لماذا تبقى وحدة أوروبا مهمة؟

تم نشره في السبت 16 آذار / مارس 2013. 03:00 صباحاً
  • الحوار حول وحدة أوروبا: مصافحة أم مكاسرة - (أرشيفية)

هارولد جيمس*

برينستون- تُرى ما الغرض من أوروبا؟ من الواضح أن خطر التفكك المتفجر الذي يهدد منطقة اليورو -ومعها الاتحاد الأوروبي- بدأ ينحسر. ولكن النتائج الملتبسة في انتخابات إيطاليا البرلمانية الأخيرة، التي أسفرت عن هيمنة الحزب الذي خاض الانتخابات ببرنامج مناهض للاتحاد الأوروبي على مجلس الشيوخ، ووصول أغلبية مؤيدة لأوروبا إلى مجلس النواب، كانت سبباً في إحياء المناقشة الجوهرية حول الغرض من التكامل الأوروبي.
يواجه الأوروبيون صعوبة في إيجاد وسيلة إيجابية لوصف الممارسة التي انخرطوا فيها على مدى العقود الستة الماضية. ويزعم أحد التفسيرات الشائعة أن التكامل يجعل الناس أفضل حالاً، فمن المفترض أن تكون الوحدة أساساً للازدهار والرخاء. وكان المدافعون عن السوق المشتركة يروجون لها في مستهل الأمر بالحديث عن المكاسب المترتبة على زيادة التجارة. وكانت الحجة في تأييد تكامل سوق رأس المال ثم العملة الموحدة مماثلة.
كل هذا يذكرنا ببعض الحجج القوية التي سيقت في القرن التاسع عشر حول التكامل الوطني والوحدة. وبشكل خاص، كان البلدان اللذان أكدت مشاكلهما على الحاجة إلى التكامل الأوروبي في القرن العشرين -ألمانيا وإيطاليا- مختلفين إلى حد كبير على الصعيدين الثقافي والسياسي. وفي كل من البلدين، أفسحت القومية الرومانسية في أوائل القرن التاسع عشر المجال أمام نوع مفهوم من الهوس بالقوى الاقتصادية بعد ثورة فاشلة في العام 1848.
وقد وصف الصحفي الألماني البارز لودفيج فون روشاو، الذي صاغ مصطلح السياسة الواقعية، المزاج الألماني الجديد عشية آخر حروب التوحيد التي خاضها أوتو فون بسمارك. لم تكن الوحدة الألمانية مسألة رغبة منبعها القلب؛ بل كانت بمثابة "صفقة تجارية دنيوية، لا ينبغي لأحد أن يخسرها، لكنه يتعين على الجميع أن ينتزعوا لأنفسهم أكبر قدر ممكن من مكاسبها".
وقد تبنى الإيطاليون الاعتقاد ذاته بعد خيبة أملهم في العام 1848. فكان بوسع الحس الوطني أن يعمل على توليد الفرص التجارية. وقد خلص رجل الدولة الليبرالي الفلورنسي العظيم بيتينو ريكاسولي، إلى أن توسكانا كانت ببساطة غير قادرة على البقاء مالياً من تلقاء ذاتها.
ونجح هذا النوع من القومية الاقتصادية في ألمانيا وإيطاليا لفترة وجيزة في إنتاج تحالفات مصالح قامت بدعم التحرك نحو التوحيد الوطني تحت زعامة بسمارك وكافور. ولكن يبدو أن مصداقية المشروع الوطني انهارت عندما تعثر النمو، الأمر الذي أدى إلى ظهور الحركات التي ناصرت التأكيد العدواني التصادمي العنيف على الهوية الثقافية.
وماريو مونتي هو سليل القرن الحادي والعشرين لأولئك الوطنيين المنتمين إلى القرن التاسع عشر الذين زعموا أن الضرورة الاقتصادية تفرض الوحدة الوطنية. والآن أصبحت الوحدة الأوروبية مطلوبة لأسباب اقتصادية. إن هذه الرؤية لأوروبا ليست مثالية؛ فهي تهتم ببساطة بالكيفية التي قد يستفيد بها الإيطاليون من الوحدة الأوروبية. ومثل إرهاصاتها في القرن التاسع عشر، فإنها عُرضة لنكسات شديدة، وخاصة عندما يبدو الأمر وكأنها لا تجلب سوى الألم والمعاناة.
وعندما يُنعِم الأوروبيون النظر إلى المستقبل اليوم، فإنهم لا يرون سوى الركود المطول والتقشف. فأوروبا لم تعد تعني شيئاً سوى التضحية: حيث يدفع الأوروبيون في الشمال ثمن المتاعب التي تواجهها بلدان جنوب أوروبا في هيئة تحويلات ضخمة، أو يسدد الأوروبيون في الجنوب مستويات مضنية -وربما تكون مستحيلة- من الدين.
وهناك نوع مشابه من الحجج الاقتصادية التي تساق لصالح الوحدة الأوروبية، وهو يتلخص في الزعم بأن التكامل المعزز من شأنه أن ييسر عملية تمويل الدين، لأن أسعار الفائدة أدنى. وكان خفض تكاليف الاقتراض يشكل دافعاً قوياً في تسعينيات القرن العشرين بالنسبة لحكومات جنوب أوروبا للانضمام إلى الاتحاد النقدي. ولكن تكاليف الانتقال إلى بيئة غير متعثرة باهظة.
وهنا قد يفيدنا حدث تاريخي مماثل. فقد فرضت فرنسا في النظام القديم شبه العجز عن سداد الديون على دائنيها من خلال خفض أسعار الفائدة وتمديد فترات الاستحقاق. وفي ثمانينيات القرن الثامن عشر نشأ إجماع جديد ضد مثل هذه التدابير. ولكن استحالة زيادة العائدات في ذلك الوقت أدت إلى اندلاع الثورة الفرنسية، حيث طالب الثوريون بفرض ضرائب المصادرة على النخبة الغنية.
إن البديل عن التفكير في التكامل الأوروبي كوسيلة لتوليد الثروة والرخاء كثيراً ما يتخذ له قياساً على الزواج. ففي ثمانينيات القرن العشرين على سبيل المثال، أثار جاك ديلور رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك فكرة أوروبا ذات السرعتين، مقترحاً أن دولة أو اثنتين قد تحتاجان إلى "نوع مختلف من عقود الزواج".
كان تشبيه الزواج يستخدم في البداية للإشارة إلى أن العلاقة الأوروبية كانت علاقة استثنائية مانعة. فكان الأوروبيون يتمتعون بعلاقة فريدة لا ينبغي لأحد -وخاصة الولايات المتحدة- أن يتدخل فيها. وعلى حد تعبير دومينيك شتراوس كان، عندما كان وزيراً لمالية فرنسا في العام 1977، "إن المتزوجين لا يريدون أغراباً في حجرات نومهم".
بيد أن الزواج قد يتحول إلى مؤسسة مشحونة بالمشاكل والمتاعب (كما يعلم شتراوس كان أفضل من أغلب الناس). ويرى الصحفي الاقتصادي البريطاني مارتن وولف أوروبا وكأنها زواج لا يحول بينه وبين الانهيار سوى تكاليف الطلاق الباهظة. ويرى آخرون أنه زواج صوري.
إن عهود الزواج التقليدي تفرض التزاماً يربط الشريكين مهما تغيرت الظروف: في السراء والضراء، في المرض والصحة. وحتى إذا لم يسفر الزواج عن تحسن أحوال الشريكين فلا مناص من الالتزام به. لذا فإن الجيران الذين اشتهروا بماض من المشاكسة أو العنف لا يُنصَحون أبداً بالتصالح عن طريق الزواج.
إن المشكلة تتلخص في عدم إدراك الأوروبيين للمعنى الحقيقي للزواج ولماذا يتعين عليهم أن يرتبطوا برباط الزواج. ففي خضم افتتانهم بوعود الرخاء المادي والأمن، بالغوا في توقعاتهم فتصوروا حياة زوجية رومانسية هانئة.
إن تشبيه وعكة أوروبا الحالية بالزواج التعيس مفيد على الرغم من كونه محبطا. فهو على الأقل ينبئ الأوروبيين بأن الارتباط بينهم لا يرجع إلى أسباب مادية فقط. ولكن، وإلى أن يستوعب الأوروبيون هذا الدرس حقا، فيتعين على أوروبا أن تعد نفسها لمزيد من النكسات والكبوات، وهو ما يعني أنه ما يزال لزاماً عليها أن تجيب عن سؤال جوهري: لماذا يتعين عليها أن تصمد حتى النهاية، وخاصة في وقت حيث يختار المزيد والمزيد من الأوروبيين عدم الزواج على الإطلاق؟


*أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون، وأستاذ التاريخ في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا، ومؤلف كتاب "صُنع الاتحاد النقدي الأوروبي" مؤخرا.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكيت"، 2013.

التعليق