الربيعي يحاضر حول فلسفة التاريخ وهيمنة السرديات الزائفة

تم نشره في الجمعة 19 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً
  • الباحث د.فاضل الربيعي - (من المصدر)

 عزيزة علي

عمان - تحدت الباحث د.فاضل الربيعي حول "فلسفة التاريخ" وهيمنة السرديات الزائفة، مشيرا إلى أن السرديات التوراتية السائدة والمهيمنة تأسست على التاريخ الرسمي في المنطقة العربية والعالم بأسره، على "احتكار الفاجعة".
وتحدث الربيعي في الندوة التي أقيمت ضمن إطار ملتقى الثلاثاء الفكري، وأدارها د.هشام غصيب عن "جذور التوراة"، وقال إن هذه فكرة مركزية تتأسس بدورها على أساس أن الضحية اليهودية ضحية فريدة واستثنائية في عذابها التاريخي، بسبب تعرضها لحادثين استثنائيين، أحدهما موغل في القدم هو "السبي البابلي" والثاني معاصر، وما يزال مستمراً بقوة زخمه الأخلاقي والوجداني وهو "المحرقة النازية".
ورأى المحاضر أن هاتين السرديتين تتلازمان عند النقطة التالية: بما أن الضحية فريدة في عذابها فهي تمتلك كل الشروط التي تجعل من الفارق بينها وبين أي ضحية أخرى، شروطاً غير قابلة للتخطيّ.
ونوه الربيعي إلى أنه عند هذه النقطة تتلاشى مأساة 40 مليون أوروبي، منهم 20 مليون روسي قُتلوا في الحرب العالمية الثانية، وتحلّ محلها مأساة "حرق اليهود في ألمانيا". وتتلاشى مأساة مئات القبائل العربية الوثنية التي تعرضت لاضطهاد الآشوريين، لتحل محلها سردية زائفة لا أساس لها في التاريخ مفادها أن الآشوريين سبوا واضطهدوا اليهود لأنهم يهود؟
ودعا المحاضر إلى كسر احتكار الرواية التوراتية السائدة، والمهيمنة على السرد التاريخي عن السبي البابلي، بإعادة وضعه في إطاره الصحيح، بوصفه حادثا تاريخيا مؤكدا، تعرضت له القبائل العربية البائدة، ومن ضمنها قبيلة عربية تدعى بنو إسرائيل، كانت تدين بدين اليهودية في اليمن.
وبين الربيعي أن هذه القبائل مجتمعة، لا اليهود وحدهم، كانت ضحية أعمال اضطهاد مأساوية وقعت على أيدي الآشوريين، مشيرا إلى القراءة الاستشراقية "الغربية" في هذا الشأن، قائلا إنه يتعيّن علينا الاعتراف بحقيقة أن المصادر العربية والإسلامية المتأخرة تستحق نقدا ًلاذعا، بل وحتى رفضاً تاما لمنطوقها ومضمونها معا.
واعتبر المحاضر "أن الغرض من هذا الاحتكار المنهجي والمنظم للسرد التاريخي، ونسبته بالكامل لتاريخ اليهود وحدهم، كان وباستمرار، جزءا من استراتيجيات احتكار صورة الضحية الفريدة والاستثنائية. وهو يذكرنا بالطريقة التي جرى فيها في القرن الماضي والحالي احتكار رواية الاضطهاد الهتلري لشعوب أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، حين جرى تصوير الحرب وكأنها كانت محصورة في نطاق قضية حرق اليهود في أفران الغاز الهتلرية، وهو ما يعرف بالمحرقة".
وأشار الربيعي إلى أن هذه الرواية لعبت دوراً هائلا في إبقاء الأميركيين أمّة موحدة على مستوى الوجدان العاطفي التاريخي. وللمرء أن يتخيّل ما الذي يمكن أن يحدث لوحدة هذه الأمّة في غياب سردية مركزية من هذا النوع؟ وكيف يمكن صهر الأعراق والثقافات المتنافرة، الأوروبية والشرقية والأفريقية، ومعها العرق المكسيكي؟
ورأى المحاضر أن اللغة العبرية كانت الأداة الهائلة في إنشاء الإطار المناسب لتأسيس وحدة هذه الجماعات المستوطنة، القادمة من أوروبا. ولم يكن ذلك كافياً بطبيعة الحال، فكان لا بد من إنشاء سردية موحدة للوجدان الجماعي، وإعادة روايتها كتاريخ مشترك قديم، يعيد ربط اليهود من كل القوميات بعرق ثقافي جديد، ما فوق قومي، اسمه "بنو إسرائيل"، وبدون أن يعني هذا أنه مجرد اسم لقبيلة.
وتحدث الربيعي عن هيمنة السردية التوراتية على التاريخ في المنطقة، وعلى العالم بأسره، طبقاً لتصورات تاريخية زائفة، لحادثتين وقعتا في عصرين، وتفصل بينهما مئات القرون. وقد أمكن بفضل دمجهما في سياق تاريخي واحد الحصول على سردية جديدة متناسقة، ما تزال حتى اللحظة تهيمن على الدراسات التاريخية بالكامل.
ونوه إلى أن هذه السردية مهدت الطريق بدورها لإنشاء سردية موازية عن اضطهاد جديد يقع هذه المرة في قلب أوروبا، مع صعود النازية، ووقوع ما يعرف بـ"المحرقة النازية لليهود". وهكذا اكتملت فرادة الضحية، وامتلكت بقوة امتيازها الذي سوف يعليّ الفارق بينها وبين الضحايا الآخرين. فهي وحدها ضحية تتكرر مأساتها.

التعليق