بداية ممكنة لتطوير العلاقات الأميركية الصينية

تم نشره في الجمعة 31 أيار / مايو 2013. 03:00 صباحاً
  • وزير الخارجية الأميركية جون كيري يصافح الرئيس الصيني في بكين مؤخراً - (أرشيفية)

كريستوفر آر. هِل*
دنفر- ذات يوم، قال ألبرت آينشتاين: "إن الجنون نفسه هو أن تفعل نفس الشيء مراراً وتكراراً وتتوقع في كل مرة نتائج مختلفة". وبالنسبة لأولئك الذين سخروا لفترة طويلة من احتمال أن تكون الصين على استعداد للتعامل بشكل حاسم مع جارتها المؤذية كوريا الشمالية، فإن نتائج الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي جون كيري مؤخراً إلى بكين سوف تكون متوقعة تماما.
ولكن بالنسبة لأولئك الذين يراقبون المشهد السياسي الداخلي الدائم التغيير بدقة، فإن ما يجري الآن يبرر رحلة كيري بكل تأكيد. وإذا كانت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما قد تتعرض للانتقاد بسبب طريقة تعاملها مع أحدث "أزمة" تثيرها كوريا الشمالية، فإن المشكلة الرئيسية لن تكون الإفراط في الاعتماد على الصين، وإنما الإقلال من الاعتماد عليها.
عادة تبدأ النظريات حول موقف الصين تجاه كوريا الشمالية وتنتهي بوجهة نظر مفادها أن أكثر ما تخشاه الصين هو تدفق اللاجئين الكوريين الشماليين إلى أراضيها في حالة انهيار كوريا الشمالية -وهو ما سيكون من شأنه أن يمزق النسيج العرقي الدقيق في أقاليم شمال شرق الصين. والمشكلة هنا هي أنه في حين يتخوف بعض الصينيين حقاً من مسألة اللاجئين، فإنه لا يمكن النظر إلى "الصين" ككل باعتبارها كياناً جماعياً واحداً يتبنى وجهة نظر واحدة وحيدة بشأن أي شيء. فمثل أي دولة حديثة معقدة، تنطوي الصين على العديد من وجهات النظر المختلفة تجاه العديد من القضايا المختلفة.
بطبيعة الحال، هناك أولئك في بكين من الذين يساورهم القلق ليلاً ونهاراً من مسألة اللاجئين الكوريين الشماليين؛ لكن هناك أيضاً العديد في بكين وشنغهاي وأماكن أخرى ممن يشعرون بالقلق إزاء الأزمة المزمنة الناجمة عن المشاكل التي تفجرها كوريا الشمالية بشكل دوري في منطقة من العالم كانت لتصبح مستقرة لولا ذلك. وقد عبر الرئيس الصيني شي جين بينج عن الأمر ببلاغة في إطار ملتقى رجال الأعمال السنوي في بواو على جزيرة هاينان قبل فترة وجيزة، حين قال: "لا ينبغي لنا أبداً أن نسمح لأحد بإلقاء المنطقة، بل والعالم كله، إلى آتون الفوضى من أجل تحقيق مكاسب أنانية".
وليس الرئيس شي دكتاتوراً يستطيع فرض إرادته على الصين. والواقع أنه بالرغم من كل التوصيفات التي نستمع إليها من اليمين السياسي في الولايات المتحدة والتي تصور الصين على أنها دولة استبدادية مطلقة، فإن رئيسها يتمتع بسلطات وصلاحيات أقل من تلك التي يتمتع بها نظيره الأميركي. ويتطلب الحصول على الإجماع في الصين عملية مريرة قاسية، والتي من غير الممكن أن تتحقق من مجرد خطاب واحد.
إن من الواضح أن تعليقات شي تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد القلق بشأن اللاجئين. ذلك أن كوريا الشمالية تشكل -على نحو لا يخلو من الغرابة- قضية داخلية بالنسبة للصين. فهي بادئ ذي بدء حليفة تاريخية، والتي حارب العديد من الصينيين وماتوا من أجلها، والذين لا يقتصر الأمر على حفر ذكراهم في معالم كثيرة في مختلف أنحاء الصين وحسب (ولو بشكل أقل كثيراً في كوريا الشمالية)، بل إنها ذكرى محفوظة أيضاً في تاريخ الأسر والعائلات.
ثانياً، على الرغم من الافتقار المفترض إلى الإيديولوجية في الصين المعاصرة، فإن هناك في واقع الأمر مناقشة محتدمة تدور الآن -بعيداً عن الأضواء غالبا- حول مستقبل النظام السياسي في الصين وعلاقته بالاقتصاد. وعلى الرغم من أن النظام الشيوعي في كوريا الشمالية أصبح مختلفاً بشكل عميق عن النظام الشيوعي القائم في الصين، فإن بعض الصينيين يشعرون بالقلق من أن يؤدي انهيار النظام في كوريا الشمالية إلى تحويل خطوط المعركة في تلك المناقشة.
وأخيراً، هناك أولئك الذين يرون في انهيار كوريا الشمالية مكافأة للمصالح الأميركية الاستراتيجية، ونكسة للمصالح الصينية. ويبدو أن هذا الأسلوب المتشدد في التفكير، والذي يقود دوماً إلى نتيجة محصلتها صفر، ليس حكراً على مؤسسات الفكر والرأي الأميركية.
يتساءل بعض الصينيين عن الكيفية التي ربما تكون عليها قواعد اللعبة في حال إعادة توحيد شطري شبه الجزيرة الكورية تحت قيادة كوريا الجنوبية. هل يسعهم أن يتوقعوا رؤية قوات وقواعد أميركية على طول الحدود الصينية على نهر يالو، أو ربما سلسلة من مراكز التنصت لجمع المعلومات الاستخباراتية؟ رغم أن مثل هذا الانتشار للقوات الأميركية لا يمكن تصوره في أذهان أغلب الأميركيين المفكرين (الواقع أن المهمة الحقيقية سوف تتلخص في الحفاظ على دعم الميزانية في الكونغرس وهيئات أخرى لأي انتشار للقوات في كوريا الموحدة)، فإن خبراء الأمن الصينيين يشعرون بالقلق من تحقق هذا الاحتمال.
بالرغم من أن الولايات المتحدة والصين لا تفتقران إلى القضايا التي تستحق المناقشة، فإن الحوار الثنائي في المجال الأمني يظل مفتقراً إلى العمق والمتابعة. ولم يبد قادة الصين أي قدر من الحرص على الدخول في مناقشة مع نظرائهم في الولايات المتحدة حول ما يتعين عليهم أن يفعلوه في حال انهارت كوريا الشمالية. لكنه إذا تم عقد مثل هذه المحادثات بشكل أكثر تواترا، وإذا عوملت القضية بجدية (وبشكل مستمر)، فسيكون من الممكن بكل تأكيد إحراز تقدم كبير في التغلب على الشكوك المحيطة بهذه المسألة.
الواقع أن المهمة الرئيسية لجون كيري تتلخص في السعي إلى الحد من مقدار انعدام الثقة الاستراتيجية القائم بين البلدين، وهو ما يشكل عاملاً مهماً وراء إحجام الصين عن القيام بالمزيد الجهد بشأن مسألة كوريا الشمالية. وسوف يتطلب هذا أن يبادر كل من الطرفين إلى التركيز على القضية الراهنة –وهو ما يشكل تحدياً كبيراً، وخاصة بالنسبة للأميركيين، الذين تتحول مناقشاتهم الرسمية مع الصينيين حتماً إلى محاولة للخوض في قائمة من القضايا المطروحة غالباً من قِبَل مجموعات ذات قضية واحدة من أصحاب المصالح. وينبغي لتركيز وتحديد الأولويات أن يكون شعار الجانب الأميركي.
لا شك أن رحلة كيري الأولى إلى الصين كانت بمثابة البداية للسير في هذا الاتجاه، لكنه لا بد أن يعقب هذه الخطوة نمط منتظم من المحادثات الهاتفية والزيارات الإضافية، بهدف تخليص شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية. ولعل من عجيب المفارقات هنا أن رئيس كوريا الشمالية كيم جونج أون، الزعيم الذي يبدو غير متميز بأي إنجاز أو علامة من علامات الحكمة، قد يكون المحفز غير المتوقع لبداية جديدة في العلاقات الأميركية الصينية.


*مساعد وزير الخارجية لشؤون شرق آسيا سابقا، وعميد كلية كوربل للدراسات الدولية في جامعة دنفر حاليا.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكيت،" 2013.

التعليق