اقتصاد المعرفة في أرضية المصنع: وسائل الإنتاج

تم نشره في الأحد 24 آذار / مارس 2013. 03:00 صباحاً
  • مهندس يستخرج جسماً مصنعاً من آلة طباعة صناعية ثلاثية الأبعاد - (أرشيفية)

يوهان سودربيرغ
(لوموند ديبلوماتيك) عدد آذار-مارس 2013

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بالنسبة لبعض المتحمسين، يعتبر التصنيع الرقمي بالطابعات ثلاثية الأبعاد مفهوماً مناهضاً للمستهلك، والذي يعد بعودة إلى روحية الحرفة التقليدية، ويضع حداً للتصنيع في الخارج. لكن هذا ربما لا يكون المستقبل الحقيقي للتقنية.
قد تأتي الثورة الصناعية الثالثة في شكل التصنيع الشخصي أو الرقمي، عندما تمكن صناعة ما كان يمكن شراؤه من المتجر في المنزل باستخدام أدوات مثل قاطعات الليزر والطابعات ثلاثية الأبعاد وماكينات الطحن العاملة بالسيطرة الحاسوبية الرقمية (CNC) (1). وتستند هذه كلها على نفس المبدأ، استخدام البرمجيات للمساعدة في توجيه تحركات أداة آلة. وكانت الآلة التي جذبت انتباه معظم وسائل الإعلام عبارة عن طابعة تستطيع طباعة الأجسام ثلاثية الأبعاد، وهي مزودة بفوهة تقوم بإضافة مادة بلاستيكية لتكوين الجسم طبقة بعد طبقة. ويمكن تحميل تصاميم الأجسام، مثل مقابض الأبواب أو الدراجات الهوائية، إلى الطابعة من خلال شبكة الإنترنت.
وقد أظهرت المواد الإعلامية واحدة من العديد من الطابعات ثلاثية الأبعاد التجارية، لكنه تم تطوير هذه التقنية على يد شبكة فضفاضة من الهواة أو "الصانعين"، الذين تُدعى طابعتهم ثلاثية الأبعاد محلية الصنع RepRap. ويتجذر هؤلاء المصنعون في عالم البرمجيات المجانية الحرة، ويسعون إلى تطبيق نفس القيم والممارسات على التصنيع؛ ويتطلع بعضهم إلى دمقرطة وسائل الإنتاج وإلغاء المجتمع الاستهلاكي. ومن المتوقع غالباً أن تخفض الطباعة ثلاثية الأبعاد تكاليف العمالة وأن تقلل حوافز الشركات للاستعانة بمصادر خارجية بنقل مواقع الإنتاج إلى البلدان ذات العمالة الرخيصة (2). ويؤيد هذه الفكرة، التي هي أقرب إلى وجهة نظر الأعمال التجارية المحترمة، ناشر مجلة "اصنع" Make التي تقوم أيضاً بتنظيم معارض المصنّعين Maker Faires في المدن الرئيسية في الولايات المتحدة.
لاحظت في معرض نيويورك 2011، وجود نوع من التنافر مع المثل الثورية. فقد خُصص ركن من المعرض لـ "قرية-طباعة"، حيث تم تخصيص 20 كشكاً لطابعات RepRap ومشتقاتها العديدة. وكان هناك في الجوار جناح أكبر بكثير يضم عروضاً عديدة لآلات السيطرة الحاسوبية الرقمية المتطورة، مع وجود كشك بارز -كان مخصصاً لجماعة "التحالف من أجل التصنيع الأميركي"، بين مصنعي الصلب الأميركيين و"عمال الحديد والصلب المتحدين" (USW). وكانت هناك يافطات بالأحمر القوي، والابيض والأزرق، كتبت عليها الرسالة "أبقوها مصنوعة في أميركا". وكانت هناك مضيفة توزع شارات تحمل نفس الرسالة، وقالت لي أنها تجد مفارقة في قيامها بذلك هنا، وهي تقف إلى جوار الآلات المنحدرة من التكنولوجيا التي ساهمت كثيراً في تدمير وظائف المصانع في الولايات المتحدة والأماكن الأخرى.
وقد أظهر المؤرخ ديفيد نوبل أن آلات السيطرة الحاسوبية الرقمية خرجت من رحم آلات التحكم العددي (N/C) –وهي أدوات آلية مؤتمتة- نشأت في سياق الحرب الباردة (3)، ومولت تطويرها العقود العسكرية إلى حد كبير. وقد ساد الاعتقاد بأن هذه التكنولوجيا حاسمة في سباق التسلح ضد العدو الشيوعي، والكفاح ضد النقابات؛ وكان أحد المصادر الرئيسة لقوة الاتحاد هو احتكار العمال لمعرفة خبايا عملية الإنتاج.
خداع أصحاب العمل
شخص فريدريك دبليو. تايلور فكرة ذلك في مبادئه للإدارة العلمية، حين كتب: "يتحمل المديرون... عبء الجمع بين كل من المعارف التقليدية التي كان العمال يمتلكونها في الماضي، ثم تصنيف وتبويب، واختزال هذه المعرفة إلى قواعد وقوانين وصيغ، والتي تكون مفيدة بقدر هائل للعمال لدى أدائهم واجباتهم اليومية." وتصف الصفحات السابقة لهذا الاقتباس الطرق التي تمكن العمال من التظاهر بأنهم يعملون بأقصى السرعة لخداع أرباب عملهم. وكان لا بد من وضع علامة فارقة لمتوسط الأداء بحيث يمكن الكشف عن العمال الكسولين والذين يغشون. لكنه عندما تم إرسال المهندسين لقياس إنتاجية العامل، فقد تعلم العمال كيف يخدعونهم هم أيضاً.
ويمكن فرض الامتثال قسراً من من خلال تصميم الآلات. وفي أوائل القرن 19، سافر عالم الرياضيات البريطاني تشارلز باباجCharles Babbage  لمراقبة مختلف فروع الصناعة، ثم أنتج بعد ذلك قائمة بآليات بارعة التي يمكن من خلالها ضمان نزاهة الخدم والعمال في غياب سادتهم. وقد أعلن: "إحدى الميزات الكبيرة التي يمكن أن نجنيها من الآلات هي من الفحص الذي تتيحه ضد الغفلة، والكسل، أو خيانة الأمانة من العنصر البشري" (4). ويتم تذكُّر باباج بشكل رئيسي باسم "أب الحواسيب"، وذلك بسبب تجاربه الرائدة في الآلات الحاسبة؛ وكانت "محركه التحليلي" مبرمجاً بواسطة البطاقات المثقبة، وهي "البرمجيات" التي تم استخدامها بعد قرن لاحق في آلات التحكم العددي N/C.
وشرح نوبل كيف حققت البرمجيات حلم السيطرة لكل من باباج وتايلور: "في الأساس، كانت هذه مشكلة التشغيل الآلي للبرمجة وأتمتتها، تحويل آلة عالمية، مؤقتاً، إلى آلة تستخدم للأغراض الخاصة من خلال استخدام "برامج" مختلفة -مجموعات من التعليمات المخزنة على وسيط دائم وتستخدم للتحكم في الجهاز. ومع البرمجة المؤتمتة، يتطلب إحداث تغيير في المنتج فقط تحويلاً في البرامج بدلاً من الاعتماد على الميكانيكيين لإعادة تزويد الآلة نفسها بالأدوات أو إعادة ضبطها."
وكان الهدف من تقليل اعتماد المديرين على مشغلي الآلات المهرة حافزاً وراء تطوير تكنولوجيا التحكم العددي، وكذلك الحاجة إلى تصنيع أجزاء لا يمكن بناؤها يدوياً بسهولة، وضرورة زيادة الإنتاجية، وبالقدر الذي كان يعني الباحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، تحصيل متعة حل المسائل الرياضية. ويقول نوبل بأنها كان يمكن أن تكون هناك بدائل ذات عواقب سلبية أقل بالنسبة للعمال، لكنها تمت عدم متابعتها إليها عمداً (5).
ذاكرة مكبوتة للمصنعين
كل هذا يضع الادعاءات المتحمسة المتعلقة بالطابعات ثلاثية الأبعاد في منظورها الصحيح. ويقول أحد الادعاءات بأن العمال الأميركيين المسرّحين من أعمالهم يمكن أن يجدوا مصدراً جديداً للدخل من خلال بيع السلع المطبوعة عبر الإنترنت، وهو ما سوف يشكل تحسناً، حيث يتم استبدال وظائف المصانع المتدهورة بفرص عمل أكثر إبداعاً، وإنما بوظائف مصنعية ليست رتيبة. وقد تم جعلها كذلك عمداً، في جزء كبير، من خلال إدخال نفس التكنولوجيا التي يتوقع أن تستعيد الصناعات الحرفية بروحها القديمة. وينبغي النظر إلى حركة "صانعون" على أنها نتيجة تاريخية لنفي وتغريب الحركة العمالية. والعديد من الصانعين رفيعي المستوى هم من طلاب ومعلمي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي لعب هذا الدور الحاسم في خلق تكنولوجيات آلات التحكم العددي وآلات السيطرة الحاسوبية الرقمية. ويعود هذا التاريخ كذكرى مكبوتة بالنسبة للصانعين، المهوسين بالمصانع المهجورة وساحات الخردة. وعادة ما تظهر ديترويت، وهي رمز عالمي لنزع التصنيع، بشكل متكرر في مجلة "اصنع" والموقع الإلكتروني المرتبط بها (6).
قامت كاترين فيسك، وهي محامية، باستعراض التجارب القديمة في الولايات المتحدة التي حدثت فيها مواجهات بين أرباب العمل والمستخدمين حول ملكية الأفكار. في أوائل القرن 19، كانت المحاكم تميل إلى احترام حق العمال العرفي بالاستفادة من المعارف التي يكتسبونها في مكان العمل، ورفضت المحاكم محاولات أرباب العمل المطالبة باحتكار القدرات العقلية للعمال المدربين البيض، لأن ذلك كان وثيق الشبه بالعبودية. وعندما أصبحت معرفة العمال مقننة، تحول ميزان القوى، وبدأت المحاكم بالدفاع عن دعاوى الملكية لأرباب العمل (7). ويضفي ذلك جانباً مختلفاً على فكرة بحث الصانعين عن بدائل لحقوق الطبع والنشر، مثل تراخيص البرمجيات الحرة والإبداعية. وقد حذر بعض الباحثين من أن ذلك قد ينتهي بالعمال وقد أصبحوا يستغلون أنفسهم (8). وهناك منصة لتوظيف الجمهور crowdsourcing* والتي تملكها شركة "أمازون" حيث تتم دعوة مستخدمي الإنترنت لأداء مهام بسيطة، مثل تحديد هوية أشخاص في صور. ويبلغ متوسط دخل "المستخدم" 1،25 دولار في الساعة (9).
ثمة الآن خطط قيد الإعداد فعلياً لدمج الطابعات ثلاثية الأبعاد المنزلية في خط إنتاج مرن،؛ ومن السهل أن نرى كيف يمكن أن يؤدي هذا إلى الضغط هبوطاً على الأجور في هذه الصناعة. وعندما اقترحت هذا على أدريان بوير، المحرض على مشروع RepRap، وافق، لكنه قال: "قد لا يكون هذا الأمر سيئاً للعمال، لأنهم لن يضطروا إلى شراء نفس عدد الأشياء من المتاجر" وهكذا، يجب أن يخاض النضال على نقطة الاستهلاك، ويشتمل على تشريعات الملكية الفكرية، وتصميم الأدوات المتاحة لعامة الناس.
وفي حين أن بعض الهواة يسعون جاهدين لتطوير آلة تستجيب لمثلهم العليا عن توزيع الإنتاج، يدعم أصحاب المشاريع والمستثمرون ومحامو الملكية الفكرية فكرة مختلفة جداً عما يمكن أن تصبح عليه الطابعة ثلاثية الأبعاد. وقد حددت الحصص في "مشروع قانون حقوق التكنولوجيا" الذي اقترحته في العام 1981 الرابطة الدولية لمشغلي الماكنات (IAM)، عندما كانت آلات السيطرة الرقمية المحوسبة تشق طريقها إلى داخل قطاع الصناعة التحويلية. وقد أعلن البيان: "إن تقنيات الأتمتة الجديدة والعلوم التي تستند إليها، هي نتاج تراكم المعرفة في جميع أنحاء العالم منذ قرون طويلة. ووفقاً لذلك، فإن للعاملين ومجتمعاتهم الحق في المشاركة في القرارات المتعلقة بالتكنولوجيا الجديدة، والمكاسب المتحققة منها."


* Johan Söderberg: هو عالم الاجتماع في جامعة شرق باريس  ومعاهد إفريس ولاتز.
 المراجع:
(1) الإيكونوميست، لندن، 21 نيسان (أبريل) 2012.
(2) انظر لوران كارو، "نزع السلاح الاقتصادي في أوروبا"، لوموند ديبلوماتيك، الطبعة الإنجليزية، نيسان (أبريل) 2012.
(3) ديفيد نوبل، "عن قوى الإنتاج: تأريخ اجتماعي للأتمتة الصناعية، ترانس أكشن للنشر، بيسكاتواي (نيو جيرسي)، 2011.
(4) تشارلز باباج، "عن اقتصاد الآلات والمصنوعات" (الطبعة 4)، فارس تشارلز، لندن، 1835.
(5) فيليب سكرانتون، "العروض والتدفقات: المواد، والأسواق والابتكار في صناعة أدوات الآلات الأميركية، 1945-1965"، مجلة تاريخ التكنولوجيا، المجلد 25، العدد 3، سبتمبر 2009.
(6) سارة تشوتشيتي" بيولوجيو ‘اصنعها بنفسك’" كصانعين للبيولوجيات الشخصية: كيف تسهم مجلة "اصنع" ومعارضها في تكريس البيولوجيا كتكنولوجيا شخصية"، مجلة إنتاج الأقران، العدد 2، 2012. انظر أيضا ستيفن هاي وديفيد لويس، "الأرض اليباب للشركات: المشهد وذاكرة تصفية الصناعات، مطبعة آي إل آر، إيثاكا، 2007.
(7) كاثرين فيسك، "معرفة العمل: إبداع العاملين وصعود الملكية الفكرية للشركات، 1800-"1930، مطبعة جامعة كارولينا الشمالية، تشابل هيل، 2009.
(8) انظر بيير لازولي: "الذكاء الصناعي الاصطناعي"، لو موند ديبلوماتيك، الطبعة الإنجليزية، آب (أغسطس) 2006.
(9) ليلي الإيراني، "التشكيل الصغير للجمهور".
*استخدام الجمهور crowdsourcing: عملية الحصول على الخدمات اللازمة، والأفكار، أو المحتوى من خلال التماس المساهمات من مجموعة كبيرة من الناس، وخاصة من المجتمع على الانترنت بدلا من المصادر التقليدية من الموظفين أو المزودين.

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: The factory-floor knowledge economy: Means of production

 

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق