خيارات أوباما في سورية.. بين الرهيب والمقلق

تم نشره في الخميس 4 تموز / يوليو 2013. 03:00 صباحاً
  • المئذنة المنهارة للمسجد الأموي في حلب، بريشة رسام "نيويوركر" - (أرشيفية)

ستيف كول — (ذا نيويوركر) 1/7/2013

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في شهر نيسان (أبريل) الماضي، انهارت المئذنة المنحوتة فوق المسجد الأموي في حلب، الذي يعود للقرن الثاني. وكانت المدينة التي تضم أكبر عدد من السكان بين المدن السورية قد شهدت حكم كل من الحثيين (فاتحي آسيا الصغرى وسورية في الألف الثاني قبل الميلاد) والمكدونيين، والرومان والبيزنطيين والعثمانيين، ولم يكن الكثير منها ينطوي على خير. لكن القوات الموالية للرئيس بشار الأسد قدمت في هذا العام نوعاً حديثاً من الإرهاب، واحداً من النوع الذي سبقها إليه البريطانيون في العراق في عشرينيات القرن الماضي، والألمان في هجوم لندن الكاسح في الحرب العالمية الثانية: قصف المدنيين من أجل كسر إرادتهم.
كان توم مالينوفسكي، من منظمة "هيومان رايتس ووتش" قد زار المنطقة في الشتاء الماضي. وفي آذار (مارس)، وصف أمام لجنة فرعية منبثقة عن مجلس الشيوخ الأميركي طبيعة الحصار الذي فرضته قوات الأسد وهي تقاتل الثوار المعادين للحكومة في حلب:
"عندما تظهر طائرة في السماء، لا يكون هناك تحذير مسبق ولا مكان للاختباء فيه. كل يوم يستيقظ الناس وهم يأملون بقدوم طقس رديء... ويواجه كل مجلس محلي الكثير من المعضلات: هل يجب الإبقاء على المدارس مغلقة، وبالتالي حرمان التلاميذ من الدراسة؟ أم هل يجب فتحها مع احتمال التعرض لضربة جوية تفضي إلى مقتل عشرات الأطفال؟... هل يجب الطلب من الناس الخروج لإحضار خبزهم اليومي من المخابز كما درجوا على ذلك تقليدياً، حتى بالرغم من أن قوات الحكومة كثيراً ما قصفت المخابز بينما كان المدنيون مصطفين في طوابير خارجها؟"
في الفترة الأخيرة، أعلنت إدارة أوباما عن نيتها شحن أسلحة صغيرة إلى مجموعات الثوار السوريين. وقال الرئيس في برنامج "تشارلي روز" أن ذلك يأتي على أمل ان يفضي خلق معارضة مسلحة بشكل أقوى إلى "موازنة" قوة الأسد "مع احتمال أن يفضي ذلك إلى عقد مفاوضات سياسية" لإنهاء الحرب.
وأوضح الرئيس أنه كان متردداً في إرسال حتى أسلحة خفيفة، كما حذر من "انزلاق جانبي" إلى " التزامات تزداد عمقاً" بمساعدة ثوار أو مدنيي سورية. لكن قراره يؤشر على تصعيد في الانخراط الأميركي، كما تسبب في ظهور عدم ارتياح من احتمال أن تتجه الولايات المتحدة نحو حرب شرق أوسطية مرعبة مرة أخرى. وقد أصبح الصراع السوري راهناً أكثر رعباً من الصراع في العراق في ذروته في العام 2006. وقتل حتى الآن في سورية أكثر من تسعين ألف شخص.
وقد أشرف الأسد على معظم عمليات القتل الموجه والواسع النطاق ضد المدنيين، الذي تنفذه قوات دولة منذ أقدمت ميليشيات الرئيس السوداني عمر البشير على استباحة دارفور قبل عقد. وعلى الجانب الآخر، ارتكب الثوار السوريون عمليات خطف وقتل، لكن انتهاكاتهم تبقى محدودة مقارنة بتلك التي اقترفتها القوات الحكومية. ووفق تقييمات أخيرة لوكالات الاستخبارات الأميركية، فقد استخدم القادة السوريون أسلحة كيميائية في العديد من الأحيان، ما أفضى إلى مقتل مئة شخص. وإذا ثبتت صحة ذلك، ستكون هذه أول ممارسة بربرية منذ أن أقدم الرئيس العراقي صدام حسين على استخدام الغاز ضد الأكراد والإيرانيين قبل عقدين.
يتمثل هدف الرئيس أوباما المعلن في تنازل الأسد عن السلطة، ومفاوضة السوريين من أجل التوصل إلى سلام بين الطائفة العلوية التي ينتمي لها الرئيس الأسد، وبين الأغلبية السنية التي يستمد الثوار منها قوتهم، وكذلك الأقليات المسيحية والكردية وغيرها. لكن خطة الإدارة لتحقيق ذلك الهدف ما تزال غامضة. وثمة العديد من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها. فإذا تم التوصل إلى تسوية ما، أي بلد هي التي سترسل القوات لتأمينها؟ وبما أن الدبلوماسية لم تفرز حتى الآن سوى النزر اليسير من التقدم، وفي حال استمر ذلك الفشل، فماذا بعده؟ وهل سيضع أوباما موعداً نهائياً قاسياً لمغادرة الأسد ويدعم قراره بالقوة؟
كان رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأميركية، الجنرال مارتن ديمبسي، قد قال للجنة القوات المسلحة الأميركية في مجلس الشيوخ الأميركي في شهر نيسان (أبريل) الماضي: "إنني أريد معرفة المحصلة التي نحاول تشجيعها"، وقد بدا بذلك أكثر ارتباكاً حيال سياسة الإدارة قياساً بما يجب أن يكون عليه كبير المستشارين العسكريين للرئيس. وأضاف: "وعندما أفهم المحصلة، سأستطيع أن آخذ صندوق الأدوات الذي أكون قد حصلت عليه، وربما أستطيع تقديم خيار أو اثنين أو ثلاثة".
ربما يستطيع أوباما استخدام أربعة أو خمسة أو ستة خيارات لحماية المدنيين السوريين من الهجمات الجماعية، وإنقاذهم عندما تفشل الحماية، ومنع الحرب الكيميائية ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب السورية. ولا تتطلب هذه الأولويات بالضرورة المزيد من التصعيد العسكري. كما أن حجم المساعدات الإنسانية لمناطق الثوار غير مناسب. وفي حين تنفق الولايات المتحدة أكثر من أي بلد آخر لمساعدة اللاجئين، تظل موازنات الأمم المتحدة لتقديم المعونات لما يقدر بمليون ونصف المليون سوري الذين هربوا إلى بلدان مجاورة، مفتقرة للتمويل.
ينطوي قرار الرئيس تزويد الثوار السوريين بأسلحة على مخاطر جديدة. فالمعارضة السورية المسلحة منقسمة وتصبح أكثر طائفية بازدياد، وتضم مجموعات مصطفة مع القاعدة. وعادة ما يكون تداول الأسلحة في تجارة أيام الحرب بمثل سهولة بيع الحرير في السوق، كما ينبغي افتراض أن تكون أي أسلحة تعطى لثوار موافق عليهم ربما تجد طريقها بعد ذلك إلى جهات أقل موثوقية. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية كانت قد قدمت صواريخ فعالة مضادة للطائرات للمقاتلين المسلمين خلال الحرب الأفغانية في الثمانينيات، وما يزال ضباطها يتعقبون الصواريخ المفقودة منذ سنوات خشية أن يستخدمها إرهابيون ضد طائرات الركاب المدنية. وعلى أي حال، يبقى من غير المرجح أن يفضي تقديم صناديق من البنادق لثوار منتقين إلى تأمين سلامة المدنيين، أو إلى إخافة دكتاتوري يظل يتمتع باحتكار القوة الجوية، ويرغب في استخدام الغاز ضد المواطنين، وفي قصف طوابير الخبز أمام الأفران.
سوف يكمن الخيار الأكثر شجاعة في تأمين ممر إنساني في شمال سورية، بما في ذلك حلب، حيث يستطيع المدنيون الاحتماء. وتستطيع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا، وربما بلدان أخرى، إرسال طائرات حربية لوقف مدفعية الأسد وقصفه الجوي في منطقة محددة من خلال فرض منطقة حظر طيران، ومن خلال مساعدة الثوار في الدفاع عن محيط المنطقة -من دون نشر قوات أجنبية على الأرض. وكانت الولايات المتحدة قد انخرطت بنجاح في شيء مشابه ما بين العامين 1991 و2003 في المناطق الكردية في شمالي العراق، وإنما بكلفة مالية عالية.
لكن الرئيس أوباما حاجج ضد هذا الخيار في لقائه مع "تشارلي روز"، وأشار إلى إن
10 % فقط من وفيات المدنيين في سورية نجمت عن الضربات الجوية. وقال إن تخصيص منطقة إنسانية قد يتطلب قصف دمشق، ما يفضي إلى إيقاع المزيد من القتلى. ومن الواضح أن أوباما يشعر بالألم من قائمته التي تحتوي على خيارات تتراوح بين الرهيبة والمزعجة. وفي وقت سابق من هذا العام، وخلال مقابلة مع صحيفة  "ذا نيوريبابليك" تساءل الرئيس: "كيف لي أن اوازن بين عشرات الالاف الذين يقتلون في سورية، في مقابل عشرات الآلاف الذين يجري قتلهم راهناً في الكونغو؟".
لعل ذلك سؤال في محله، بالرغم من عدم دقة المقارنة. ويجب على الولايات المتحدة العمل من أجل تخفيف كل الأزمات الإنسانية الرئيسية، لكن سورية تشكل أزمة وأكثر، في حين أن ميليشيات جمهورية الكونغو الديمقراطية هي من ترسبات الدولة الفاشلة منذ أمد بعيد. وينتمي الأسد إلى دكتاتورية ما تزال تتمتع بالتماسك ومتحالفة مع
حزب الله وإيران، في حين تشغل الكونغو منطقة مترامية الأطراف وغير مأهولة من جنوبي إفريقيا. وسورية تحد إسرائيل وتركيا والاردن ولبنان والعراق —وكلها دول حليفة للولايات المتحدة، والتي تتهدد مصالحها بأي تفجر في الداخل السوري.
قبل عامين، شرح أوباما قراره بدعم نشر طائرات الناتو المقاتلة لحماية المدنيين في ليبيا الأقل تعقيدا. وقال حينذاك: "عندما تقول المجموعة الدولية كلها وبالإجماع تقريبا إن ثمة أزمة إنسانية على وشك الوقوع، فإننا لا نستطيع الوقوف متفرجين وإطلاق عبارات جوفاء ببساطة... علينا أن نتخذ إجراء ما". وسوف يكون على الرئيس في الشهور المقبلة أن ينهض بالعبء للوفاء بذلك التعهد في خضم تعنت الأسد والعنف المتصاعد في سورية. ومهما كان الخيار الذي يختاره، فإنه يعرف أن وقت احتمال "الكارثة" الممكنة في حلب، كما في بلدات وقرى سورية الأخرى الأقل شهرة في التاريخ، قد مضى منذ أمد بعيد.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Obama Options on Syria

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق