الربيع اليمني.. ألغام الانتقام

تم نشره في السبت 1 حزيران / يونيو 2013. 03:00 صباحاً
  • قذائف وأسلحة وألغام معروضة في إحدى البلدات اليمنية -(أرشيفية)

جو شيفر – (فورين بوليسي) 24/5/21013
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
بني جرموز، اليمن - كل ما تبقى من الساق اليسرى للطفل اليمني فواز الحصن -9 أعوام- هو مجرد جذع مضمد بإحكام، ينتهي في مكان ما فوق ما كان ركبته ذات مرة. كما سحقت ساقه اليمنى أيضاً في الانفجار الذي وقع عندما داس الطفل على لغم أرضي مضاد للأفراد بالقرب من منزله في قرية بني خبشة، الواقعة على بعد أقل من 20 ميلاً إلى الشمال من العاصمة اليمنية، صنعاء.
وكان فواز يطارد إحدى أغنامه في الأراضي الزراعية التي تتاخم منشأة عسكرية للحكومة بالقرب من القرية، عندما ثار فيه اللغم يوم 12 نسيان (أبريل). ويقول عن ذلك: "كان الجنود يشاهدونني من أبراج القاعدة. لكنهم كانوا خائفين من القدوم للمساعدة".
لكن أحد جيران الصبي، محمد يحيى، استطاع أن يسحب فواز من الحقل. وقد سمع صوت التفجير وجاء عدواً إلى المكان. ثم تمكن عم فواز من تبطيء النزيف بواسطة ضمادة بينما يندفعون بالصغير إلى مستشفى صنعاء في الصندوق الخلفي لشاحنة صغيرة. وكان يفقد وعيه ويستعيده في نوبات.
فواز هو الأخير -والفرد الثالث من عائلته الكبيرة- الذي يسقط ضحية لانفجار لغم أرضي منذ العام 2011 في بني جرموز، المنطقة الواقعة إلى الشمال مباشرة من صنعاء. وفي خضم الانتفاضة الربيع العربي التي عصفت بالبلاد في العام 2011، كان أفراد الوحدتين 63 و81 من الحرس الجمهوري اليمني قد زرعوا ما يقرب من 8.000 لغم أرضي جديد في المنطقة، كما اعترف قادتهم المباشرون لاحقاً في جلسات الوساطة مع القرويين –في سلوك ينتهك بوضوح بنود المعاهدة الدولية لحظر الألغام المضادة للأفراد، والتي وقعت عليها اليمن. وفي ذلك الوقت، كان أحمد علي صالح، نجل رئيس البلاد الذي لم يكن قد خُلع بعد، رئيساً لكافة وحدات وألوية الحرس الجمهوري.
يقول سكان القرية إن الألغام كانت قد وضعت في 19 موقعاً منفصلاً ممتدة عبر مساحات من الأراضي الزراعية في الوديان والصحراء المحيطة بقاعدتين عسكريتين رئيستين في بني جرموز. كما يدّعون أيضاً بأن الألغام -التي زرع معظمها في مناطق ليست لها أهمية استراتيجية، مثل كروم العنب- كان يُقصد منها أن تكون شكلاً من أشكال العقاب الجماعي للسكان المحليين، بعد أن اجتاح رجال القبائل المحلية المسلحة القاعدة العسكرية المجاورة، وضايقوا الجنود الموالين للنظام، مما أسفر عن مقتل قائد اللواء 63 من الحرس الجمهوري، أحمد الكليبي.
وأكد متحدث باسم وزارة الداخلية اليمنية أن الحكومة تتفهم الادعاءات المقدمة ضد وحدات الحرس الجمهوري في بني جرموز، وأن هناك تحقيقاً يجري جنباً إلى جنب مع عملية الوساطة بين السكان المحليين والقادة العسكريين. وقد امتنع الحرس الجمهوري عن التعليق على هذه المزاعم لكاتب هذا المقال.
ثمة جدل حول أصل التوتر بين المجتمع في بني جرموز ووحدة الحرس الجمهوري المقيمة هناك، على الرغم من أن وجود اثنين من القواعد الكبيرة في المنطقة كان دائماً نقطة خلاف بالنسبة للمزارعين المحليين الذين يزعمون أن الجيش يحتل أرضهم. وفي ربيع العام 2011، تصاعد النزاع بعد منع السكان لواء المشاة اليمني الأول، بقيادة أحد أبناء الرئيس السابق، خالد علي عبد الله صالح، من استخدام الطريق الذي يمر عبر المنطقة لنقل الجنود من صنعاء بهدف قمع الثوار في شرقي البلاد.
ويدعي علي محسن خبشة، وهو سائق شاحنة من بني جرموز، أن رجال القبائل قدموا "وعداً بعدم السماح لأي قوات عسكرية بالتحرك عبر أراضينا، بعد أن شعروا بالغضب بعد مذبحة المتظاهرين يوم 18 آذار (مارس) في صنعاء، والتي استشهد فيها 45 من إخوتنا". وقال رجل آخر، هو فارس أحمد الدحرة الذي يقطن قريباً على مرمى حجر من القاعدة العسكرية، أنه بعد سدت الطريق، تم إطلاق النار مراراً وتكراراً على خزانات المياه في القرية وتفريغها بنيران الأسلحة الخفيفة، كعقاب للمجتمع المحلي على عصيانه.
وكانت سلسلة من الاشتباكات بين رجال القبائل المحليين -المسلحين بأسلحة صغيرة وقذائف صاروخية- والجيش قد تلت ذلك، لتتصاعد في نهاية المطاف إلى ما يشبه حرباً صغيرة النطاق. وفي الفترة ما بين شهري حزيران (يونيو) وأيلول (سبتمبر) 2011، قام الجيش بنشر الدبابات وصواريخ الكاتيوشا ضد القرويين المتمردين –وتمت زراعة حقول الألغام في تلك المرحلة بالذات.
تتمتع منطقة بني جرموز الجبلية بأهمية استراتيجية هائلة للحكومة، لأنها تسيطر على الفضاء الجوي اللازم لهبوط الطائرات في مطار العاصمة الوحيد. ومما يجعل الأمور أكثر سوءاً، هو أن المنطقة معروفة بقبائلها شديدة الاستقلال، وغياب القانون، وحوادث الاختطاف المتكررة فيها. وبغض النظر عن الظروف، يعني تصاعد الاتهامات باستخدام الألغام في العام 2011 أن الحكومة اليمنية يمكن أن تصبح موضع الشك باعتبار أنها أول دولة موقعة على معاهدة حظر الألغام، والتي يتم ضبطها وهي تزرع ألغام المضادة للأفراد.
ووفقاً لستيف غوس، مدير قسم الأسلحة في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، فإنه يمكن أن يكون لهذا الكشف "تأثير كبير على وضع المعاهدة نفسها"، التي طالما اعتبرت مثالا نادراً للمعاهدة الدولية المتماسكة التي يراعي أعضاؤها تطبيقها على نطاق واسع.
ويقول غوس: "إذا كان هذا صحيحاً، فإنه سيشكل أخطر انتهاك للمعاهدة على الإطلاق، وقد تم تأكيد الاستخدام للألغام من قبل دولة. وستكون الكيفية التي ترد بها الحكومة اليمنية وأطراف الدولة الأخرى على هذا الموضوع أمراً حاسماً لسلامة المعاهدة كلها على المدى الطويل". وتجيء الادعاءات ضد الحكومة اليمنية قبل أيام فقط من الوقت المقرر للقاء المندوبين من 161 دولة الموقعة على معاهدة حظر الألغام في جنيف لتقييم الالتزام بتطبيق هذه المعاهدة.
خلال زيارة إلى بني جرموز في نيسان (أبريل)، عرَض السكان أكياساً من الألغام التي تم اقتلاعها من الأرض باستخدام وسائل بدائية. وكانت من بينها أربعة أنواع مختلفة من الألغام المضادة للأفراد، بما في ذلك أعداد كبيرة من الألغام هنغارية الصنع من طراز GYATA-64، والمعروفة بأنها من بين أقوى أجهزة التفجير المضادة للأفراد التي تم تصنيعها على الإطلاق. كما عرض السكان المحليون أيضاً ألغاماً بلاستيكية من صناعة ألمانية شرقية من طراز PPM2، ونوعين من الألغام الأرضية السوفياتية الخشبية من نوع PMD-5 –والتي كانت تصنع جميعها قبل انتهاء الحرب الباردة.
وكانت اليمن قد زرعت الآلاف من الألغام المضادة للأفراد خلال الفترات المختلفة من الصراع الأهلي في النصف الثاني من القرن العشرين. لكن البلاد وقعت معاهدة حظر الألغام في العام 1997، متعهدة بالتخلي عن هذه الممارسة. وفي العام 2002 أعلنت أنها دمرت مخزوناتها من الألغام الأرضية -وهو ادعاء يرجح أن يتفكك الآن. وتحتفظ الدولة اليمنية بشكل قانوني بحوالي 3.760 لغماً لأغراض "التدريب" في إطار معاهدة حظر الألغام، إلا أن أياً من الألغام التي شوهدت في بني جرموز لا يندرج ضمن الأنواع المذكورة في قائمة الجرد المعلنة للبلاد.
بعد أكثر من عامين على بدء الانتفاضة التي أطاحت بحكومة صالح، يبدو أن بني جرموز ما تزال تدفع  ثمن عدم ولائها للنظام في العام 2011. وفي تموز (يوليو) 2012، قامت القوات المتمركزة في بني جرموز حرفياً بإرغام فريق حكومي لإزالة الألغام من صنعاء على أن يعود أدراجه ومنعته من تنفيذ مهمته. ووفقاً لشيخ قبيلة في المنطقة، يدعى نسيب الخبشة، فإنه "كان هناك اتفاق، هدنة، واعتراف من الحرس الجمهوري بأن الألغام قد وضعت وجرى تأكيد الأرقام التقريبية لها... لكنه عندما وصل فريق المسح، طُلب إليهم أن يعودوا أدراجهم تحت تهديد السلاح". وقد رفض قائد القاعدة، أحمد الجعكي، إزالة الألغام لأنه ادعى بأنها "ضرورية لحماية القاعدة"، وفقا للخبشة.
وحتى لو تم تحريك جنود الحرس الجمهوري لإزالة الألغام من الحقول، فإنه ليس واضحاً إذا كانوا سيعرفون من أين يبدأون. ويقول عادل أمير الحصن، مزارع العنب والقات السابق الذي شهد الانفجار الذي شوه الطفل فواز، إن الجيش زرع الألغام في أرضه من دون خطة واضحة. أما إذا كانوا سيستطيعون تحديد مواقع الألغام الآن، فهو أمر مشكوك فيه.
ويقول الحصن، الذي يزعم بأن ثلاثة أفراد من الحرس الجمهوري أصيبوا في انفجار لغم أرضي بشكل عرضي في العام الماضي: "كانت الألغام قد زُرعت على عجل في الرمال الناعمة في قيعان الأنهار الجافة والحقول المحروثة. وقد انتقلت الكثير منها من مواضعها بعد الأمطار، وأصبحت منتشرة الآن في جميع انحاء الأرض بعد الفيضان. إن الكثير منها لم تعد حيث وضعوها".
ومن جانبه، ينطوي الشيخ الخبشة على القليل من الإيمان بأنه سيتم جلب القادة المسؤولين عن زرع الألغام إلى العدالة. ويقول:"إننا نبحث فقط عن ثلاثة أشياء. تعويضات لضحايا الألغام، وإزالة حقول الألغام المتبقية، ونقل ما تبقى من مواقع الحرس الجمهوري من أرضنا".
ويضيف: "لقد ظل هذا الكابوس مستمراً طوال عامين كاملين تقريباً حتى الآن. المزارعون لا يستطيعون فلاحة أراضيهم، والناس لا يستطيعون زراعة قوتهم. هناك حكومة جديدة في صنعاء؛ ويجب أن يظهروا أن هذه بداية جديدة".


* صحفي مستقل ومصور فيديو عمل مع صحيفة الغارديان والعديد من المنافد الإعلامية الأخرى من صنعاء منذ ما يقرب 18 شهراً. وقد انتقل مؤخراً إلى كابول، أفغانستان.
*نشر هذا التقرير بعنوان:
Revenge Landmines of the Arab Spring

التعليق