الصحراء الليبية المتوحشة

تم نشره في الاثنين 24 حزيران / يونيو 2013. 02:00 صباحاً

هآرتس

تسفي بارئيل
23/6/2013
كل سبت يبث فيلم في النادي الثقافي "أريتي" في طرابلس العاصمة الليبية. قبل اسبوعين كان هذا دور "كيرمر ضد كيرمر"، وفي الاسبوع الماضي تعرف بضع عشرات من مواطني طرابلس على الممثلين الاسرائيليين صالح بكري ومنشه نوي في فيلم "الزمن المتبقي" الذي أخرجه الياهو سليمان. لا توجد دور سينما في ليبيا، فقد أغلقت قبل عشرات السنين بأمر من القذافي، ونادي "أريتي" الذي فتح أبوابه في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، هو شرارة اولى في الحياة الثقافية الحديثة، زاوية من سواء العقل، في دولة من الصعب ان نعرف فيها اذا كانت العيارات النارية تصدر عن الشاشة ام عن الشارع المجاور. وحتى عندما يتبين أن الرصاص هو رصاص حي حقيقي، من الصعب معرفة من ضغط على الزناد – الجيش، الشرطة ام المقاتلون الذين ينتمون الى نحو 300 ميليشيا مسلحة تعمل في الدولة.
ليست دور السينما وحدها تنقص في ليبيا. فالجهاز القضائي المرتب وذو الصلاحيات هو الاخر لا يؤدي دوره، ولا أيضا الحكومة، الجيش والمؤسسات المالية. بعد سنتين من اسقاط وقتل القذافي، في تشرين الاول (اكتوبر) 2011، لا توجد لليبيا بعد صيغة دستور ولا توجد ايضا لجنة متفق عليها لصياغته. وحتى القانون الذي يفترض أن يرتب انتخاب مثل هذه اللجنة لم يقر في البرلمان بعد.
رغم التعقيد السياسي الذي نشأ في مصر بعد الثورة، فإن ليبيا، التي كانت قوات الناتو جزءا فاعلا في ثورتها، يمكنها أن تحسد جارتها من الشرق: فالمؤسسات المصرية تعمل على الأقل، الجيش منظم وفي شوارع القاهرة لا تتجول ميليشيا مسلحة. وكانت ليبيا مستعدة حتى لأن تكون في وضع تونس، التي نجح الحكم فيها، مع كل انشقاقاته في فرض النظام.
حتى عندما يكون هناك توافق على تشريع مبدئي في ليبيا، يتبين أنه قد يضر الدولة أكثر مما ينفعها. هكذا مثلا قانون منع تشغيل المسؤولين الكبار في نظام القذافي. هذا قانون جاء ظاهرا لتصفية الحسابات من الماضي دون سفك دماء. ولكن عندما لا يميز المشرع بين من عمل بتصميم على اسقاط القذافي وبين من خدمه بولاء، قد تخسر ليبيا كفاءات ادارية وسياسية كثيرة تحتاجها جدا. وهكذا اضطر رئيس البرلمان الجديد، يوسف المكريف، ان يستقيل من منصبه لانه تولى في السبعينيات منصبا كسفير ليبيا في الهند. وحقيقة أنه منذ 1980 كان عضوا كبيرا في ميليشيا عملت على إسقاط القذافي وحاولت اغتياله وحقيقة أنه نفي على مدى ثلاثين سنة الى الولايات المتحدة – لم تجديه نفعا. فجأة، القانون هو قانون.
نحو 6.5 مليون مواطن في ليبيا ينتظرون ان يحصل شيء ما فيتمكنون على الاقل من التجول في الشوارع دون خوف من رصاصة طائشة أو مقصودة. في الاسبوع الماضي قرر سكان في بنغازي ملوا نشاط احدى الميليشيات المسلحة وتدعى "درع ليبيا" فهاجموا قاعدتها في المدينة. 31 شخصا قتلوا في هذا الاشتباه العنيف، الذي اصيب فيه المواطنون ضمن امور اخرى بعيارات مضادة للطائرات، قبل ان يأتي الجيش ويفرض النظام. وفي الشهر الماضي حاول الجيش اغلاق قاعدة ميليشيا، تتبع بالمناسبة رئيس الاركان نفسه، دون نجاح.
تعمل بعض من هذه الميليشيات في المناطق النائية، واخرى تعمل في المدن الكبرى. بعضها يتشكل من مجرمين ليس الا، واخرى تنتمي الى وزارة الداخلية، وزارات حكومية اخرى، حركات اسلامية او لرئيس الاركان وتعمل كقوة ردع ذات صلاحيات واسعة يحدد قادتها حجمها. والموضة الجديدة هي اختطاف صحفيين ينتقدون نشاط الميليشيات، ارسال كتب تهديد او المس بهم مسا مباشرا. كما أن مواطنين عاديين يجدون أنفسهم ملقى بهم على مدى أيام في غرف اعتقال اعدت على عجل. فلا يعرف أهاليهم أين هم، أما عن التمثيل القانوني فلا يمكن الحديث.
هذا الاسبوع قرر رئيس الوزراء، علي زيدان اصدار مرسوم يأمر بحل كل الميليشيات في الدولة، حتى نهاية السنة. وقد اقال رئيس الاركان يوسف منروش، كي يهدىء غضب المواطنين، ولكن احدا لا يتعاطى بجدية كبيرة مع هذا المرسوم. وحتى قادة الـ 12 ميليشيا "المقرة" (من قبل السلطات) لم يتوصلوا هذا الاسبوع الى اتفاق على ذلك وتوجد مئات اخرى من العصابات والميليشيات التي تحتفل في الدولة. وبدون حل الميليشيات وفرض مرجعية الدولة في كل ليبيا، فحتى انفاذ القانون يعد مهزلة. بضع محافظات أعلنت منذ الآن عن "استقلالها" وهي تدير شؤونها بمؤسسات محلية لا تخضع للحكومة.
يؤثر انعدام الأمان الشخصي بشكل دراماتيكي ايضا على قدرة اعادة البناء الاقتصادي للدولة. صحيح أن ليبيا تتمتع بدخل من تصدير النفط، ولكن التقدير هو أن مصادر النفط ستنفد بعد 77 سنة، واقتصاديون ليبيون يحاولون العثور على السبل لتنويع مصادر الدخل واجتذاب مستثمرين يطورون فروع الصناعة أيضا، بما فيها السياحة. ولكن السياح لا يأتون الى ليبيا، والمستثمرون الاجانب او المحليون لا يسارعون الى استثمار أموال في دولة مستقبلها السياسي والامني محوط بالغموض.
المال لا ينقص في ليبيا. حسب تقارير مؤسسات تمويلية في الغرق، البنوك الليبية، وبعضها بملكية حكومية، تحوز على أكثر من 54 مليار دولار، ولكن هذا مال لا يعمل من اجل الجمهور. فالبنوك لا تسارع الى إقراض المال للمواطنين او للمستحدثين الخاصين الصغار، إذ ليس لديها ضمانات لتسديد القروض. وعندما لا يكون جهاز انفاذ القانون والقضاء لا يعمل، فلن يكون هناك من يحرص على فرض العقود التي توقعها هذه البنوك مع زبائنها.
مشكلة اخرى هي انه ليس في ليبيا جهاز لجمع المعلومات عن الزبائن، كما هو في الغرب يمكنه ان يوفر للبنوك الادوات لاستيضاح اذا كان هذا مقترضا طيبا أم خطيرا. ولكن الأسوأ من ذلك هو أن الزبائن الخاصين يجدون صعوبة في تقديم ضمانات حقيقية للقروض – شققهم مثلا - لان تسجيل الملكية على الشقق مشكوك فيه بسبب الطريقة التي انتهجها القذافي. فالأخ - القائد - المفكر القذافي قرر في حينه أن تأجير شقة هو "برجوازية ظالمة" وفرض الحظر عليه. وكانت النتيجة هي أنه في أربعين سنة من حكمه سيطر عشرات الآلاف وربما مئات آلاف الغزاة على شقق فارغة، باعوها واشتروها دون وثائق وتسجيل. أما الآن فليست لديهم الوثائق التي تشهد على ملكيتهم. وفي ظل عدم وجود الوثائق، لا توجد قروض يمكنها أن تطور طبقة وسطى تجارية فاعلة. وعليه، تواصل الحكومة كونها رب العمل الأكبر في الدولة، ولكن البطالة الرسمية تقدر بـ 15.5 %.
ومع ذلك، توجد في ليبيا أعمال اخرى مدرة للدخل – التجارة بالسلاح مثلا. بعد الثورة، اصبحت ليبيا مركزا لنشر السلاح من كل نوع ولكل غرض. مئات آلاف قطع السلاح الليبية تصل الى مصر وسيناء، الى دول في افريقيا، وفي السنة الاخيرة أيضا الى الثوار في سورية. جمع السلاح هو مهمة سلة بالنسبة للثوار، وعلى حد قول أحد تجار السلاح الكبار، عبدالباسط هارون، في مقابلة مع "رويترز" فإنه هو نفسه بعث بإرساليات سلاح عديدة الى سورية. وهذا الشهر يعتزم إطلاق إرسالية كبيرة أخرى. ويروي هارون أنه يتلقى تخفيضات كبيرة لأن المساعدة للثوار في سورية تنال العطف حتى في أوساط أصحاب السلاح غير القانوني.
ليبيا اليوم هي دولة عالقة، بخطر التحطم، بعيدة جدا عن تحقيق تطلع الثوار الذين أسقطوا القذافي. ولكن يمكن للمرء أن يشاهد فيها فيلما يوم السبت.

التعليق