العراق.. من حرب اختيار إلى حرب بلا نهاية

تم نشره في الأحد 14 نيسان / أبريل 2013. 02:00 صباحاً
  • موقع تفجير انتحاري سابق في العاصمة العراقية بغداد - (أرشيفية)

كريستوفر ر. هِل*
واشنطن العاصمة - عندما استعيد نظام البوربون الملكي في العام 1815، قال الدبلوماسي الفرنسي تاليران عن البوربون: "إنهم لم يتعلموا أي شيء ولم ينسوا أي شيء". وبعد مرور عشر سنوات منذ بداية حرب العراق، فإن السؤال هو ما إذا كان أي شخص -سواء في أميركا، أو العراق، أو إيران، أو في دول عربية أخرى- قد تعلم أي شيء من هذه التجربة الرهيبة.
وفقاً لمعايير الحرب الحديثة، فإن خسائر أميركا كانت أقل بكثير من مثيلاتها في صراعات حديثة أخرى؛ قتل في فيتنام أكثر من 12 ضعف الذين قتلوا في العراق. وعلى الرغم من ذلك، فإن حرب العراق أفزعت أميركا في نواح كثيرة. فقد كانت كما أشار العديد من المراقبين، حرب "اختيار"، وهي صياغة نادراً ما استخدمت لوصف حروب أميركا السابقة، هذا إذا كانت قد استخدمت على الإطلاق.
من زاوية خاصة، كانت حرب العراق أول حرب خبرات استشارية على الإطلاق. صحيح أن أعضاء إدارة الرئيس الأميركي جون ف. كينيدي أضفوا طابعاً فكرياً على الحرب وناقشوا مزايا الاستراتيجيات، بما في ذلك مكافحة التمرد. ولكن أياً من ذلك لا تمكن مقارنته بالصراعات الذهنية المتعبة التي أدارت بها واشنطن حرب العراق.
وقد عكس هذا جزئياً التهديد الوجودي الممثل في أذهان كثيرين في الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. فقد قيل آنذاك إن الولايات المتحدة لا بد أن تبدأ في التفكير في الحرب بشكل مختلف. وقال الدبلوماسي الأميركي السابق جورج ف. كينان إن "الديمقراطية تحارب بغضب". ولكن مبدأ "الاستباقية" الاستراتيجي الجديد، الذي زعم كثيرون أنه سوف يحدد شكل صناعة الحرب في القرن الحادي والعشرين، يشير إلى أن الديمقراطيات تحارب أيضاً برهبة.
وهناك في واقع الأمر سبب آخر للحرب، وهو يتلخص في الانقسام الداخلي في أميركا حول ما تمثله البلاد كأمة، وما تمثله من المعاني في نظر بقية العالم. ولم تجِب الحرب عن هذه التساؤلات. بل إن العكس هو ما حدث، فقد خرجت الولايات المتحدة من العراق أكثر انقساماً مما كانت عليه عندما دخلتها.
وبالنسبة للعراق، فإن التعقيدات والتناقضات التي أحاطت بالحرب كانت أكثر وضوحاً. فكل من يزور العراق ويتحدث مع العراقيين سوف يخرج بانطباع مفاده أن تخليص العالم من صدّام حسين كان إنجازاً بالغ الأهمية، بل ولعله كان إنجازاً نبيلا. فقد نافس بطغيانه أعتى طغاة القرن العشرين. وعلى الرغم من ذلك، فشلت الولايات المتحدة عندما سعت إلى تحرير العراق في إجابة السؤال عن الكيفية التي اكتسب بها ذلك الطاغية قوته في المقام الأول، وبالتالي ما هي التحديات التي قد تواجهها في محاولة تغيير النظام.
في نظر البعض، فإن الطائفية التي طفت على السطح في العراق بدت مثل عاصفة صيف مؤقتة. ولكن حتى الأخطاء الفادحة التي تمثلت في اجتثاث البعث (فصل كل المسؤولين العراقيين الذين كانوا أعضاءً في حزب البعث) وتفكيك الجيش العراقي، التدابير التي بلغت من الحماقة حداً يجعل الجميع يحجمون الآن عن الاعتراف بإصدار الأوامر بتنفيذها، لا تكفي لتفسير الأزمة السياسية المستمرة في العراق.
يبقى الاعتقاد سائداً بأن الاقتتال الطائفي بدأ بسبب قرار أميركي أحمق، ثم انتهى بسبب قرار آخر حكيم في وقت لاحق، والذي يتجاهل الدور الذي لعبته الطائفية في البلاد التي تمتد عبر عالم سُنّي شيعي وكردي وعربي. ومن المؤكد أن هذه الانقسامات التي حجبتها سياسات صدّام الشمولية لم تختف في أي وقت من الأوقات.
الواقع أن الانقسام السُنّي الشيعي قائم في العديد من أنحاء العالم العربي. وفي حين رأي الأميركيون في احتجاجات البحرين في العام 2011 طموحات ديمقراطية، فإن أحداً في المنطقة لم يشك في أن المصدر الحقيقي للاضطرابات كان الأغلبية الشيعية المتوترة (التي ربما ألهمها العراق، أو ربما حتى إيران كما يزعم العرب السُنّة) والتي حاولت إسقاط نظام ملكي سُنّي.
ويشير أولئك الذين يزعمون بأن زيادة القوات الأميركية في العراق (وما صاحبها من تدابير جديدة ومحسنة في "مكافحة التمرد") نجحت في التغلب على خط الصدع الطائفي في العراق، إلا أن المشاكل السياسة المستمرة هناك هي نتيجة لسوء إدارة رئيس الوزراء نوري المالكي. فلو كان أكثر ميلاً إلى الديمقراطية، أو لو انه مد يده إلى المجتمع السُنّي -ربما من خلال تقديم حقيبة وزارية أخرى لهم- فإن التفجيرات الانتحارية التي يشنها متطرفون سُنّة في الاحتفالات الدينية الشيعية كانت لتنتهي.
لكن الواقع هو أن الشرق الأوسط، الذي تقاذفته حرب العراق، واضطرابات الربيع العربي، والمواجهة الطائفية في سورية، غير متيقن إزاء أي اتجاه قد تنقله الخطوة التالية: الديمقراطية الليبرالية وسيادة القانون، أم الحكم الإسلامي؟ ومع ذلك، فإن العراق في نظر العالم السُنّي لا يمثل الخطأ الذي لا بد من تجنب تكراره فحسب، بل ولا بد من إصلاحه أيضا. وبالتالي، فإن السُنّة العرب والشيعة الفرس على حد سواء يرون أن العراق ما يزال متاحاً للراغبين، باعتباره قضية وليس بلدا، أي أنها مسألة "لعبة كبرى" من النوع الذي تعوّد عليه العالم تماما.
والواقع أن السعوديين وغيرهم من السُنّة العرب لم يظهروا ميلاً كبيراً إلى جلب العراق نحو الصف العربي، بل تركوه يتحسس طريقه في العالم بنفسه. وتساهم هذه الدول بشكل كبير -كما فعلت في الانتخابات الوطنية للعام 2010- في ما تأمل بأن يكون استعادة لهيمنة السُنّة، عندما يتم تصحيح الخطأ العظيم الذي ارتكبه الأميركيون، وبحيث يصبح العالم العربي كُلاً واحداً.
بعد عشر سنوات من رحيل صدّام، ما يزال مستقبل العراق حيث كان حاله دائماً: بين يدي العراقيين الذين سوف يكون لزاماً عليهم أن يرتفعوا إلى مستوى الحدث. لا أحد يستطيع أن يخلق نظاماً سياسياً مستقراً من أجلهم؛ وبعد رحيل الأميركيين، فإن الجيران العرب المتطفلين والإيرانيين المتلهفين لن يجنوا إلا الخسارة لدى الحكم على العراق بأن يظل مصدراً للمتاعب.
أما بالنسبة للأميركيين، فيتعين علينا أن نتعلم ما حدث في العراق، خشية أن تحكم علينا غطرستنا بخوض مغامرات مماثلة. وعندما يتعلق الأمر بالرؤية التي أرسلتنا إلى هناك، فإن هذا يعني أننا لا بد أن ننسى هذه التجربة أيضا.

*مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون شرق آسيا، وعميد كلية كوربل للدراسات الدولية في جامعة دنفر.
*خاص بـالغد، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكيت،" 2013.

التعليق