المشكلة في التعامل مع كوريا الشمالية

تم نشره في الجمعة 19 نيسان / أبريل 2013. 02:00 صباحاً
  • الزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ أون (يمين) يحضر مناسبة مع والده الراحل كيم يونغ إيل - (أرشيفية)

إيان بوروما*
نيويورك- ما كان أحد ليهتم كثيراً بكوريا الشمالية -تلك الدولة الصغيرة المنعزلة التي يسكنها 24 مليون نسمة، والتي تحكمها أسرة غريبة الأطوار تعتبر نفسها شيوعية- لولا أسلحتها النووية. والآن، يعمد حاكمها الحالي كيم جونج أون، ذو الثلاثين ربيعا، وحفيد مؤسس كوريا الشمالية "الزعيم العظيم"، إلى التهديد بتحويل مدينة سول، عاصمة كوريا الشمالية الغنية الصاخبة، إلى "بحر من النار". كما يضع القواعد العسكرية الأميركية في آسيا ومنطقة الباسيفيكي على قائمة أهدافه.
الواقع أن كيم يدرك تمام الإدراك أن الحرب ضد الولايات المتحدة ربما تعني تدمير بلده الذي يعد واحداً من أكثر بلدان العالم فقراً. ولا تستطيع حكومته حتى إطعام شعبها الذي تضربه المجاعات بشكل منتظم. ولا تجد العاصمة، بيونغ يانغ، حتى القدر الكافي من الطاقة الكهربائية لإبقاء الأضواء عاملة في أكبر فنادقها. ولذلك، فإن التهديد بمهاجمة أقوى دولة في العالم يبدو ضرباً من الجنون.
لكنه ليس من المفيد أو المعقول افتراض أن كيم جونج أون ومستشاريه العسكريين مصابون بالجنون. لا شك أن النظام السياسي في كوريا الشمالية مختل. ويستند طغيان أسرة كيم إلى مزيج من التعصب الإيديولوجي، والسياسة الواقعية الضارية، وجنون الشك والاضطهاد. ولكن هذه التركيبة الفتاكة لها تاريخ يحتاج إلى شرح.
يبقى تاريخ كوريا الشمالية القصير بسيطا إلى حد كبير. فبعد انهيار الإمبراطورية اليابانية في العام 1945، والتي حكمت كوريا بالكامل بوحشية بالغة منذ العام 1910، احتل الجيش السوفييتي الأحمر شمال البلاد واحتلت الولايات المتحدة جنوبه. ثم أتى السوفييت بالشيوعي الكوري الغامض نسبياً كيم إل سونج من أحد معسكرات الجيش في فلاديفوستوك، ونصبوه في بيونغ يانغ زعيماً لكوريا الشمالية. وسرعان ما انتشرت الأساطير عن بطولته في الحرب ومنزلته المقدسة، وبهذا نشأت عبادة شخصية جديدة.
وبعد ذلك، أصبحت عبادة كيم وولده وحفيده، كآلهة كوريين، جزءاً من الدين الرسمي للدولة. وتبقى كوريا الشمالية دولة دينية في الأساس. صحيح أن بعض العناصر مستعارة من الستالينية والماوية، ولكن الكثير من عبادة آل كيم يرجع في الأساس إلى أشكال أصلية من الشامانية: الآلهة البشر الذين يعدون الناس بالخلاص (ليس من قبيل المصادفة أن ينحدر الكاهن المبجل سون ميونج مون، وكنيسة التوحيد التي أسساها، من كوريا أيضا).
ولكن قوة عبادة كيم، وأيضاً جنون الارتياب والاضطهاد الذي يهيمن على فكر النظام الحاكم في كوريا الشمالية، يرجعان إلى تاريخ سياسي يمتد إلى ما قبل العام 1945. ذلك أن شبه الجزيرة الكورية ظلت لفترة طويلة ساحة معركة دموية بين القوى العظمى، بحكم موقعها الخطير بين الصين وروسيا واليابان. ولم يتمكن حكام كوريا من البقاء إلا من خلال تأليب قوة أجنبية ضد قوة أجنبية أخرى، ومن خلال الخنوع أساساً لأباطرة الصين في مقابل الحماية. وقد غذت هذه التركة مشاعر الخوف وكراهية الاعتماد على الدول الأكثر قوة.
يتلخص الأساس الذي تستند إليه شرعية أسرة كيم في الإيديولوجية الرسمية التي ينتهجها النظام (زوتشيه)، والذي يؤكد الاعتماد وطنياً على الذات إلى حد الاكتفاء الذاتي. في واقع الأمر، كان كيم إيل سونج، وولده كيم جونج إيل، حاكمين كوريين نموذجيين. فقد نجحا في تأليب الصين ضد الاتحاد السوفييتي، في حين تمكنا من تأمين حماية كل من الجانبين لهما. وبطبيعة الحال، لم يكن هذا كافياً لمنع الدعاية الكورية الشمالية من اتهام الكوريين الجنوبيين بكونهم أذناباً جبانة للإمبريالية الأميركية. والواقع أن جنون الشك والاضطهاد إزاء إمبريالية الولايات المتحدة يشكل جزءاً من عبادة الاستقلال. ولكي تتمكن أسرة كيم من البقاء، فإن تهديد الأعداء الخارجيين يشكل أمراً ضرورياً.
شكل سقوط الاتحاد السوفييتي كارثة بالنسبة لكوريا الشمالية، كما كان بالنسبة لكوبا؛ إذ لم يتبخر الدعم الاقتصادي السوفييتي فحسب، بل إنه لم يعد بوسع آل كيم أن يستمروا في تأليب قوة عظمى ضد قوى عظمى أخرى. فلم يتبق سوى الصين، ويكاد يكون اعتماد كوريا الشمالية على جارتها الجنوبية الآن كاملا. وبوسع الصين أن تسحق كوريا الشمالية في يوم واحد فقط بمجرد قطع الإمدادات من الغذاء والوقود عنها.
وهناك وسيلة واحدة فقط لصرف الأنظار عن هذا المأزق المهين: رفع وتيرة الدعاية حول الاعتماد على الذات والتهديد الوشيك المتمثل في الولايات المتحدة الإمبريالية وأذنابها في كوريا الجنوبية إلى مستويات هستيرية. وفي غياب هذا النوع من جنون الشك والاضطهاد، فإن آل كيم يصبحون بلا شرعية. ولا يستطيع أي نظام مستبد أن يضمن قدرته على البقاء لمدة طويلة بالاعتماد على القوة الغاشمة وحدها.
ويزعم بعض الناس أن الولايات المتحدة قادرة على تعزيز الأمن في شمال شرق آسيا عن طريق التوصل إلى تسوية مع كوريا الشمالية -وبشكل خاص من خلال التعهد بعدم مهاجمة نظام كيم أو محاولة الإطاحة به. ولكن الأميركيين من غير المرجح أن يوافقوا على هذا، ولن ترضى كوريا الجنوبية بموافقتهم عليه. وبعيداً عن كل العوامل الأخرى، فهناك سبب سياسي محلي بالغ الأهمية لتحفظ الولايات المتحدة: ذلك أن رئيس الولايات المتحدة الديمقراطية غير مسموح له بأن يبدو "لينا". والأمر الأكثر أهمية، حتى لو أبدت الولايات المتحدة استعدادها لتقديم هذه الضمانات لكوريا الشمالية، فمن المرجح أن تستمر دعاية النظام المجنونة، نظراً لأهمية الخوف من العالم الخارجي في إيديولوجية الزوتشيه.
تتلخص مأساة كوريا في إحجام الجميع عن تغيير الوضع الراهن فعلياً: فالصين تريد الإبقاء على كوريا الشمالية كدولة عازلة، وتخشى تدفق الملايين من اللاجئين إلى أراضيها في حال انهيار كوريا الشمالية؛ ولا تستطيع كوريا الجنوبية بأي حال من الأحوال أن تستوعب كوريا الشمالية كما استوعبت ألمانيا الغربية جمهورية ألمانيا الديمقراطية الكسيرة؛ ولن تستسيغ اليابان أو الولايات المتحدة فكرة تحمل تكاليف التنظيف بعد انهيار كوريا الشمالية.
بناء على ذلك، فإن الوضع المتفجر سوف يظل متفجرا، وسوف يستمر سكان كوريا الشمالية في معاناة المجاعات والطغيان، وسوف يستمر التراشق بكلمات الحرب عبر خط العرض 38. صحيح أن الأمر لم يتجاوز حدود الكلمات حتى الآن، ولكن صغائر الأمور -كطلقة نارية في سراييفو- يمكن أن تؤدي إلى وقوع كارثة. وما تزال كوريا الشمالية تمتلك تلك القنابل النووية.


*أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة في كلية بارد.
*خاص بالـ"الغد"، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكيت"، 2013.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاسلوب واحد (هاني سعيد)

    السبت 20 نيسان / أبريل 2013.
    يظل نوع هذه المشاكل في العالم يسير بوتيرة واحدة لأن المتصدي لها واحد وهو الولايات المتحدة الامريكية التي تستخف بالأمم والدول الضعيفة والفقيرة ولا تريد الا ان تزيد تلك الدوا فقرا وضعفا حتى تبقى مسيطرة على العالم
    كان من الاجدر ان تجد حلولا لهذه الدول بدل ان تقف ندا عنيدا لها وان تخلق نوعا من الحياة العملية والتي يستطيع بها هذه الدول ان توفر العيش الكريم لشعوبها ولكن امريكا تزيد الطين بلة فتعمل على افقارها مما يجعلها تفقد صوابها لتبحث عن مغامرة لخروج من هذا الواقع الذي تعيشه تماما كما هو الحال في الحالة الكورية لأن امريكا تفتقد الى صوت العقل الذي مثله الحكماء في تلك البلد بدلا من الغطرسة