مشارك لإدارة الأزمات والعمليات السلمية في مركز التعاون الدولي في جامعة نيويورك، وزميل سياسة رفيع في المجلس الأوروبي حول العلاقات الخارجية.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
Diplomatic Fallout: Can
 the West Manage a Long was in Syria?

التعليق