مصر الآن.. إلى أين؟

تم نشره في الأربعاء 24 تموز / يوليو 2013. 03:00 صباحاً
  • مدرعات الجيش المصري تغلق طريقا حيويا في القاهرة (أرشيفية)

محمد السيد*

القاهرة- بغضّ النظر عما إذا كان الثالث من تموز (يوليو) ثورة أو انقلاباً ضد الرئيس محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطياً في مصر، فقد أظهر مشهد ملايين المصريين وهم يخرجون إلى الشوارع يوم 30 حزيران (يونيو) أن ثورة 25 كانون الثاني (يناير) ما تزال قيد العرض. وبالرغم من أنها أخذت منحى خطيراً نحو العنف والانقسام الاجتماعي، إلا أن هذه هي طبيعة الثورات، فهناك صعود وهبوط، وأحياناً دورات متكررة من العنف والانقسامات.
لقد جعلت أحداث الأسبوعين المنصرمين من الواضح وضوح الشمس أن المصريين أصبحوا متمكّنين إلى حد قلب أي نظام يتقاعس عن تحقيق تطلعاتهم للحصول على "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية". ومع ذلك، فقد أدت هذه الأحداث عبر تاريخ مصر إلى تعميق الانقسام بين أولئك الذين يساندون أول حكومة مصرية منتخبة ديمقراطياً وأولئك الذين عملوا على خلعها. ولكن، بدلاً من التنبؤ بحدوث انقسامات أكبر في المجتمع المصري، فإن هذا يمكن أن يوفر بداية جديدة.
خلقت أحداث الثالث من تموز (يوليو) فرصة لإعادة كتابة عقد اجتماعي أفضل، والذي يجتذب أغلبية أكبر من المصريين. فقد تم الآن تعليق دستور العام 2012 الذي دافعت عنه أطراف تدعم الإسلام السياسي (وهم بالدرجة الأولى الإخوان المسلمين وحزب النور والجماعة الإسلامية)، وجرى استبداله بإعلان دستوري. وكانت الأطراف المذكورة قد صاغت ذلك الدستور، بعد أن انسحبت الأطراف العلمانية والكنيسة القبطية والناشطون في مجال حقوق الإنسان من الجمعية الدستورية. ولذلك، لم يوافق عليه سوى 64 % من القاعدة الانتخابية، مما ترك ما يزيد على ثلث الناخبين خائبي الآمال بدستور العام 2012. وهكذا، يتوجّب وضع جمعية دستورية تجمع معاً كافة اللاعبين الرئيسيين في مصر لإعادة كتابة دستور يستطيع كسب موافقة أغلبية أكبر من المصريين. ويجب المبادرة إلى تحقيق مصالحة وطنية حقيقية تشمل جميع الفصائل السياسية على وجه السرعة، كما يجب أن يكون حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين في قلب هذه المبادرة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنهم فازوا بالأغلبية في الانتخابات الأخيرة، وأصبحوا يشعرون الآن بأنهم خُدِعوا وجرى عزلهم.
لا يمكن المضي قدماً بالعملية السياسية بشكل ناجح من دون مشاركة الأحزاب السياسية. وتقع المسؤولية على الرئيس المؤقت عدلي منصور لإقناع الأطراف كافة، العلمانية والإسلامية على حد سواء، بإجراء المصالحة. ويترتب على الأحزاب السياسية ترك سياسة الشارع والصدامات والتوجه إلى طاولة المفاوضات. وإذا ما تم التوصّل إلى التسوية السياسية، فيجب تشكيل حكومة من التكنوقراط المؤهلين لإدارة الدولة أثناء الفترة الانتقالية.و يتوجب على رئيس الوزراء المعيّن اختيار كوادر واعدة من الأحزاب العلمانية والإسلامية لمساعدة البلاد على الابتعاد عن الاستقطاب المستمر إلى حين انتخاب برلمان جديد ورئيس جديد بحلول شهر شباط (فبراير) من العام المقبل. ويمكن أن يكون نادر بكّار وأشرف ثابت من حزب النور السلفي خياران جيدان، خاصة في الوقت الذي يجري فيه التخطيط لتشكيل لجنة المصالحة الوطنية الجديدة التي اقترحها الحزب.
يتوجّب على جميع الفصائل السياسية أن تضع مظالمها وإجحافاتها وتحيزاتها العقائدية جانباً والبدء بمساعدة الحكومة الجديدة على تقديم خريطة طريق لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار. فقد خرج ملايين المصريين إلى الشوارع يوم 30 حزيران (يونيو) لأن وضعهم الاقتصادي ازداد سوءاً خلال السنة الماضية، فارتفعت معدّلات البطالة إلى 13 %، واقتربت معدلات التضخم من 10 %، وتفاقمت مشاكل الطعام والكهرباء والوقود خلال السنة الماضية. وألقى مناهضو مرسي باللوم على عدم كفاءة الحكومة المخلوعة في التعامل مع مشاكل البلاد الملحّة. ومن ناحية أخرى، يعتقد عشرات الآلاف من أنصار مرسي الذين خرجوا إلى الشوارع منذ خلعه بأنه كان من الصعب عليه تحسين الأوضاع الاقتصادية خلال سنة واحدة فقط.
المهم الآن من هو الطرف المصيب وأي طرف هو المخطئ. ويمكن أن يدفع الفشل في تحسين الأوضاع الاقتصادية بالناس إلى فقدان الثقة بجميع النخب السياسية وبثورة 25 كانون الثاني (يناير) أيضاً، مما يترك مساحة لقدوم دكتاتورية عسكرية لا يريدها حتى الجيش، حسب جنرالات الجيش.
الآن، أصبح من الضروري أكثر من أي وقت آخر أن تأخذ جميع الأحزاب السياسية خطوة إلى الوراء، وأن تفكّر جدياً وتتعقب الأخطاء التي ارتكبتها خلال السنتين الماضيتين حتى يتسنى لها التعلّم منها. ويتوجب على الأحزاب الإسلامية والعلمانية على حد سواء أن تبتعد عن الخطاب العدائي إذا أرادت حقاً إنهاء الخلافات في البلاد، ودفع مصر في الاتجاه الصحيح. إن الشمولية السياسية هي مفتاح تحرّك مصر إلى الأمام.


* صحفي مصري.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع خدمة "كومون غراوند" الإخبارية.

التعليق