حرب بلا نهاية: ثمن عدم القيام بشيء في سورية

تم نشره في الثلاثاء 16 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً
  • لاجئة سورية تحمل طفلها في مخيم قرب الحدود التركية - (أرشيفية)

كريستوف رويتر (ديرشبيغل)
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
أعط نفسك لحظة لتخيل الأمر من المنظور الآخر: تخيل دكتاتوراً سورياً له لحية طويلة -إسلامياً يؤوي المتعاطفين مع القاعدة- يطلق النار على المسيحيين في بلده ويضورهم جوعاً ويقصفهم، ويدع المتشددين المتعصبين يذبحون غير المؤمنين، ويحرق البلد ويحيله إلى رماد. لو كانت تلك الحال، لكان تحالف من الدول الغربية قد سارع إلى التدخل على نحو أسرع من مجرد قولك كلمة: "مالي".
 لكن الناس في سورية ما يزالون يحاولون، منذ عامين وحتى الآن، تخليص أنفسهم من دكتاتور. وقد أمضوا شهوراً وهم يتعرضون لإطلاق النار عليهم أثناء مشاركتهم في مظاهرات سلمية قبل أن يشرعوا في اللجوء إلى المقاومة العنيفة، وهم الآن يتحدون نظاماً ينوي إفناءهم. لكن الأمر يبدو ببساطة وأنهم سيئو الطالع.
وليس من الصعب رؤية السبب: إن معظم هؤلاء الثوار هم سنيون، أو بمفهوم أوسع، مسلمون. وللعديد منهم لحى ويطلقون هتاف "الله أكبر" (كما تفعل الأعداد الأصغر بكثير من الإسماعيليين والدروز والمسيحيين الذين يقاتلون في صفوفهم). كما يعيش السنة أيضاً في المناطق التي يجري قصفها يومياً تقريباً عندما تكون الرؤية جيدة.
يبدو أن نهوض المسلمين ضد حكامهم للمطالبة بتحقيق العدالة لا يناسب، ببساطة، نظرتنا العالمية. وعلى مدار العقود الماضية، تمت تغذية هذه النظرة بالأخبارعن طالبان ورجال الدين المتطرفين الذين ينشرون بذور الكراهية؛ عن قتل "الشرف" والمعارك الدائرة حول رسم كاريكاتوري دانماركي، وأحداث 11/9. ولأنه تم تحميلهم مسؤولية كل ما سمعناه طيلة الأعوام، يجد المسلمون السوريون العالم وهو ينظر إلى كفاحهم بريبة، باعتباره لا يعدو كونه محاولة أخرى لتأسيس ثيوقراطية إسلامية.
لو كان السوريون من إقليم التبت الصيني، لكانت الأمور قد اختلفت. لكن، وكما هو واقع الحال، تم السماح لسلاح الطيران الذي يأتمر بإمرة بشار الأسد بأن يقصف مواطنيه متمتعاً بالحصانة. وتقوم صواريخ السكود بتسوية مجمعات مدينية بالأرض عن بكرة أبيها، بينما تفرغ سورية بالتدريج من أبنائها. وقد مات أكثر من 70000 شخص في الصراع، فيما فرّ من البلاد أكثر من مليون شخص.
منذ البداية، عزف نظام الأسد على وتر المخاوف الغربية عزف الموسيقار الخبير. وقد دان المحتجين السوريين باعتبار أنهم جهاديون أجانب —بينما عمل بالتزامن على إطلاق سراح مئات من مؤيدي القاعدة من السجون. كما فبرك الهجمات وعمل على تحريض مختلف المجموعات الدينية في البلد ضد بعضها بعضا، فقط ليستدير بعد ذلك ويقدم نفسه على أنه سور علماني في وجه النزعة الراديكالية.
وتجد رسالة النظام آذانا صاغية عن رغبة في الغرب، حيث يتم ذكر حقيقة كون الأسد يتحمل المسؤولية الرئيسية عن كل هذا القتل بالكثير من الشك. لكن هذا الذكر يأتي بطبيعة الحال، فقط كمقدمة لتعداد إساءات حقوق الإنسان التي يرتكبها الثوار، حادثة بحادثة، وبهدف الوصول إلى محصلة مفادها أن كلا جانبي الصراع مروعان بنفس المقدار.
ينبغي ... ينبغي... ينبغي
ولا يريد الغرب أن يتدخل. ففي ألمانيا، تبنت الحكومة والمعارضة على حد سواء الموقف القائم على ما يلي: بالإضافة إلى عدم تزويد الثوار بمساعدات عسكرية، فإنه ينبغي تأييد حظر الأسلحة الذي أعلنه الاتحاد الأوروبي. لكن الأمر لا يبدو وكأن المعارضة السورية هي التي تطالب دائماً بالأسلحة مهما كانت الكلفة. بل إن طلبها يميل أكثر إلى أن يكون ملاذاً أخيراً الآن، وقد ذهبت كل نداءاتها الأخرى الموجهة إلى المجموعة الدولية –من أجل الحصول على كل شيء بدءاً من التدخل العسكري، مروراً بفرض منطقة حظر طيران- أدراج الرياح وقوبلت بالرفض.
بالرغم من عدد من النجاحات التي حققها الثوار، فإن قوات النظام ما تزال تسيطر على المراكز في معظم المدن الرئيسية، كما عززت قواتها في ما يكفي من المطارات حتى تتيح لنفسها توجيه ضربات إلى مناطق البلاد التي تحررت، وهو الشيء الذي تفعله بشكل مستمر. ومع أنه لم يعد لدى الأسد أي شيء ليكسبه من هذا الصراع، فإنه ما يزال ثمة الكثير الذي يستطيع تدميره.
بشكل بطيء جداً، يبدو الغرب وأنه يتحول إلى منظور مختلف. وقد عمدت الولايات المتحدة إلى تقديم المساعدات بشكل سري منذ الخريف الماضي، وهي تشحن الأسلحة والذخائر جواً إلى داخل الأراضي التركية -3500 طن وفق صحيفة النيويورك تايمز- ليتم نقلها من هناك إلى مجموعات الثوار السوريين (في داخل سورية). ومع ذلك، لم تصل الكثير من تلك الإمدادات إلى وجهتها مع نهاية شهر كانون الثاني (يناير)، عندما كان قادة الثوار في شمالي سورية ما يزالون يصرفون لمقاتليهم كميات ذخائر محسوبة بعناية. ومع أن حاجة الثوار ماسة لامتلاك صواريخ مضادة للطائرات للدفاع عن أنفسهم ضد الغارات الجوية، فإن واشنطن تمتنع عن تقديم تلك الأسلحة خشية وقوعها في الأيدي الخطأ في نهاية المطاف. وتريد بريطانيا العظمى وفرنسا الآن تزويد الثوار بالأسلحة، لكن الحظر الذي كان الاتحاد الأوروبي قد فرضه مايزال سارياً وما تزال ألمانيا تؤيده وتدعمه.
فكيف إذن لهذا الجحيم المستعر في تلك البقعة من الأرض التي كانت ذات يوم سورية أن يخمد؟ يخرج علينا مؤيدو الحظر بكل أنواع التصريحات، وتبدو كلها وأنها تستخدم نفس الفعل: "ينبغي على الأسد الاستقالة!" و"ينبغي علينا دعم مهمة الأمم المتحدة في سورية!" و"ينبغي أن نوضح لأولئك الذين يدعمون الإسلاميين بأنه من الأفضل لهم التوقف عن ذلك".
ينبغي علينا، لكن من الواضح أننا لا نستطيع -وهناك تكمن المشكلة. ولا يعدو إسناد سياساتنا إلى مناشدات يتم إطلاقها في الهواء، والتي لم تفرز أي نتائج في العامين الماضيين، كونه ضرباً من خداع الذات.
حجج غير منطقية
ثمة العديد من الأسباب الجيدة للامتناع عن الانخراط العسكري في البلدان الأخرى. أما في حالة سورية مع ذلك، فإن بعض الحجج المنطقية التي طرحت كانت ببساطة غير منطقية. فمثلاً، ثمة الحجة التي تقول بأن البلد يتوافر أصلاً على العديد من الأسلحة، ما تنتفي معه الحاجة إلى إرسال المزيد منها إليه. ومن خلال هذا المنطق، استطعنا إعفاء أنفسنا من غزو أفغانستان، ناهيك عن ذكر كل سباق التسلح الذي تم في العقود الأخيرة.
لعل الأمر المثير للفضول فيما يتعلق بالعديد من الساسة الألمان هو أنهم يستمرون في امتداح انخراط ألمانيا في أفغانستان، حتى بالرغم من أنه انخراط فاشل عندما يقاس بالعديد من أهدافه الخاصة. ومع ذلك، تراهم لا يريدون التدخل عسكرياً في حالة تجعل من التدخل أمراً معقولاً. وباتخاذ هكذا موقف، يتجاهل هؤلاء الساسة فارقاً أساسياً: في أفغانستان في العام 2001 وفي العراق في العام 2003 لم تكن هناك ثورة من الداخل، ولا رؤية لشكل مختلف من الحكومة. وبدلاً من ذلك، كانت هناك عملية غزو من الخارج. وكانت الولايات المتحدة قادرة على الإطاحة بصدام حسين وطالبان (من قبله)، ولكنها غير قادرة حتى الآن على خلق حكومتين مستقرتين للحلول محلهما.
 لكن سورية تختلف. فقد أعطت الانتفاضة التي كانت قد بدأت في العديد من الأماكن المختلفة بالتزامن، ومن دون قيادة مركزية، أعطت الدافع لمئات من مجموعات الثوار غير التابعة لقيادة مركزية واحدة، ولكنها مع ذلك تستطيع التعاون بالقدر الممكن. وقد تم تشكيل لجان حكم ذاتي في الأماكن التي طردت منها قوات الأسد. ومع أن ما يسود الأوضاع في هذه اللحظة هو الفوضى العارمة وعدم الكفاية، لكن الناس هناك لا يريدون الفوضى. إنهم يريدون حكومة مختلفة تماماً عن تلك التي كانت تحكمهم وحسب. ويبذل المحامون والناس المنخرطون في الأعمال التجارية والقادة الدينيون والموظفون المدنيون قصارى جهودهم للحفاظ على النظام العام. لكن السؤال المطروح هو: إلى متى سيستمر العمل بهذا النظام؟.
أعذار واهية
لأنهم عانوا من وحشية النظام ومن الجهاديين الذين ما يزالون يكسبون القوة منذ شهور، وبينما يعتصرهم الألم في الوقت نفسه من سلبية الغرب، ولأنهم أصبحوا فقراء بشكل مخيف، فقد أصبح الثوار يميلون إلى الوحشية بينما آثر آخرون الهروب. وثمة المزيد والمزيد من الثوار الذين ينضمون الآن إلى المتطرفين، على الأقل لأن هذه المجموعات تتلقى إمدادات وفيرة من شبكات رجال دين أثرياء في الدول الخليجية. وتعمد مجموعة "أحرار الشام" –وهي واحدة من أكبر مجموعتين متشددتين في داخل صفوف الثوار- "إلى شراء أحدث الأسلحة، لا بل والكثير منها لأنها تتوافر على المال. وفق ما ذكره وسيط في شمالي سورية في كانون الأول (ديسمبر) الماضي.
إن التمسك بذكر هؤلاء الإسلاميين كمسوغ لعدم الانخراط من شأنه خلق خلط بين السبب والنتيجة. ومن الممكن أن أولئك الذين ينافحون عن حظر الأسلحة -كما تفعل المستشارة الألمانية انجيلا ميركل- على أرضية أن تزويد الثوار بالأسلحة يمكن أن يصب المزيد من الوقود على نار الصراع، إنما يسيئون فهم طبيعة النظام والديناميات التي تعمل في هذه الحرب.
يدرج الأسد، بشكل منهجي، على اختبار ما إذا كانت المجموعة الدولية ستعترض على استخدامه الدبابات والطائرات العسكرية العمودية والنفاثات والصواريخ. وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد رسم خطاً فقط عند استخدام الأسلحة الكيميائية. وهو الأمر الذي يرقى -إذا ما نظر إليه من الناحية الأخرى-إلى درجة إعلان أن الولايات المتحدة لن تنخرط في الصراع تحت أي ظروف أخرى. وسيقبل الأسد وجنرالاته بتدمير البلد، مؤثرين ذلك على إرخاء قبضتهم على السلطة. وطالما ظل الغرب يسمح لهم بالاستمرار في هذا النهج، فإنهم سيستمرون.
وأخيراً، يبدو أن هذا هو الأفق الذي نواجهه: بلد مدمر بالكامل فيه 6 ملايين لاجئ بدلاً من مليون لاجئ؛ وحرب أهلية ستجر لبنان مباشرة إلى المحرقة -حرب لن تضع أوزارها مع سقوط الأسد، لكنها ستستمر من دون توقف إلى أجل غير مسمى، والتي تصعد من أوارها دورة العنف والانتقام.
وإذا ما حدث ذلك، فسوف تعمد الحكومة الألمانية إلى إدانته بشدة، بطبيعة الحال.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Price of Inaction in Syria

التعليق