نهاية محور إيران وسورية وحزب الله

تم نشره في السبت 27 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً
  • شاب يسير برفقة سيدة أصيبت جراء قصف مدينة حلب الأسبوع الماضي -(ا ف ب)

إيلي بردنشتاين -معاريف
تقف الأسرة الدولية اليوم أمام عدة قرارات حاسمة مصيرية بسبب تدهور الوضع في سورية. فالتخوف من تفكك سورية إلى مجموعات على أساس اثني يصبح ملموسا كل يوم. كما يتعاظم أيضا التخوف من استخدام مخزونات السلاح الكيميائي، فقدان الرقابة عليه وتسريب الاسلحة المتطورة  إلى حزب الله ومحافل ارهابية اخرى.
هذا الاسبوع عادت لتطفو إلى السطح مرة اخرى مسألة الاستخدام الذي تم او لم يتم من قبل جيش الأسد للسلاح الكيميائي ضد الثوار. وخلافا للاميركيين، فان موقف إسرائيل يؤيد التقديرات البريطانية والفرنسية بانه تم بالفعل مثل هذا الاستخدام. جانب مقلق آخر هو مشكلة جموع اللاجئين من سورية الذين يغرقون الاردن، تركيا ولبنان. نحو مليون نسمة هربوا من سورية، الامر الذي يهدد بتشويش الاستقرار في المنطقة ولا سيما في الاردن.
كنتيجة لذلك، يتعاظم الضغط للتدخل العسكري الخارجي أو على الاقل منح مساعدة عسكرية ذات مغزى للثوار الذين لا ينتمون إلى الجماعات المتشددة. الولايات المتحدة، ما تزال تصر على معارضتها تسليح الثوار أو اي تدخل عسكري أكثر أهمية. اما بريطانيا وفرنسا بالمقابل فتؤيدان عدم استئناف حظر السلاح الذي فرضه الاتحاد الاوروبي على سورية (والذي سينتهي مفعوله في ايار)، وتسليح الثوار.
جان دافيد لويت (67 سنة) الذي عمل كمستشار سياسي  كبير للرئيس الفرنسي المنصرف نيكولا ساركوزي وجاك شيراك، وكان مشاركا في عملية اتخاذ القرارات في فرنسا في المسائل السياسية والامنية على مدى نحو 20 سنة، يشرح في مقابلة اولى لصحيفة إسرائيلية بأن السلاح ضروري للثوار لحسم الصراع ضد الأسد وإسقاطه. "منذ بدء الثورة في سورية، قتل نظام الأسد نحو 80 الف نسمة. عندما تفعل ذلك، لا تكون طريق للعودة. لا مستقبل للأسد. وهو لن يبقى في منصبه ضمن أي تسوية سياسية"، يقول لويت. "نحن مع حل يتحقق بالمفاوضات التي غايتها الحيوية هي الحفاظ على الحكم المركزي في الدولة، ولكن بدون الأسد. لتحقيق هذا، يجب التأكد أن لدى معارضي الأسد وسائل الانتصار من ناحية عسكرية واسقاط الأسد".
غير أن إسرائيل تخشى من تسليح جماعات الثوار في سورية بسلاح متطور من شأنه أن يستخدم ضدها في سيناريو مستقبلي. والتشديد الإسرائيلي هو على أنه اذا ما تقرر بالفعل نقل السلاح إلى الثوار، فينبغي التأكد من أنها ليست الجماعات المتشددة والكفيلة بان تصبح شريكا سياسيا للغرب في اليوم التالي لسقوط الأسد.
المشكلة الروسية
وكان لويت انسحب من خدمة الدولة مع خسارة ساركوزي في الانتخابات وهو يعمل اليوم بروفيسور في جامعة Sciences Po في باريس، المؤسسة الاعتبارية التي تؤهل النخب السياسية والدبلوماسية في الدولة. وقد جاء في زيارة قصيرة إلى إسرائيل للمشاركة في المؤتمر السنوي لمعهد بحوث الامن القومي الذي ينعقد هذا الاسبوع.
ويلغي لويت التخوف من وصول السلاح إلى منظمات من اوساط الثوار فيقول انه "من جهة إيران وروسيا تسلحان جيش الأسد. ومن جهة اخرى السعودية وقطر تزودان بالسلاح منظمات المعارضة الاكثر تشددا من بين الاخوان المسلمين والسلفيين الذين يقاتلون ضد الأسد. الوحيدون الذين لا يحصلون على السلاح هم أعضاء المعارضة الذين لا ينتمون إلى هذه الجماعات"، يقول لويت. "ولهذا فان مسألة وجود سلاح هي مسألة سخيفة في دولة مثل سورية، فيها اليوم الكثير من السلاح لهذا القدر الكبير من الجهات المختلفة".
وعلى حد قوله، فان تلك الجهات في أوساط الثوار ممن سيتلقون السلاح الغربي قريبون من الغرب في قيمهم الديمقراطية وفي حقوق الانسان. "نحن نأمل أن يكونوا هم الذين يكون لهم دور مهم في المفاوضات على الحل السياسي في الدولة والحفاظ على وحدة سورية". يبدو أن لويت يقصد في حديثه الائتلاف الوطني المعارض الذي يترأسه معاذ الخطيب، "الاسلامي المعتدل"، الذي استقال قبل بضعة ايام على خلفية الصراعات والخلافات الداخلية وكذا النبش السياسي من  جانب دول مختلفة معنية بالتأثير على هذا الاطار.
لثلاث مرات حاولت الولايات المتحدة، بريطانيا وفرنسا اتخاذ قرار في مجلس الامن في الامم المتحدة باغلاق المجال الجوي في سورية. والمرة تلو الاخرى كانت روسيا، والصين في اعقابها، فرضت الفيتو ومنعت اتخاذ القرار. ففي ذاكرة روسيا تحز الاهانة جراء تأييدها لقرار مشابه في حالة ليبيا. غير أنه في حينه، بدلا من منح المساعدة الانسانية للسكان،  فان الطائرات البريطانية والفرنسية حامت في المجال الجوي الليبي وادت إلى اسقاط القذافي. اما الان فترفض روسيا المساهمة في قرار مشابه يلغي وجود سورية كدولة. اما الرئيس الاميركي باراك اوباما من جهته فيرفض السماح بعملية عسكرية لا تكون في اطار قرار من الامم المتحدة.
ولا يتأثر لويت كثيرا بموقف روسيا الاشكالي. فهو متأكد من أن روسيا ستغير موقفها وتنتقل إلى جانب الثوار حين يتغير ميزان القوى في صالحهم بعد تدهور الوضع بسرعة فتفهم بان هذا هو السبيل الوحيد لانها حكم الأسد.
وماذا سيحصل اذا لم يسلح الثوار؟
الأسد سيبقى إلى الابد وسيواصل قتل أبناء شعبه.
مسؤولية استعمارية
ليس هكذا كان الحال دوما. فقد كانت هناك أيام كانت فيها وزارة الخارجية الفرنسية وقصر الاليزيه متفائلين بالأسد الابن. وأنا ولويت نتذكر زيارة لبشار الأسد إلى باريس مع نهاية القرن الماضي، حين كان بشار مسؤولا عن الملف اللبناني، وخلف والده حافظ بعد فترة وجيزة من ذلك. ويتذكر لويت شابا عرض نفسه بصفته "رجلا حديثا، مفعما بالطموح لاحداث تغييرات واسعة في سورية". ولم تمر اشهر كثيرة إلى أن تبين، وليس للفرنسيين وحدهم، بان نمط حكم الطغيان في سورية سيبقى على حاله. ويعترف لويت فيقول: "اعتقدنا أنه سيكون مختلفا عن أبيه، ولكن للاسف هذا لم يحصل".
غير ان الآمال هي شيء والمصالح هي شيء آخر. فسورية ولبنان كانا على مدى عشرات السنين منطقة نفوذ فرنسية صرفة. وبغض النظر عما احدثه طغيان الأسد في سورية وتدخله العميق في لبنان من ضيق لشيراك، ما كان بوسع فرنسا أن تسمح لنفسها بالانقطاع عن نفوذها التقليدي. كل هذا حتى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في شباط 2005. ويشير لويت إلى أن "هذه كانت نهاية الحوار بين شيراك والأسد".
وعندما انتخب ساركوزي في 2007 رئيسا لفرنسا، دعا لويت للعودة إلى القصر ليكون مستشاره الكبير. لبنان في تلك الايام كان في شلل سياسي ولم يكن بوسعه اختيار رئيس، مع تدخل هائل لحزب الله في كل ما يجري. وحاول ساركوزي ما فشل فيه شيرا. فقد أرسل لويت ورئيس طاقمه إلى لقاء مع الأسد في دمشق. وناشداه الكف عن التصفيات والسماح بانتخابات حرة للرئاسة في لبنان. وبالفعل انتخب ميشيل سليمان رئيسا للبنان في ايار 2008. في حزيران 2008 جاء ساركوزي في زيارة إلى إسرائيل. وفي تلك الايام كانت تركيا تتوسط بين الأسد ورئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت في محاولة لحث تسوية سلمية بين الدولتين. ولاحقا أقام ساركوزي منظمة دول البحر المتوسط. ويستعيد لويت كيف أنه في المؤتمر التأسيسي جلس هو إلى جانب اولمرت، الأسد، عبدالله، بوتفليقة وسليمان الواحد إلى جانب الاخر، في مشهد يبدو خياليا. وأعلن الأسد في حينه لاول مرة بان سورية تعترف بلبنان كدولة مستقلة وأن الدولتين تتبادلان السفراء.
غير أن في حينه جاءت أحداث الربيع العربي إلى سورية ومرة اخرى تشوشت السياسة الفرنسية حيال سورية. ويشرح لويت فيقول ان "الأسد قرر بان الطريق الوحيد لمواجهة الاحداث هي الهجوم على شعبه. في نظرنا هذا لم يكن مقبولا. عندما يهاجم الزعيم شعبه، فان من مسؤولية الاسرة الدولية وقف المذبحة".
على مدى سنوات طويلة تمكن لويت من العمل مع ثلاثة وزراء إسرائيليين: مرتين مع نتنياهو ومرة مع باراك ومع اولمرت. ووصفه موظفون إسرائيليون كبار عملوا معه بانه مهني من الدرجة الاولى، دبلوماسي وابداعي وغير جامد. وحتى في لحظات الخلاف بين ساركوزي ونتنياهو حول المسألة الفلسطينية والبناء في المستوطنات، حافظ لويت، وهو ابن لاب يهودي على عطفه لإسرائيل وحاول تخفيض مستوى اللهيب بالتعاون مع نظيره الإسرائيلي عوزي اراد. ومن الجهة الاخرى، في المسألة الإيرانية كان ساركوزي اكثر حزما من اوباما واقرب إلى مواقف نتنياهو. وفي أثناء المقابلة يمتنع لويت عن الحديث عن تلك الخلافات.
وبالنسبة للخطر على إسرائيل من المنظمات التي تقاتل ضد الأسد يحبذ لويت الرد على السؤال بطريقته الهادئة: "انتم تسيطرون حاليا في هضبة الجولان. واذا توفر حل سياسي وصعد نظام ديمقراطي يرغب في الشروع في مفاوضات مع إسرائيل، فسيكون من حق الجمهور الإسرائيلي أن يقرر كيف يتصرف".
وماذا اذا لم يتوفر حل سياسي؟
"في مثل هذه الحالة، السيناريو في سورية هو يحصل في الصومال. بدون حل، الدولة ستتفكك، والجماعات المختلفة ستواصل القتال الواحدة ضد الاخرى حتى الانهيار التام لكل سلطة وطنية".
وماذا بالنسبة لحزب الله؟ هل تعتقد أنه ضعف في أعقاب الاحداث في سورية، وهل قدرته على ضرب إسرائيل بتعليمات من إيران أقل مما كانت في الماضي؟.
"ما يحصل في سورية اليوم هو في مفهوم معين نهاية محور إيران – سورية – حزب الله. يدور الحديث عن تأثير كبير للتطلعات الإيرانية. ما نراه اليوم هو منافسة على سورية بين إيران والشيعة وبين سُنة قطر، تركيا والسعودية. تخميني هو أن الاغلبية السنية في سورية (التي تعد 70 في المائة من السكان) ستسيطر على الدولة. وحزب الله سيخسر الأسد والنظام العلوي الذي هو عرابه. وسيكون لذلك تأثير على كل المنطقة. ولهذا فان أولوية حزب الله هي عدم القتال ضد إسرائيل، بل مساعدة الأسد، إلى جانب إيران، على النجاة. إذ غدا، اذا ما سقط الأسد، فان حزب الله سيخسر هو الاخر. إذن لديهم أيضا بشائر طيبة".

التعليق