"الشعب المنسيّ": مِحنة اللاجئين الفلسطينيين من سورية

تم نشره في الأربعاء 12 حزيران / يونيو 2013. 03:00 صباحاً
  • طفلة فلسطينية لاجئة من سورية في مخيم "سايبر ستي" للاجئين الفلسطينيين في الرمثا - (تصوير: محمد أبو غوش)

جميس زغبي - (واشنطن ووتش)
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
قبل أن تنفجر سورية وتسقط في لهيب الحرب الأهلية، عاش النصف مليون فلسطيني اللاجئون في سورية في ظروف جيدة نسبياً. ومع أنهم لم يكونوا مؤهلين للمواطنية، فقد سُمح لهم بالعمل وتشغيل مشاريعهم الخاصة، ومُنحت لهم نفس فرص الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية مثلهم مثل السوريين. وحقق العديدون منهم بعض النجاحات، وتمكنوا من الانتقال إلى خارج مخيماتهم، وبناء البيوت، والتخطيط لمستقبل عائلاتهم.
لكن كل ذلك تغير اليوم. فبعد أن فقد الكثير من الفلسطينيين وظائفهم ومنازلهم في سورية، وجدوا أنفسهم مجبرين على الهرب من القتال الذي يجتاح البلد. وعلى سبيل المثال، وفقاً لتقرير أصدرته المؤسسة الأميركية لإغاثة اللاجئين في الشرق الأدنى (أنيرا)، فقد أجبر 85 % من الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في مخيم اليرموك على الخروج إلى المنفى -ليصبحوا لاجئين للمرة الثانية. وأفاد أكثر من نصفهم أن منازلهم قد دمرت، مع حين أفاد واحد من كل خمسة أن أحد أفراد أسرته قد لقي حتفه في القتال.
بسبب وضعهم الخاص بصفتهم "غير مواطنين"، واجه هؤلاء الفلسطينيون صعوبات في دخول تركيا والأردن. ونتيجة لذلك، انتهى المطاف بالكثيرين منهم إلى الاحتشاد في لبنان. ومرة أخرى، ولأنهم فلسطينيون، فقد أُجبروا على البحث عن ملجأ في مخيمات لبنان المزدحمة سلفاً والفقيرة بشكل بائس. وعندما تحدثت في الأسبوع الماضي إلى رئيس المؤسسة الأميركية لإغاثة اللاجئين، بيل كوركوران، في الأسبوع الماضي، وصف لي ظروف العيش الرهيبة التي يواجهها هؤلاء الفلسطينيون الآن، الذين يتكومون في أماكن عيش متهالكة وغير صحية، حيث تعيش 60 % من الأسر في مكان واحد، أحياناً في مرآب للسيارات بلا نوافذ ولا أبواب. وفي بعض الحالات، يتكدس ما يصل إلى 20 فرداً من عائلة كبيرة في غرفة واحدة. ولأنه ليس لهؤلاء الفلسطينيين القادمين من سورية الحق في العمل في لبنان. فإن 90 % منهم عاطلون بلا العمل.
تتحمل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (UNRWA) المسؤولية عن تقديم الرعاية والدعم للمجتمع الفلسطيني في لبنان. لكن موارد الوكالة التي تعاني أصلاً من قلة التمويل لا تني تتقلص باطراد. ونتيجة لذلك، فإن ثلاثة أرباع الأطفال الفلسطينيين الذين يأتون من سورية ليسوا مسجلين في المدارس، فيما يتزايد انتشار الأمراض فيما بينهم. والآن، يعاني 40 % منهم من الانفلونزا، فيما يعاني حوالي 20 % آخرين من الإسهال. وثمة مشكلة إضافية: مثل حالة كل اللاجئين الفارين من الصراعات المروعة، فإن هناك حاجات للصحة العقلية –التعامل مع الخسارة، الصدمة، والرعب- والتي لا يتم الوفاء بها.
لا شك في أن المؤسسة الأميركية لإغاثة اللاجئين في الشرق الأدنى على حق حين تشير إلى أن هناك عدة أسباب تحتم على المجتمع الدولي الانتباه إلى الوضع الخاص لهذه الفئة من اللاجئين، والتي سوف يعني تجاهلها فقط أن تتفاقم وتتعمق الظروف الكارثية التي يواجهها هؤلاء الفلسطينيون -بالنسبة لهم وبالنسبة لأولئك الذين سينضمون إليهم أيضاً، في وقت لا تُظهر فيه الحرب الجارية في سورية أي علامة على التراجع. إن هؤلاء الفلسطينيين هم، بعد كل شيء، بشر ضعفاء، ولديهم احتياجات تستصرخ اهتمامنا. وبالإضافة إلى ذلك، وفي حال استمرت الأمراض التي أصابتهم بالتفاقم من دون علاج، فإنها سوف تنتشر. والمرض لا يحترم الحدود. وسوف تنتشر الأوبئة التي نشأت في المخيمات إلى خارج المخيمات، مع احتمال حدوث عواقب وخيمة على المنطقة بأسرها. وعلى نفس القدر من الأهمية، يجب التفكير بأن الإجهاد الذي يصنعه هذا التدفق من اللاجئين، إنما يضيف مزيداً من العبء إلى البيئة غير المستقرة أصلاً، والأوضاع التي لا تطاق في المخيمات الفلسطينية في لبنان. وسوف يؤدي استمرار إفقار هذا المجتمع إلى تصاعد مشاعر اليأس والغضب التي يمكن أن تغذي التطرف والتيارات العنيفة المحتملة، والتي سوف يكون من الصعب احتواؤها.
لقد زودنا تقرير المؤسسة الأميركية لإغاثة اللاجئين في الشرق الأدنى بتذكرة مهمة بهذا الناتج المهمل منذ وقت طويل للحرب الأهلية السورية. وسوف يكون من الصائب أن يعالج المجتمع الدولي حاجات سكان سورية النازحين واللاجئين، لأن ما يحصل لهم هو كارثة إنسانية حقيقية. كما أن المجتمع الدولي محق في بحثه عن وسيلة للتقدم أماماً باتجاه المساعدة في إنهاء الصراع، ووضع سورية على طريق التحول إلى مستقبل سلمي وديمقراطي. لكنه يجب على المجتمع الدولي أن يعترف أيضاً بمحنة "الشعب المنسي" -اللاجئين الفلسطينيين من سورية الذين يعيشون في لبنان. ويجب أن تشمل الجهود السياسية الرامية إلى حل مشكلة الحرب السورية والصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني حلاً سياسياً لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين الممتدة منذ ستة عقود ونصف العقد أيضاً. ويجب النظر دائماً إلى احتياجاتهم وحقوقهم في الأمام وفي الوسط من حساباتنا كافة.
لا شك أن لدى وزير الخارجية الأميركية جون كيري طبقا ممتلئا سلفاً فيما يتعلق بالشرق الأوسط. وأنا لا أريد المراكمة عليه أكثر من ذلك، لكن هناك مسألة متصلة بانتشار الحرب الأهلية السورية والصراع الإسرائيلي/الفلسطيني، والتي لا ينبغي تجاهلها.
في حين انصب اهتمام سياسي وإعلامي كبير على الأزمة الإنسانية المتفاقمة التي تواجه أكثر من مليون نسمة من الذين أجبروا على الفرار من سورية، فقد تجاهل هذا الاهتمام أحد الفروع المهمة في مجموعة اللاجئين إلى حد كبير. وقد أصدرت المؤسسة الأميركية لمساعدة اللاجئين في الشرق الأدنى (أنيرا) للتو تقريرها الأكثر من قيّم، والذي يسلط الضوء على المحنة المشتركة التي تتجمع حديثاً في مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين في سورية ولبنان –والذين تشير إليهم (أنيرا) محقة على أنهم "الشعب المنسي".

*واشنطن ووتش، هو عمود أسبوعي يكتبه رئيس المعهد العربي الأميركي جيمس زغبي، مؤلف كتاب "أصوات عربية: ماذا يقولون لنا، ولماذا هو مهم"، وهو الكتاب الذي يجمع الأساطير والافتراضات والتحيزات التي تعيق الغرب عن فهم شعوب العالم العربي.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
The ‘Forgotten People’: Palestinian Refugees From Syria

التعليق