هل تتجه أميركا نحو سياسة احتواء إيران؟

تم نشره في الجمعة 31 أيار / مايو 2013. 03:00 صباحاً

INSS

أفرايم أسكولاي وإميلي لنداو
30/5/2013
في المؤتمر السنوي لإيباك في 2012، أكد الرئيس الأميركي باراك أوباما بشكل قاطع على أن سياسته بالنسبة للبرنامج النووي الإيراني هي سياسة منع (prevention) وليس سياسة احتواء (containment). ومنذئذ وهو يعود ويعلن في مناسبات مختلفة، آخرها أثناء زيارته الى اسرائيل في آذار (مارس) 2013 بأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بتطوير سلاح نووي. ومنذ تلك الزيارة، فشلت جولة أخرى من المباحثات بين دول مجلس الأمن الدائمة زائد المانيا وبين ايران، وفي التقرير الأخير الذي نشرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية في موضوع ايران في 22 أيار (مايو) 2013، مع أنه لا توجد مفاجآت كبيرة، إلا أن الصورة الناشئة هي أن برامج إيران لتخصيب اليورانيوم وإقامة قناة بلوتونيوم، تتقدم ببطء ولكن بثبات نحو وضع لن يكون ممكنا قريبا وقفها.
منذ أن تحول المنع الى السياسة الاميركية الرسمية، انطلقت اصوات سواء في اسرائيل أم خارجها، تعرب عن الشك بمدى المصداقية التي يمكن اعطاؤها للرئيس الاميركي في هذا الموضوع. وفي محاولة لمواجهة الشكوك في هذا السياق، انطلقت تصريحات متكررة من جانب اوباما نفسه، وكذا من جانب أشخاص آخرين في الإدارة بأن هذا ليس تضليلا، وانه بالفعل يقف خلف اقواله. ومن شبه المؤكد أن اوباما كرس وقتا في زيارته لاسرائيل في محاولة لنقل رسالة بهذه الروح الى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
اضافة الى ذلك، فإن التطورات الأخيرة على الأرض بالنسبة لسورية من شأنها أن تفسر كعدم جاهزية من جانب ادارة اوباما لاستخدام القوة العسكرية، حتى في ضوء الاستخدام العملي لأسلحة الدمار الشامل. لقد تراجع اوباما عن استخدام القوة العسكرية كرد على استخدام السلاح الكيميائي في سورية، رغم أنه في نهاية 2011 قرر صراحة بأن مثل هذا الاستخدام سيشكل اجتيازا لخط احمر واضاف رسالة مبطنة بأن خيار التدخل العسكري موضوع على الطاولة. ان عدم الرغبة في التدخل العسكري في سورية من شأنه أن يشير الى عدم رغبة مشابهة في الاستعداد لعمل ذلك في ايران.
ولكن يمكن تفسير الخطوات بشكل مختلف تماما. فليس مدحوضا الافتراض بأن اوباما يستوضح معركته التالية في الشرق الاوسط. واذا قبلنا الفرضية بأنه من غير المعقول ان تستخدم الادارة القوة العسكرية في أزمتين في الشرق الأوسط، فإن الامتناع عن التدخل العسكري في سورية يمكن أن يفسر بالذات كازدياد لاحتمال استخدام القوة حيال ايران. هذا التفسير البديل تعززه حقيقة أن المعارضة الاميركية للتدخل في سورية مصدرها ضمن امور اخرى انعدام اليقين حول الجواب على سؤال: كيف يمكن التدخل عسكريا في الدول بشكل ناجع: أي نوع من القوة تستخدم، وضد أي اهداف، وباسم أي عنصر في المعارضة؟ في حالة ايران، الخيارات العسكرية تحدد بسهولة أكبر ولاسيما اذا كان مخططا استخدام مركز للقوة ضد المنشآت النووية. أما التدخل في سورية، حتى وإن كان استخدام السلاح الكيميائي هو سببه، فمعناه التدخل في حرب أهلية معربدة، أي رهان غير بسيط. أما في ايران بالمقابل، فإن استخدام القوة العسكرية سيكون أكثر دقة وتركيزا بكثير.
غير أنه فضلا عن مسألة الثقة بنوايا اوباما، وفضلا عن تفسير التطورات في سورية، ما يزال يوجد تشوش بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة من المسألة الإيرانية، تتناول قدرة اوباما على تنفيذ سياسة المنع، حتى وان كان ملتزما بها بشدة. وفي محاولة لتثبيت التزامه بالتمسك بسياسة المنع ورفض سياسة الاحتواء، أعلن البيت الأبيض بين أجهزته الاستخبارية، بإسناد معلومات من مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ستوفر المعلومات في الوقت الدقيق والتي تسمح باتخاذ عمل ما أن تصل ايران الى اختراق وتتوجه الى تطوير سلاح نووي. ولكن تبرز عدة مسائل مقلقة بالنسبة لسياسة المنع الحالية. الأولى، من الصعب تجاهل حقيقة أن القناة "الدبلوماسية" لحل المشكلة الايرانية فشلت، رغم أن الإدارة الاميركية ما تزال لم تعترف بذلك. ثانيا، عند النظر الى الخطوة التالية، هل يمكن للولايات المتحدة حقا أن تستند الى الافتراض بأنها ستحصل على معلومات مصداقة عن قرار ايران بتطوير سلاح نووي؟ وحتى لو كان نعم، فهل في مثل هذه الحالة ستبقى ايران في وضع يكون فيه استخدام الخيار العسكري واقعيا ويسمح بتحويل ما هو في هذه اللحظة مسار مؤكد نحو قدرة نووية عسكرية؟ والأهم من كل هذا، هل ستكون الولايات المتحدة مستعدة في لحظة الحقيقة لاستخدام القوة كي تتصدى لإيران؟
هذه المسائل تطرح بحدة أكبر على خلفية الادعاءات التي يطرحها خبراء مختلفون. وبينما يواصل بعضهم التمسك بحجة ان كل حرف لمادة نووية نحو برنامج عسكري سيكتشف دون ريب من قبل مراقبي وكالة الطاقة الذرية، فإن خبراء آخرين يواصلون فحص خيار الاحتواء، في أعقاب شكوك معينة لديهم بالنسبة للفرضية بأن قرارا ايرانيا بالضرورة سيشخص، و/ أو سيكون ما يكفي من الوقت لوقف ايران في حالة أن نعم. لا يحتمل أن يكون الموقفان صحيحين، والحجج التي تشكك بقدرة الولايات المتحدة على وقف ايران استنادا الى معلومات تأتي في الوقت الدقيق تبدو راسخة جدا.
التاريخ مليء بالإخفاقات الاستخبارية. في هذه الحالة، فإن الاعتماد على مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ليقدموا معلومات دقيقة في الوقت المناسب قد يظهر محملا بالمصيبة - وليس بسبب جودة المراقبين بل بقدر أكبر بسبب الشروط المقيدة لعملهم. فالزيارات الحالية للمنشآت النووية في ايران لا تتم بموجب "البروتوكول الإضافي" (Additional Protocol) الاكثر تشددا، بل تبعا لاتفاقات رقابة تحت الاسم المضلل "الكاملة" او "الشاملة". هذه الإجراءات ليست شاملة وليست كاملة. فضلا عن ذلك، يمكن لايران أن تقرر بأن تقصقص أجنحة المراقبين أو، في السيناريو الأسوأ، طردهم، وهكذا تخلق وضعا ليس قابلا للدفاع. فهل هذا ما سيدفع الولايات المتحدة الى النظر في عملية عسكرية؟ دون أن ينشأ سبب آخر للقلق، فإن الامر موضع شك. وفي أقصى الأحوال، فإن مجلس الأمن في الأمم المتحدة سيطلق تحذيرا آخر، سيوفر فقط لإيران زمنا آخر لتنفيذ الاختراق وهي غير خاضعة للرقابة.
إن السيناريو المقلق اكثر من ذلك والذي بحث صراحة مؤخرا هو أن تكون ايران تدير بالتوازي برامج سرية للتخصيب وتطوير السلاح النووي. فبسبب القيود التي فرضت على مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والقيود المفهومة على جمع المعلومات، فإن هذا السيناريو لا يمكن استبعاده.
في التقرير الذي وضعه كاهل (Kahl) وزملاؤه في موضوع الاحتواء، زعم أن "ادارة اوباما ملتزمة وعن حق بمنع - وليس احتواء - ايران نووية، ولكن.. مساعي المنع، وعلى رأسها استخدام القوة، قد تفشل". وعلى هذا الأساس يدعي الكُتّاب بأن الولايات المتحدة قد تضطر في نهاية المطاف الى الانتقال الى سياسة احتواء، رغم تفضيلاتها الحالية. كولن كاهل، الكاتب المتصدر لهذا التقرير، شغل في الماضي منصب مستشار شؤون الشرق الاوسط في وزارة الدفاع الاميركية، وعليه فإنه كفيل بأن يعكس تفكير الإدارة في هذا الموضوع.
وفي حالة ألا تحظى آثار هذه المخاوف بعناية مباشرة، ولا تتغير سياسة المنع الأميركية بما يتناسب مع ذلك وبسرعة - هناك احتمال كبير في أن يتحول الاحتواء لإيران نووية الى سياسة أهون الشرور من جانب الولايات المتحدة، رغم أنه صحيح حتى الآن أن اوباما يرفضها علنا.

التعليق