أسطورة الدولة العربية

تم نشره في الخميس 30 أيار / مايو 2013. 03:00 صباحاً
  • يافطة طائفية في لبنان - (أرشيفية)

آرون ديفيد ميلر*-
(ذا ناشيونال إنترست) 21/5/2013
بعد انقضاء عامين على بدايته الآن، جلب لنا الربيع العربي، أو ما تبقى من فضائله المخضوضرة، ما هو أكثر بكثير من مجرد وضع حد للسلطويين والأنظمة المبتكرة التي قادوها.
كما أن أسطورة الدولة العربية القوية والمتماسكة ذهبت إلى مرقد راحتها الأخير أيضاً. ومن شمال أفريقيا إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط -ومع الوقت، ربما في الخليج أيضا- ثمة عملية باتجاه اللامركزية، بل وربما التقسيم والتجزئة، وربما حتى تجزئتها، تجري راهناً على قدم وساق، والتي يرجح أنها ستنطوي على تداعيات سلبية كبيرة بالنسبة للمنطقة والمصالح الأميركية على حد سواء. وقد يكون هناك القليل جداً مما تستطيع الولايات المتحدة فعله بخصوص ذلك.
طوال الأعوام الخمسين الماضية، تعاملت أميركا مع عالم عربي مكون من نوعين من القادة السلطويين: أولاً، كان هناك القادة الخصوم –رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وصدام العراق، وسورية حافظ الأسد ومن ثم بشار، وليبيا معمر القذافي. وكان هناك المذعنون: حسني مبارك مصر، وزين العابدين بن علي تونس، وعلي عبد الله صالح اليمن، وزعماء عرب آخرون يدورون في الفلك الأميركي.
في الجزء الأكبر، عارضت الولايات المتحدة المجموعة الأولى وتعاونت مع الثانية. وسوية، قدم هؤلاء القادة نظاماً إقليمياً أضفى، بالرغم من تقلبه في بعض الأحيان، استقراراً عاماً على جزء حساس وبالغ الأهمية من العالم. وقد وفر هؤلاء الرجال الأقوياء وأنظمتهم دعماً لطائفة من السياسات الأميركية، في مقابل تلقّي مساعدات اقتصادية وعسكرية وتجاوزات عن حقوق الإنسان. وأصبحت أميركا مرتاحة تماماً مع أصدقائها هؤلاء، بل وحتى مع خصومها أحياناً، بمن فيهم ياسر عرفات والأسدين وصدام والقذافي.
لكن كل ذلك تغيّر الآن. فقد ذهب العرب المذعنون. وباستثناء بشار الأسد (الذي ما يزال فوق الأرض، لكنه فقد الكثير من المنزلة والسلطة) فقد ذهب الخصوم بالطريقة نفسها. لكن بعض الحكام السلطويين في البطريركيات العربية ما يزالون باقين، عارضين استمرارية استثنائية للنظام القديم. لكنهم لكن الأجراس ربما تُقرع من أجلهم أيضاً إذا لم يستطيعوا العثور على طريقة يكونون فيها على الجانب الصحيح من موضوع الإصلاح. وما يثير الدهشة في هذا التحول هو أن الهياكل والبنى التي بناها السلطويون انهارت بسرعة كبيرة. وفي بعض الحالات، كما في مصر ظلت مؤسسات الدولة السلطوية قائمة (الأجهزةالأمنية والعسكرية)، لكنها أصبحت مجموعات مصلحة مستقلة على حساب السيطرة القومية على الموارد الاقتصادية والحكم الرشيد. وفي الحقيقة، وباستثناء تونس التي تبدو وأنها الأوفر حظاً في تحقيق هذا الانتقال، تبدو الجمهوريات الزائفة وأنها تمر في حالات متفاوتة من الأزمة، وغير قادرة على الحكم بفعالية وكفاءة.
سورية تنفجر. وليبيا تفتقر إلى حكومة متماسكة على الصعيد القومي، وما تزال للتوترات القبلية والجغرافية وتحدي وجود الكثير جداً من الأسلحة والآلام. أما مصر، أضخم وأهم دولة عربية، فتبدو عالقة في خلل وظيفي غير منته، حيث وقعت المؤسسة الديمقراطية في أيدي القوتين الأقل ديمقراطية -الإسلاميين والجيش- بينما تظل المعارضة العلمانية/ الليبرالية منقسمة وبلا قيادة، وتفتقر تماماً إلى استراتيجية حقيقية حول كيفية المنافسة بشكل ناجح.
وتتعزز هذه الاتجاهات الجديدة في أجزاء أخرى من العالم العربي من خلال الخلل الوظيفي واللامركزية التي ظلت عاملة قبل وقت طويل من قدوم الربيع العربي. فما يزال لبنان في وضع اللادولة منذ أعوام. وهو يتوافر على ديكورات الدولة، لكن حكومته المركزية لا تستطيع السيطرة على قوى العنف داخل المجتمع اللبناني، وتفتقر إلى الثقة من كل الجماعات الطائفية، كما تفشل في فرض سيادتها على أراضيها الإقليمية. وسيستمر الفراغ في لبنان على الأرجح حتى لو انخفض نفوذ حزب الله بسبب ضعف داعمه السوري.
ومن جهته، يستمر العراق في الكفاح في غمرة الافتقار إلى التماسك السياسي ووفرة العنف. ومن المرجح أن يستمر كذلك إلى أن تؤول الأمور إلى تبلور كيان كردي أكثر مركزية، وأقلية سنية مظلومة، وطائفة شيعية مهيمنة. ومن جهتها، ستظل فلسطين مقسمة بين حماس التي تسيطر على قطاع غزة، والسلطة الفلسطينية التي تتمتع بالسطوة في بعض أجزاء الضفة الغربية، وإسرائيل التي تحتفظ بالجزء الأكبر من تلك الأراضي. ويشبه الفلسطينيون المتشظون اليوم سفينة نوح التي حملت من كل زوج اثنين -دساتير وأجهزة أمنية، وحتى رؤى متفاوتة حول أين فلسطين وما هي. ولا يمكن اعتبارها الآن حركة وطنية متماسكة.
كنت قد كتبت قبل بضعة أشهر أنني لا أعتقد بأن نظام الدولة العربية سينفجر على الأرجح أمام هذه التحديات الجديدة. وهناك الكثيرون جدا في المنطقة وفي الخارج ممن كانوا يستثمرون في الحفاظ على هذا السرد. كما أن قوس التغيير طويل جداً. ولا يجب علينا أن نفرض الانحياز والتحامل على توقعات منخفضة الوتيرة. وربما ستسود الحياة الديمقراطية والحكم الرشيد مع مرور الوقت.
لكن المؤشرات والوجهات لا تبدو واعدة على الإطلاق في الوقت الراهن. ويمكن أن يتساءل المرء عما هو، إذا كان هناك شيء أصلاً، يمكن أن يغيرها . ذلك أن العناصر الثلاثة التي يلزم توفرها للحياة الديمقراطية في أي شكل غير متوفرة في العالم العربي: قادة يتسامون فوق الانتماءات الطائفية والدينية والإثنية، ويحكمون بما يعود بأفضل المصلحة لأمتهم ككل؛ ومؤسسات تكون مأذونة وشرعية وشاملة، وليست مجرد ألعوبة توظف في صراع النخب للاستحواذ بالسلطة؛ وعملية تكيف تحتوي وتدير حتى أكثر المناقشات مرارة من دون الانزلاق إلى العنف أو إلى التوترات السياسية التي تشل الحياة الوطنية.
ويفضي غياب هذه المزايا إلى بروز مشكلة لأميركا في منطقة يرجح أن تنكمش فيها المساحة المتاحة لها حتى تفي بمصالحها.
بئس المصير للزعماء السلطويين. لكنه لن يعود في متناول أميركا أن تحصل على الجواز الذي حصلت عليه من بعضهم على الرغم من سياساتها غير الشعبية، مثل دعم إسرائيل ومعارضة حماس. ومن شأن ارتقاء التيارات الإسلامية أن يحد أكثر من تعاون هذه الأنظمة مع الولايات المتحدة. ومن الممكن أن تصبح الدول اللامركزية غير القادرة على ضبط تدفقات الأسلحة والأراضي أهدافا سهلة للمتمردين السنة والشيعة على حد سواء.
ستسمر الولايات المتحدة في محاولة التأقلم مع هذه الاختبارات والتحديات. ولن تكون هذه عملية سهلة. لكن أميركا ستظل عائمة بشكل غريب وسط هذا العالم المكسور والفوضى من خلال عدد من العوامل -بعدها الجغرافي عن المنطقة؛ واستقلالها المتنامي عن استهلاك الهيدروكربونات العربية؛ ونجاحها النسبي في حماية أراضيها من الإرهاب، والخلل الوظيفي لبعض الدول العربية، وحاجة هذه الدول المطلقة إلى الدعم والأموال الأميركية.
لكن الحقيقة تؤكد أننا عالقون في منطقة لا نستطيع معها لا التخلي عنها ولا التشبث بها. والأسوأ أننا عالقون هناك فيما النظام الإقليمي الذي كنا قد نميناه وارتحنا معه، يخلي مكانه لنظام آخر ينطوي على مستقبل غير أكيد أبداً. لم تستطع أميركا أبداً إنقاذ العرب. وذلك ليس جديداً. لكن الجديد هو أن الخلل الوظيفي الذي يعصف بالعالم العربي راهناً قد يعني تماماً أن العرب سيشهدون أوقاتاً أصعب بكثير وهم بصدد إنقاذ أنفسهم.


* نائب رئيس معهد المبادرات الجديدة والعالم المتميز في مركز وودرو ويلسون. وكان قد عمل مستشاراً لدى وزارة الخارجية في الإدارتين الجمهورية والديمقراطية في موضوع المفاوضات العربية الإسرائيلية.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
The Myth of the Arab State

التعليق