أزمة النووي في كوريا الشمالية: درس للحالة الإيرانية

تم نشره في الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً



اميلي لنداو

كوريا الشمالية معروفة جيدا في استفزازاتها المتكررة لكوريا الجنوبية والولايات المتحدة كعنصر مركزي في سلوكها في العقد الاخير، مقابل محاولات إدارة المفاوضات معها على تخليها عن القدرة النووية العسكرية في إطار "محادثات الستة" (Talks Six Party). لاستفزازات كوريا الشمالية يوجد ايضا بعد اقليمي ودولي يجد تعبيره في التجارب النووية التي أجرتها على الصواريخ البالستية وكذا في التقدم في تطوير النووي، بما في ذلك اجراء ثلاث تجارب نووية منذ 2006. النمط الذي تقرر في اثناء هذه الفترة – منذ 2006 – كان أن تتخذ كوريا الشمالية خطوات استفزازية ذات طابع "السير على الحافة" كي تجتذب انتباه الولايات المتحدة وتعيدها الى طاولة المفاوضات و "ابتزاز" شروط افضل، أي أن تضمن لنفسها مساعدة اقتصادية واسعة، شكلت المحور المركزي في كل اتفاق تحقق معها حتى الآن في السياق النووي.
في المرة الاخيرة التي تفاوضت فيها كوريا الشمالية في اطار محادثات الستة كانت في كانون الأول 2008. وفي العام 2009 أعلنت هذه عن انتهاء محادثات الستة، وأجرت تجربتها النووية الثانية؛ في 2010 شرعت في استفزازات ضد كوريا الجنوبية، اغراق سفينة حربية وموت 46 ملاح جنوب كوري، واطلاق النار على جزيرة في المنطقة التي توجد موضع نزاع بين الدولتين، وموت جنديين ومواطنين؛ وفي نهاية السنة كشفت النقاب عن منشأة لتخصيب اليورانيوم في يونغ بيونغ. وفي اثناء 2011، أعربت بيونغ ينغ مرة اخرى عن اهتمامها في العودة الى المفاوضات النووية، وفي الصيف ادارت سلسلة قصيرة من المحادثات الثنائية مع الولايات المتحدة في هذا الشهر.
ولكن، قبل أن يتحقق اي اتفاق، توفي زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ ايل، وتسلم ابنه كيم يونغ أون الحكم. وأثار تطور مفاجئ في شباط 2012 أملا قصير العهد، في اطاره تبنى الزعيم الجديد نهجا ايجابيا من مسألة النووي: الولايات المتحدة وكوريا الشمالية اعلنتا عن وصولهما الى تفاهم في مجال النووي من خلال تصريحات احادية الجانب متوازية. فقد أعلنت كوريا الشمالية عن استعدادها لتعليق نشاطها في مجال تخصيب اليورانيوم كما أعلنت عن موافقتها على تجميد التجارب النووية والتجارب على الصواريخ البالستية. والولايات المتحدة من جهتها وعدت بمساعدة بمقدار 240 الف طن من الغذاء. غير أن التصريحين لم ينفذا ولم ينضجا الى صفقة ناجزة. بدلا من ذلك قرر الزعيم الجديد ان يطلق قمرا صناعيا الى الفضاء في منتصف نيسان 2012 (فشل الاطلاق)، ومنذئذ وهو يوجد في مسار معارضة متواصلة وأفعال استفزازية في شكل تجربة (ناجحة) على صاروخ بالستي مع نهاية العام وتجربة نووية ثالثة في بداية 2013.
في الاسابيع الاخيرة بدا تصعيد حاد في التهديدات النووية والتقليدية من جانب كوريا الشمالية، موجهة اساسا نحو كوريا الجنوبية والولايات المتحدة. وهذه هي المرة الأولى التي هددت فيها كوريا الشمالية بهجوم نووي ضد الولايات المتحدة. وكان التواتر، الكثافة ومضمون التهديدات – والتي تتدحرج بسرعة الواحدة تلو الاخرى – هي غير مسبوقة في عقد من المفاوضات مع كوريا الشمالية في السياق النووي.
ما الذي تحاول كوريا الشمالية تحقيقه. الخلفية الفورية للتصعيد كانت العقوبات التي فرضت عليها في أعقاب التجربة النووية الثالثة في شباط 2013، والمناورة العسكرية السنوية المشتركة التي اجرتها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية – المناورة التي تعارضها كوريا الشمالية كل سنة. ولكن هذه التطورات لم تكن غير متوقعة، ولا تشرح الارتفاع الدراماتيكي في شدة التهديدات من جانب كوريا الشمالية. وفضلا عن ذلك، فان تهديدات كوريا الشمالية هي في اساسها عديمة الاسنان: تنقص الادلة القاطعة على أن لدى كوريا الشمالية قدرة على تصغير رأس متفجر نووي وتركيبه على صاروخ بالستي بعيد المدى، الامر الذي يضع قيد الشك التهديد النووي تجاه الولايات المتحدة. فتنفيذ هجوم تقليدي ذي مغزى سيثير بلا شك ردا عسكريا شديد القوة من جانب الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، ومشكوك أن تتمكن كوريا الشمالية من الصمود فيه. ولما كانت محادثات الستة معلقة، فان التصعيد الجديد لم يظهر في البداية بانه يتطابق والنمط المعروف الذي ثبتته كوريا الشمالية في الماضي؛ ولكن الاقتراح الأميركي والكوري الجنوبي الجديد (والذي طرح في أعقاب تهديدات كوريا الشمالية) لادارة مفاوضات متجددة – شريطة أن تظهر كوريا الشمالية جديتها بالنسبة لتفكيك قدراتها النووية – يمكنه أن يؤشر الى أن هذا ما قصدته كوريا الشمالية، وفقا للنمط المعروف.
وبينما لا نرى أن دوافع كوريا الشمالية واضحة، فان بيونغ ينغ نجحت في تركيز الاهتمام العالمي، ولا سيما في البعد النووي على خطابها. فالتقارير في وسائل الاعلام، والتي طرحت سيناريوهات رعب بشأن حرب نووية محتملة، تجاهلت حقيقة أن القدرات الحالية لكوريا الشمالية لا تدعم هذه التهديدات. ومعقول الافتراض بان الاصوات ورنين الصافرة ستصمد في النهاية، وفي أقصى الاحوال ستجد تعبيرا لها في تجربة اطلاق صاروخ بعيد المدى.
اضافة الى ذلك، تواصل كوريا الشمالية حث خطة النووي والصواريخ لديها واذا لم يتحقق اتفاق لتفكيك قدرتها النووية فانها ستنجح في نهاية المطاف في تطوير رأس متفجر نووي يمكنها أن تركبه على صاروخ بعيد المدى، وهكذا تصبح عضوا كاملا في نادي الدول النووية وتهديد الولايات المتحدة، بينما يكون للتهديد غطاء تنفيذي.
وأظهرت الازمة الاخيرة كيف أن كوريا الشمالية – الدولة التي لا تتردد في التهديد بهجوم نووي – يمكنها أن تبقي المنطقة في حالة تأهب حيال تهديد فوري (hair trigger alert).
مسألة اخرى تستوجب البحث: أي معنى يوجد للازمة الاخيرة في كوريا في سياق أزمة النووي الايراني. بالنسبة لسلوك كوريا الشمالية "مفتعل الازمات"، فانها توفر عمليا القليل من الفهم للخطوة  الايرانية المحتملة التالية لان ايران طورت نوعا مميزا خاصا بها في سلوكها تجاه الاسرة الدولية. فايران – الدولة التي لا تقل تصميما واستفزازا عن كوريا الشمالية – اختارت شق طريقها بالذات وفق قاعدة الامتناع عن الازمة، وهي تفعل ذلك بنجاح لا بأس به. كما أن السياق الاقليمي لكل واحدة من هاتين الدولتين مختلف. فقد استخدمت كوريا الشمالية في الماضي الموضوع النووي كورقة مساومة كي تحظى بمساعدة اقتصادية من الولايات المتحدة ومن جيرانها الاقليميين، بينما ايران كدولة غنية بالنفط لا تحتاج الى مساعدة اقتصادية. اما الايرانيون بالمقابل فيستخدمون برنامجهم النووي لتثبيت مكانتهم وتطلعهم للهيمنة الاقليمية – الامر غير القائم في حالة كوريا الشمالية. من المهم الاشارة الى أن الكوريين الجنوبيين بقوا هادئين نسبيا حيال موجة التهديدات من جانب كوريا الشمالية، ولكن لا ينبغي توقع وضع مشابه اذا ما وجهت تهديدات من جانب ايران، ولا سيما نحو السعودية واسرائيل. كوريا الشمالية، رغم كونها نووية، هي دولة ضعيفة محوطة بدول اقوى منها؛ وهذه تميل الى التعاطي مع جارتها العدوانية تقريبا كولد مستفز يحتاج الى معاملته بيد قوية، ولكن دون رفضه. ايران بالمقابل هي دولة قوية في منطقة بعض الدول فيها ترى في ايران خصما ومنافسا على النفوذ الاقليمي، وبالنسبة لبعض آخر تعتبر عدوا خطيرا ورهيبا.
بالنسبة لطبيعة سلوك اللاعبين الدوليين حيال كل واحدة من الدولتين المتحولتين نوويا، فان استراتيجية التصدي تتأثر في كل حالة بالطريقة التي يرى فيها اللاعبون الدولة، والخلفية الاقليمية التي توجد فيها. فمنذ زمن بعيد امتنعت الولايات المتحدة عن نهج ذي نزعة قوة تجاه كوريا الشمالية لان بيونغ ينغ يمكنها أن تحدث دمارا هائلا لسيئول بالصواريخ التقليدية؛ وفضلا عن ذلك، فان الصين تحمي كوريا الشمالية لانها تخشى من انهيارها ومن النتائج الصعبة لمثل هذا التطور بالنسبة لها. والى جانب المساعي المتواصلة لحل كوريا الشمالية على عقد صفقة بالمفاوضات، فان الدول التي تقف امام بيونغ ينغ تتخذ عمليا سياسة "الاحتواء"، والازمة الاخيرة يمكن ان تفسر كحالة تجسد حقيقة أنه حتى حيال التهديدات النووية الفظة، نجد أن سياسة "الاحتواء" تنجح. ولكن الواقع الاستراتيجي المختلف في الشرق الاوسط يجب أن يشكل اشارة تحذير من المقارنة ومن استخلاص الاستنتاجات التبسيطية. اذا ما طرحت ايران تهديدات مثل تلك التي طرحتها كوريا الشمالية، فانها ستعتبر مغايرة بشكل تام عنها بسبب الظروف الاقليمية المختلفة. فضلا عن ذلك يمكن لايران أن تحقق اهدافها ايضا حتى دون تهديدات بهذه الفظاظة؛ فهي يمكنها بدلا من ذلك أن تستغل الحصانة ضد الهجوم المضاد، الذي ستتمتع به بصفتها دولة نووية، كي تتقدم بشكل مكثف في تحقيق تطلعاتها العدوانية للهيمنة الاقليمية. في مثل هذا السيناريو فان الردع النووي الكلاسيكي سيصبح غير ذي صلة.
حقيقة أن كوريا الشمالية وايران تعرضان تحديا نوويا لا تعطل العناصر التي تميز بين الحالتين. والتطورات بالنسبة لدولة ما متحولة نوويا ليس لها بالضرورة اثار فورية على الدولة الاخرى. ينبغي فحص كل حالة وفقا للظروف والملابسات المحيطة بها: طبيعة الدولتين المتحولتين نوويا ودوافعها؛ الاستراتيجية والتكتيك لدى الدولتين في مواجهة القوى الاقليمية والعالمية؛ اعتبارات مجموعة الدول المحددة التي تقف حيالها، كمعامل للظروف الاقليمية التي تسود في كل حالة وحالة.

التعليق