الإسرائيليون لا يكترثون إلا للمال

تم نشره في الاثنين 13 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً

هآرتس

جدعون ليفي

إن كل شيء هنا آخر الامر (وفي بدايته ايضا في الحقيقة) يدور على المال. المال، المال، المال. ابحث عن المال. فلا شيء يُنبه الإسرائيليين من عدم اكتراثهم سوى مالهم. ولا يكاد يعنيهم شيء سوى غناهم (أو فقرهم). إن برامج التلفاز في ليل السبت كانت تشبه برامج حرب، فقد كان هناك يئير لبيد في جميع القنوات في نفس الوقت، يضربه مُجرو اللقاءات معه كما لا يضربون أحدا في أي موضوع آخر. والاحتجاج يستيقظ، وأصبحت البلاد في غليان: لأن وزير المالية يريد أن يضرب الإسرائيليين في جيوبهم، وتعلمون أنه لا يوجد ما هو أشد إيلاما لهم من ذلك. إنها بضع مئات من الشواقل في الشهر أو في السنة وربما بضعة آلاف، وهذا ثمن باهظ لكثيرين لا ينبغي أن نستخف به، لكن كون المال وحده هو الباعث على عمل عام يثير أفكارا قاسية.
أنصتوا للخطاب الإسرائيلي: إنه محصور في المال. فكل حديث عادي يبلغ اليه. هل عدتم من خارج البلاد؟ كم كلفكم ذلك. هل يدرس إبنكم في الجامعة؟ كم يدفع. هل تناولتم الطعام في مطعم؟ كم أبقيتم. بل إن سعر الكتاب الذي اشتريتموه اذا اشتريتموه يتحدث. فلا يوجد شيء أشد إفراحا للإسرائيلي من صفقة جيدة، ولا يوجد شيء أكثر إرضاءً من تعاقد مجدٍ. المال كل شيء. وتختفي وراءه كل المشكلات الاخرى التي هي أشد كثيرا لكن ستار الدخان والمال يغطي عليها. وقد وقع وزير المالية الجديد على هؤلاء الإسرائيليين مثل ثمرة ناضجة: فهو ما يحتاجون اليه بالضبط للاستمرار في الظلم وفي العمى. وأصبحت تهاجمه فجأة وسائل اعلام عضود لاذعة، وتطغى في مواجهته فقط عاصفة الفيس بوك والمظاهرات.
إن مجتمعات اخرى ايضا تنتبه للعمل بسبب ازمات اقتصادية. لكنهم يشغلون أنفسهم في بعضها على الأقل بشؤون اخرى، وتختبيء في ساحاتها الخلفية مظالم أقل لا يتحدثون عنها. خُذوا على سبيل المثال جنوب افريقيا الذي يئن تحت صعاب وفروق اقتصادية أكبر كثيرا مما في إسرائيل، لكن الخطاب العام العاصف الجاري فيها يتناول مشكلات اخرى ايضا كالتربية والجريمة والعنف والايدز. فمن يتحدث هنا عن التربية؟ وعن الأجيال الجاهلة التي تنشأ هنا أمام أعيننا وتُعرض مستقبل الدولة لخطر أكبر كثيرا من كل قنبلة. ويوجد آلاف المهاجرين الأفارقة يمكثون منذ سنين في محابس بلا محاكمة – فهل يقلق هذا أحدا؟ وإن تشريعا مضادا للديمقراطية يجوز هنا بغير نقاش عام تقريبا، وأخذ التصدير يعتمد على تجارة السلاح، والجامعة العربية تعرض سلاما، والمستوطنات ما زالت تنشأ على اراض خاصة مسلوبة، ويشقون شوارع تمنع تقسيم القدس، ويقصفون في كل مرة لا يُرضينا فيها شخص ما، وما زال زمبيش يُدبر حيلة عقارية برعاية الدولة – ولا يثير كل ذلك سوى تثاؤب كبير.
بل إن النقاش العاصف في المال الذي يبعث الإسرائيليين أحياءً مع كل ذلك، مُحرف ومعوج. إنهم يكرهون المال القليل للحريديين واللجان ولا ينبسون بكلمة واحدة عن المال الكثير للمستوطنات وميزانية الدفاع. ويتحدثون عن المساواة في عبء الخدمة ولا يذكرون القوة العاملة لـ20 في المائة من أبناء البلاد العرب الذين يشتهون المشاركة في دوائر النمو والانتاج لكنهم يُقصون عن ذلك. وهم يستوردون عشرات آلاف العمال الاجانب ويغلقون أبواب العمل أمام الرعايا الفلسطينيين وراء الجدار، وهم قوة عاملة أقرب وأكثر عدلا، قد تخدم أيضا مصالح سياسية. أين المال. إن التباحث حتى فيه كاذب. إن المال الكثير يأتي مع السلام والاندماج في المنطقة. فاسبارطة هذه لن تصمد حتى لو أصبح يئير لبيد رجل السنة من جهة المساواة والعدل الاجتماعي. ستنمو دولة إسرائيل حقا اذا أُدمج مواطنوها جميعا فقط في اقتصادها وتاجر كل جيرانها معها وستزهر فقط اذا عاد جيشها والتهديدات التي يجب عليه ان ينشئها طول الوقت لتسويغ حجمه الغولي وتسلحه المجنون إلى الحجم المنطقي.
إن اقتراح موازنة لبيد يثير الغضب حقا. وميله القديم السيئ إلى الهرب من المواجهات وعدم شجاعته يستحقان الانتقاد حقا. لكن ما الذي نتحدث فيه آخر الأمر؟.

التعليق