هل تخبو قوة الولايات المتحدة؟

تم نشره في السبت 11 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً

دوري غولد - اسرائيل هيوم

هناك سؤال يُثار في اماكن مختلفة في العالم يتعلق بمكانة الولايات المتحدة، بسبب امتناعها عن ان تعمل على مواجهة الفظاعة المستمرة في سورية. ويزداد هذا السؤال قوة بازاء التقارير المحتشدة عن استعمال نظام الاسد لسلاح كيميائي على مدنيين أبرياء.
لكن التساؤلات لا تُطلق في فضاء فارغ. في السنوات الخمس الاخيرة كان يجري في الغرب جدل عاصف في سؤال هل مكانة الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى هي في خفوت. وتناول جزء من التحليل الجانب الاقتصادي. يزعم اكاديميون كثيرون في الولايات المتحدة ان عصر الهيمنة الغربية يبلغ نهايته مع تصاعد القوة الاقتصادية للصين والبرازيل والهند وروسيا.
وفي نفس الوقت يوجد محللون يحصرون العناية في الجانب العسكري للقوة الأميركية ويأسون لانخفاض عدد السفن الحربية في سلاح البحرية الأميركي في الخمسين سنة الاخيرة من 1000 سفينة تقريبا إلى 270 سفينة بل ربما إلى أقل من ذلك. وفي متابعة لذلك، اعترف رئيس الهيئات المشتركة في نهاية نيسان 2013، الجنرال مارتن دامبسي بأنه ليس للاسطول الأميركي حاملات طائرات في البحر المتوسط.
ينبع هذا التوجه المتشائم في النظر إلى مكانة الولايات المتحدة في جزء منه من وثائق أميركية رسمية مثل "غلوبال ترينز 2030" أعدتها الاستخبارات الأميركية. بل افتتحت المجلة الأميركية الفخمة الشأن "فورين بوليسي" زاوية جديدة في ايلول 2011 سُميت "ديكلاين ووتش"، تريد ان تتابع الفرض الرائج الجديد الذي يقول إن الولايات المتحدة تتهاوى في حين تصعد الصين ودول اخرى بصفة قوى من القوى العظمى الجديدة.
ويثير جانب مختلف من النقاش المتعلق بخفوت الولايات المتحدة سؤال هل أصبحت الولايات المتحدة أضعف من جهة موضوعية أم الحديث عن سياسة توحي بالضعف. إن واحدا من أهم الكتب التي نشرت هذه السنة في هذا الشأن حظي بعنوان "أمة زائدة (لا حاجة اليها: السياسة الخارجية الأميركية في تراجع)". وقد كتب الكتاب البروفيسور والي ناصر عميد معهد دراسات العلاقات الدولية المتقدمة في جامعة جونس هوبكنز الذي تولى عملا مدة سنتين في ادارة أوباما حيث اختص في الأساس بشأن افغانستان وباكستان لكنه اطلع ايضا على المباحثات الداخلية المتعلقة بإيران والشرق الاوسط. ويصف كتاب ناصر أميركا التي تعبت وفقدت الباعث على ان تكون زعيمة عالمية. ولا يتناول ادعاء ناصر على ادارة أوباما حجم القوات المسلحة بل مبلغ الحكمة السياسية لقادتها.
ويُبين كيف أيدت الادارة تعيين نوري المالكي رئيسا لوزراء العراق برغم كونه زعيما شيعيا تلقى تأييدا خطيا لترشحه من القائد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في كانون الاول 2010. ولهذا لم يكن يجب ان نتفاجأ بمعارضة المالكي لاستمرار الوجود العسكري الأميركي.
ويُعلم تحليل ناصر الكثير ايضا عن المسيرة السياسية. فهو يُبين كيف اخطأ أوباما في فهم العالم العربي في اثناء ولايته الاولى: "ضغط عليه زعماء عرب نحو الخارج في شأن فلسطين، لكن كل ما أرادوا الحديث عنه وراء الأبواب المغلقة هو إضعاف إيران".
ويضيف ناصر ويتحدث عن أول لقاء لأوباما وملك العربية السعودية في حزيران 2009 بشأن التهديد الإيراني: "أراد الملك ان تحل الولايات المتحدة المشكلة الإيرانية لا الفلسطينية..."، وعارض الملك عبد الله إلى ذلك عقد صلة دبلوماسية بين الموضوع الإيراني والمسألة الفلسطينية: "كان الملك ونتنياهو متفقين على هذه النقطة". ليس ناصر صقرا في كل ما يتعلق بإيران. فقد أمل ان يساعد الحوار الأميركي مع طهران، واشنطن على مشكلة افغانستان التي فُوضت اليه. ويستطيع لأنه اطلع على الشأن الإيراني ان يُشرك قراءه في جزء من مجرى التفكير في داخل ادارة أوباما، ويُبين أنه حينما بلغ النقاش إلى إيران فضل أوباما "كل وسائل الضغط الممكنة ما عدا اعلان حرب".
وعلى حسب ما يقول ناصر افترض أوباما "أنه يمكن مواجهة المشكلة الإيرانية بغير استعمال عملية عسكرية". لكنه يُحذر من ان صورة تفكير أوباما بشأن إيران كانت مختلة: فطهران قد تتجاوز السقف الذري وتُعرض الولايات المتحدة لاختيار بين الخروج للحرب أو احتواء إيران الذرية، وهذه نتيجة مُذلة للولايات المتحدة.
وفي اثناء ذلك كما يُبين تصبح إيران أكثر خطرا. قضى خط الرئيس بوش الاحمر بمنع إيران من تخصيب اليورانيوم من أي نوع. وغير أوباما الخط الاحمر الأميركي ليصبح منع انتاج السلاح الذري. ويُحذر ناصر من ان هذا الخط الاحمر الجديد ايضا يوشك أن يُتجاوز.
لكن ما هو الاستنتاج الذي يستنتجه البروفيسور ناصر من هذه الوقائع في النقاش الذي يجري بين جدران الاكاديميا في مسألة خفوت قوة الولايات المتحدة؟ يقول انه ينبغي صوغ هذا السؤال من جديد ليكون: لماذا أخذ تأثير الولايات المتحدة يقل برغم قوتها العظيمة وقدرتها الكامنة الكبيرة؟ وهو ينسب هذا التغيير إلى اختيار واشنطن ان تكون أقل مشاركة في الساحة الدولية بالنكوص عن كثير من الصراعات القائمة في العالم ولا سيما في الشرق الاوسط.
وبعبارة اخرى، وفي الواقع الذي تعمل فيه الولايات المتحدة اليوم، لا توجد قوى من القوى العظمى أو اساطيل بحرية يمكنها ان تكون منافسة حقيقية لقوة الولايات المتحدة العسكرية. وليس التأثير الأميركي الآخذ في التضاؤل هو نتاج انخفاض للقوة الأميركية. لكن الفكرة التي تقول ان الولايات المتحدة في خفوت قد تصبح نبوءة تحقق نفسها في تصور قادتها اذا بدأوا يقتنعون بأن الامر كذلك حقا. أي ان الولايات المتحدة ستصبح أضعف فقط اذا استقر رأيها على أنها خسرت القدرة على التأثير التي كانت لها في الماضي.
تستطيع إسرائيل ان تستخلص درسا مهما من النقاش العام الأميركي الداخلي في شأن انخفاض قوة الولايات المتحدة وهو انه لا يجوز لمتخذي القرارات ان يهادنوا في التصور الامني التقليدي الذي يقضي بأنه يجب عليها ان تكون قادرة على حماية نفسها بقواها الذاتية.
في وقت نسمع فيه بين فينة واخرى بوسطاء دوليين يعرضون على إسرائيل نشر قوات دولية في مناطق حيوية لأمنها كغور الاردن مثلا، لا يجوز لإسرائيل ان تغريها هذه العروض. إن صورة وقوف العالم وفيه الولايات المتحدة متنحيا في حين يُذبح الشعب السوري هي مصباح تحذير مما قد يحدث حينما تتكل أمة على المجتمع الدولي ليحافظ على أمنها ولا سيما في فترة تحولات كثيرة جدا.

التعليق