الرأسمالية وليس الديمقراطية هي ما يحتاجه العالم العربي أكثر ما يكون

تم نشره في الأحد 14 تموز / يوليو 2013. 03:00 صباحاً
  • مصري يحمل الخبز الذي وضعه العرب في شعارات ثورتهم - (أرشيفية)

فريزر نيلسون* - (التلغراف) 2013/7/4

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

تشبه متابعة التطورات الجارية في مصر مشاهدة شريط فيديو للربيع العربي رجوعاً من النهاية. فقد تمت تنحية صندوق الاقتراع جانباً، وتمزيق الدستور، وأعلن العسكريون تسمية رئيس-دمية، فيما تجمعت الحشود في ميدان التحرير وأفرطت في الابتهاج. وأبرقت المملكة العربية السعودية، التي كانت بالغة التوتر قبل عامين، لتهنئ الجنرالات. ومما يسعد الأوتوقراطيين في كل مكان، يبدو أن تجربة مصر الموجزة مع الديمقراطية قد انتهت إلى فشل محرج.
في الوضع الطبيعي، سوف يصطف القادة الغربيون لإدانة انقلاب، لكنه بدا حتى وزير الخارجية ويليام هيغ وأنه تعوزه الكلمات. وقال إن بريطانيا تفضل الحكم المدني كقاعدة عامة، لكنه امتنع عن إدانة انقلاب القاهرة عندما طلب منه ذلك. وفي الأثناء، تحولت حسابات شبكة التواصل الاجتماعي "تويتر" في العالم العربي، والتي كانت ذات مرة تعج بالتفاؤل الثوري، إلى مستودع لليأس. وكتب أحمد الحسيني، الواعظ السني من البحرين قائلاً:"لقد علمتنا مصر أن الديمقراطية كذبة، وأن فكرة الرئيس المنتخب هي خرافة". وأضاف: "لا برلمان ولا انتخابات ولا صناديق اقتراع. كله كذب".
وفي الحقيقة، لديه نقطة. فقد تبين أن الانتخابات في مصر هي مثل الاستفتاء حول الاتحاد الأوروبي في إيرلندا: فالمقترعون يستطيعون إعطاء أي جواب يحبونه طالما أنه يكون هو الجواب الصحيح. لكن الجيش لم يحب مسار الأمور، فطلب من المقترعين الاختيار مرة أخرى. وبينما كان الغرب يحتفي بانضمام مصر إلى مجموعة الدول الديمقراطية، كان المصريون أنفسهم ينزلقون في أتون فوضى اقتصادية مع حالات نقص مرعبة في الوقود والغذاء والأمن. كما أقحم العنف الطائفي في المشهد، حيث تم قتل مسيحيين أقباط، وتبع ذلك نزاع سني شيعي، وتضاعف معدل القتل ثلاثة أضعاف. وكانت الأمور تفلت من عقالها، وهو ما يفسر الترحيب بعودة الجنرالات. لكن الربيع العربي كان مطلباً للحرية، وليس للديمقراطية بالضرورة - والفارق بين الأمرين حاسم. ولنأخذ على سبيل المثال حالة محمد البوعزيزي الذي قدح فتيل هذه السلسلة من التطورات بحرقه نفسه حياً في شارع تونسي قبل عامين. وكما تشهد عائلته، فإنه لم يكن مهتماً بالسياسة. وكانت الحرية التي أراد هي الحق في أن يبيع ويشتري وفي ترويج عمله دون أن يضطر لدفع رشى للشرطة، أو الخشية من مصادرة بضاعته جزافاً. وإذا كان البوعزيزي شهيداً لشيء، فقد كان شهيداً للرأسمالية.
كل هذا كان قد أسسه هيرناندو دي سوتو، الاقتصادي البيروفي الذي سافر إلى مصر لتقصي أسباب الربيع العربي. وقد وجد فريقه من الباحثين أن البوعزيزي كان قد ألهم 60 حالة مشابهة من حرق الذات، بما فيها خمس حالات من مصر، والتي تجاهلها الإعلام كلها تقريباً. وبدت الرواية حول الثورة على غرار ثورة العام 1989 بأمل تغيير النظام، كانت قاهرة بالنسبة للأجانب لدرجة عدم وجود الكثير من الشهية لمزيد من التفسير. لكن دو سوتو قام بتعقب الذين نجوا من محاولات الانتحار، وكذلك العائلات الثكلى للضحايا. ومرة بعد الأخرى وجد نفس القصة: كان ذلك احتجاجاً أساسياً من أجل الحرية الأساسية في تملك وحيازة رأس المال.
لقد قتل البوعزيزي نفسه بعد أن صادرت الشرطة كل فاكهته، وزوجاً من الموازين الإلكترونية المستعملة. وكان هذا كل ما يملكه. وكان تاجراً موهوباً: فأمل أن يوفر نقوداً كافية تمكنه من شراء سيارة وتنمية تجارته. وعلى السطح، يبدو فقدان بعض الخضراوات وميزانين سبباً غرائبياً للإقدام على الانتحار. لكن البوعزيزي، ولأنه كان قد طور عداوات مع الشرطة، أدرك أنه لن يسمح له بالاتجار ثانية. وتقول عائلته إنه أحس بأن حياته قد انتهت، وأنه إذا كان عليه أن يموت من أجل قضية، فيجب أن تكون قضية قدرة الفقراء على البيع والشراء.
بالنسبة لمعظم العالم النامي، لا يوجد مثل هذا الحق. وعلى المستوى النظري، فإن القانون يحمي الجميع. أما على المستوى العملي، فإن عملية حيازة ترخيص قانوني تظل مثقلة بشوائب تتعلق بالرشى والبيروقراطية، الأمر الذي لا تقدر عليه سوى أقلية صغيرة. وبالنسب لدي سوتو، فإن هذا يفسر الكثير من الفقر العالمي. اخرج من بوابة فندق النيل هيلتون، كما يقول، وستجد أنك لم تترك خلفك عالم الانترنت وماكينات الثلج والمضادات الحيوية. إن لدى الفقراء وصولاً إلى كل هذه الأشياء إذا كانوا يريدونها فعلاً. لكن ما تتركه خلفك هو عالم من معاملات حقوق الملكية القابلة للتنفيذ بموجب القانون. إن هؤلاء التجار لا يكسرون القانون –إنه القانون هو الذي يكسرهم.
فلنأخذ فدوى العروي، الأم المغربية التي تم تصوير انتحارها بالفيديو، حيث شرحت أسباب إقدامها على الانتحار قبل أن تضرم النار في نفسها. وقالت: "سوف أقوم بإحراق نفسي. وأنا أفعل ذلك احتجاجاً على الازدراء والاستثناء الاقتصادي". واستخدمت كلمة تعني الازدرهاء الموجه لصغار التجار، وهو نوع الازدراء الذي كان البوعزيزي قد خبره على يد الشرطة. وروى الناجون من محاولات الانتحار وأقارب المتوفين قصة مشابهة. وكما قال شقيق البوعزيزي لدو سوتو:"الناس من أمثال محمد مهتمون بالأعمال التجارية. إنهم لا يفهمون أي شيء عن السياسة".
من الناحية التقنية، يغطي القانون الجميع. لكنه في ظل حكم حسني مبارك، مثلاً، كان فتح مخبزٍ صغير في القاهرة يتطلب أكثر من 500 يوم من البيروقراطية. ولفتح عمل ما في مصر، فأنت تحتاج للتعامل مع 29 وكالة حكومية. وتنطبق نفس القصة على كل المنطقة: فالعربي العادي يحتاج لإبراز أربع دزينات من الوثائق، وتحمل عامين من مراجعة الدوائر الحكومية ليصبح المالك القانوني لأرض أو مصلحة ما. وإذا لم يكن لديك الوقت أو المال لذلك، فسيكون قدرك أن تظل طوال عمرك في السوق السوداء: بغض النظر عن مدى براعتك، فإنك لن تستطيع الخروج من ربقة الفقر. ويشعر العرب بالغضب الشديد من هذا، وهو السبب في أنهم يحرقون أنفسهم أحياء.
قال وليام هيغ بداية الأسبوع إن المصريين يريدون الحرية للتعبير عن آرائهم ولاختيار حكوماتهم. وأضاف أن الاستقرار "يتأتى من خلال المؤسسات الديمقراطية". لكنه ما يزال هناك القليل من الدليل على وجود هذا الاستقرار في مصر الديمقراطية -كما يشير السعوديون بابتهاج. ويشكل هذا الوضع مثالاً رهيباً للديمقراطيات المتبرعمة الأخرى، مؤداه أنه إذا أصبحت الأمور صعبة، فإن الجيش يستطيع خلع الحكومة والبدء مرة أخرى. وسيعرف من يتعقب تجربة مرسي كرئيس، فإنه سيعرف أنه كان يعمل، من الناحية الفعلية، بطريقة تسعد الجيش.
قبل أسابيع قليلة، قال دو سوتو للكونغرس الأميركي إن الغرب قد أساء قراءة الربيع العربي من ناحية أساسية، وأنه يفوت راهناً فرصة كبيرة. فقد تحدث البوعزيزي والمصريون الخمسة الذين أحرقوا أنفسهم نيابة عن 380 مليون عربي ممن يفتقرون إلى حقوق الملكية أو أي حماية قانونية. ويسري على بريطانيا: فإذا أردنا أن نصبح أبطالاً بالنسبة لهذه الشعوب، ونطالب بتوسيع حقوق الملكية في مقابل مساعداتنا الخارجية، فإن ذلك يمكن أن يكون أفضل استراتيجية يمكن تصميمها لمكافحة الفقر على الإطلاق. وقد تجلب لنا الملايين من الأصدقاء الجدد في العالم العربي.
وليست هذه فكرة حديثة، وإنما هي إعادة انبعاث لفكرة قديمة. وكما قالت مارغريت تاتشر ذات مرة "إن كون الأمة ديمقراطية لا يكفي –لا تستطيع الأغلبية تحويل ما هو خاطئ إلى شيء صائب".  وأضافت أن الحرية تعتمد على قوة المؤسسات: القانون والنظام والصحافة الحرة والشرطة والجيش الذي يخدم الحكومة بدلاً من الإشراف عليها. ويثبت التاريخ أنها كانت على حق -في روسيا وأفغانستان والعراق وراهناً في مصر. إن واجهة الديمقراطية يمكن أن تكون خادعة بشكل رهيب؛ إنها قوة المؤسسات هي التي تقرر ما إذا كانت الأمم تنهض أم تهوي.
* محرر "ذا سبكتيتر".
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
It is capitalism, not democracy, that the Arab world needs most

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق