ميليشيات سورية العديدة: من داخل فوضى الثورة المناهضة للأسد

تم نشره في الجمعة 15 آذار / مارس 2013. 03:00 صباحاً
  • متشددون سوريون في صفوف الجيش السوري الحر - (أرشيفية)

رانيا أبوزيد — (مجلة تايم) 5/3/2013

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ما يزال الثوار في سورية عالقين في حرب دموية مع نظام الرئيس بشار الأسد منذ نحو العامين. لكن، وطوال 27 يوماً بعد تشكيلها في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، لم تتلق القيادة العسكرية للجيش السوري الحر -التي انتخبها 550 مندوباً للثوار، والمكلفة بمهمة قيادة وضبط المجموعات المتعددة على الأرض- لم تتلق الكثير من الذخيرة من داعميها العرب والغربيين. وقد هدد ذلك الافتقار إلى المساعدة بسحق المصداقية الوليدة للقيادة العسكرية في أوساط الرجال المسلحين في داخل سورية.
وقد حلت هذه القيادة التي يترأسها رئيس الأركان العماد أركان حرب سليم إدريس، محل القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية (التي كانت قد تشكلت قبل أقل من ثلاثة شهور)، والتي تخلت عن السجال مع الذين يسمون أنفسهم قادة الجيش السوري الحر المتمركزين في تركيا، العقيد رياض الأسعد واللواء مصطفى الشيخ، الذين لم يعودوا أكثر من شخصيات صورية.
يقول إدريس لمجلة تايم في مقابلة أجريت معه في فندق في أنطاكية جنوبي تركيا، إنه بعد 27 يوماً من المناشدة "تم فتح الصمام" (وتتمركز القيادة في داخل سورية، على الرغم من أنها قريبة من الحدود التركية). ويبقى تحت رحمة المزودين الذين امتنع عن تسميتهم، لكنهم معروفون جيداً بشكل رئيسي: المملكة العربية السعودية وقطر، بمباركة تركيا والدول الغربية. وأضاف إدريس: "يقدم إخواننا في الميدان طلبات، وكأنني أتوافر على النفوذ عند مزودينا. إنني لا أستطيع إجبارهم على إعطائنا الذخائر. إذا قالوا: لا نريد إعطاءكم أي شيء، فماذا استطيع أن أفعل؟".
 ولا ينتظر الرجال على الأرض بالضرورة إمدادات إدريس- فقد أصبحوا بارعين في استجداء الأسلحة والذخائر وشرائها من السوق السوداء الإقليمية أو من الجنود الفاسدين في النظام، أو استخدام غنائم الحرب وتكديس أسلحتهم وصواريخهم وأجهزة تفجيرهم البدائية. وقد تطلب الأمر سنتين تقريباً من الحرب الأهلية الطاحنة حتى توافروا على هذه المهارات.
لكن، إذا أرادت القيادة العسكرية لتتمكن من النجاح في ربط الفصائل والمليشيات معا، والتي تشكل الثورة، فإنها تحتاج إلى نوع من الرافعة، ويفترض أن يكون تدفق الأسلحة والذخائر إلى داخل سورية هو طريقتها للعمل. وبالرغم من أن هناك تقارير عن دفعات جديدة من الأسلحة يجري نقلها بشكل مكوكي عبر حدود سورية الجنوبية وحدودها الشمالية، فإن إدريس يقول إنها كلها ليست بكافية. ويضيف: "إننا نحتاج إلى ما يتراوح بين 500-600 طن من الذخائر في الأسبوع. لكننا نحصل على 30-40 طنا وحسب. وهكذا، لكم أن تجروا حساباتكم".
ولم ترغب المعارضة السياسية السورية حتى في حضور مؤتمر دولي عن سورية في روما مؤخراً، في انعكاس للغضب الذي يشعر به العديدون من معارضي الأسد بسبب الافتقار إلى دعم خارجي قوي. وفي النهاية، ذهب رئيس تحالف المعارضة معاذ الخطيب، ولكنه لم يكن يتأثر بالتزام وزير الخارجية الأميركي جون كيري بتقديم مساعدات "غير قاتلة" بقيمة 60 مليون دولار، والتي تقدم مباشرة لمجوعات ثوار مسلحة منتقاة. وإذن، كيف ستنجح القيادة العسكرية في فرض سلطتها عندما يكون كل سابقيها قد فشلوا إلى حد كبير، كما أن المجموعات الإسلامية خارج الجيش السوري الحر (الذي يعد في حد ذاته مظلة مفككة الأوصال وحسب) آخذة في النمو في الهالة والنفوذ؟
 إن المسألة لا تتعلق بتقديم دعم مادي -فالوعد بالمكانة يلعب دوراً أيضاً. وعلى الرغم من وجود وحدات جهادية إسلامية من مختلف الأشكال في داخل الجيش السوري الحر، فثمة مجموعات ضخمة أخرى مستقلة، مثل كتائب أحرار الشام وجبهة النصرة السلفيتين، والتي تقدم أقوى الوحدات الإسلامية وتضخها في داخل صفوف الثورة. وتعتبر الولايات المتحدة جبهة النصرة تنظيما إرهابياً مرتبطاً بالقاعدة، مع أن المجموعة تنفي هذا الأمر وتحظى بالاحترام في داخل نطاق الثوار الآخرين بفضل شجاعتها القتالية. وهناك بعض وحدات الجيش السوري الحر التي تنضم لكتائب الأحرار وجبهة النصرة -ليس فقط لأن شبكات دعمهما تبدو أكثر ثباتاً، وإنما لأنه أصبح من الشائع أن يُنظر إلى ذلك على أنه نوع من التخرج أو الترقية، وهو ما يعد اعترافاً بأن وحدة معينة من الجيش السوري الحر أو مقاتل معين أصبح جيداً بما يكفي ليصبح جزءاً من المقاتلين الذين يحظون بجل الاحترام ويتمتعون بأكبر قدر من الانضباط. ولا يضر أن "الأحرار" و"الجبهة" ترفضان مقاتلين، غالباً بأنهم لا يُعتبرون واعين بما يكفي، جاعلتين القبول في عضوية المجموعتين شكلاً من الإنجاز.
في العديد من المعارك الأخيرة في محافظة إدلب، على سبيل المثال، تولت المجموعتان السلفيتان الريادة التنظيمية، حيث كانت مشاركة المجموعات الأخرى تتم عبر توجيه الدعوة وحسب. وتمتلك الجبهة، بشكل خاص، السلطة التي يفتقر إليها الجيش السوري الحر لأنها تحارب بضراوة -غالباً في كل جبهة من خطوط النار- وهي تعتبر "نظيفة" وغير مشوبة بالفساد، ولأن رجال الدين لديها يستطيعون تقمص سلطة المحكمة الشرعية. فمن هي المجموعة التي تجرؤ على الخروج عن سلطتها بعد أن تكون قد تعهدت بالطاعة أو الولاء للمحكمة الدينية؟
وفي نفس الوقت، ثمة عدد من المجموعات الإسلامية -بما فيها أحرار الشام، وإنما ليس جبهة النصرة- والتي تجمعت في كتلة تدعى "الجبهة الإسلامية السورية"، وهو ائتلاف يقول أنه يخوض قتالاً في "حرب ذات جبهتين"- لإسقاط الأسد ولبناء "مجتمع حضاري إسلامي في سورية".
وثمة بعض أعضاء الجبهة الإسلامية، مثل علي علوش، قائد كتيبة الشهيد حمزة في مدينة معرة النعمان في جنوبي محافظة إدلب، ممن يقولون إن الافتقار إلى الدعم قد قادهم للانضمام إلى الائتلاف الإسلامي. ويقول علوش: "إننا لم نكن إسلاميين. ولم تكن فلسفتنا الإسلامية وفهمنا مثل تلك التي لدى الشعب السوري راهناً. ولكن مع تقدم الوقت، نما إيماننا بالله واعتقادنا بأنه هو الوحيد الذي يستطيع إنهاء هذا الوضع، وبأنه ليس لنا سواه. وهكذا، فمن الطبيعي أن تكون أفكارنا قد تطورت تماماً مثلما حدث في الدول الإسلامية الأخرى التي تواجه هذا الوضع، باتجاه التطرفية، وقد دفعنا الغرب إلى هذا الوضع".
وفي خضم كل ذلك، كانت أحدث مبادرة أميركية تقضي بتقديم مساعدات مباشرة غير قاتلة للثوار، بما في ذلك الدروع الجسدية. لكنه يوجد في سورية بعض الدروع الجسدية المقدمة من الولايات المتحدة أصلاً، وهي ليست ما يريده الرجال المقاتلون على الأرض. وقال لي أحد المقاتلين في محافظة إدلب مستبعداً الصداري والخوذ: "هل تعرفين كم عدد رجال الأسد الذين قتلناهم ممن كانوا يرتدون هذه؟" وأضاف: "تستطيع الولايات المتحدة الاحتفاظ بها لنفسها، لأننا نسعى إلى الشهادة عموماً. إننا نحتاج إلى أسلحة ثقيلة".
 وبينما يتبنى بعض الثوار شكلاً محموماً من التدين، اختار آخرون ممارسة النشاط الإجرامي. فلجأت بعض المجموعات إلى الاختطاف، أحيانا للانتقام، وإنما في غالب الأحيان لتأمين المال لشراء الأسلحة مثل المدافع المضادة للطائرات. (مدفع 14.5 ملم شائع؛ ويعتبر المدفع الأكبر من عيار 23 مم على نطاق أوسع رمزاً لمزيد من المكانة بسبب حجمه، بينما يعد مدفع 12.7 ملم المتواضع قديماً تقريباً)، كما يباع ضحايا الاختطاف من مجموعة لأخرى. وفي أحد الأيام مؤخراً، سمعت التايم مصادفة قائداً يقول إن مجموعة أخرى عرضت عليه بيع ثلاثة مدنيين في مقابل مليون ليرة سورية حوالي 14.150 دولار، كما أنهم سيعطونه مدنياً رابعاً مجاناً (على البيعة).
وكان من المفترض أن تكون البنى التسلسلية المتنوعة للجيش السوري الحر، بما فيها المجالس العسكرية الإقليمية الأربعة عشر، بمثابة الصنابير التي تمد بالأسلحة والذخائر وتشكل بذلك رافعة مع المجموعات المقاتلة. لكنه لم يسبق للمجالس العسكرية أن كانت الصنبور الرئيسي أبداً، وهي بالتأكيد ليست كذلك الآن. ويقول العقيد عفيف سليمان، رئيس المجلس العسكري في إدلب، إنه يوضح أن لديه القليل ليقدمه للكتائب التي هي جزء من المجلس. ويضيف: "إنهم يعرفون أن المجالس هي مجرد طريقة لتنظيم نشاطاتهم، وهم لا يتوقعون أي شيء آخر منها". ويقول أيضاً: "إذا قال جماعة ما إنهم يقاتلون في هذه المعركة، وإذا لم يكن هناك دليل، وإذا لم يكن الشخص مسجلاً، فمن سيصدقه؟ إن المجلس هو وسيلة لتنظيم وإثبات مشاركة الناس والمجموعات". وبكلمات أخرى، هو مأمور مستودع يحفظ السجلات ويوزع الأسلحة والذخائر بين الفينة والأخرى. ومن جهته، يقول صديق ورفيق علوش في معرة النعمان، رداد خلوف، قائد معرة درعا التي تعد جزءاً من كتيبة صقور الشام الإسلامية، إن المجالس العسكرية تفعل أكثر من تولي المسؤولية -ويعترف بأنهم كرسوا الشقاق داخل صفوف الثوار عبر محاولة تصغير إدارة الوحدات على الأرض، نزولاً إلى انتقاء قائد المجموعة، على سبيل المثال، مع التهديد بوقف الإمداد بالذخائر. وقال خلوف: "في البداية، كانت لدينا عصي وبنادق بومبكشن، وسنعود ثانية إلى العصا والبومبكشن بدل أن يفرض أحد ما وجهات نظره علينا". ولديه نفس الرأي عن الداعمين الدوليين للثوار وأجنداتهم المعروفة.
وما يزال كل من علوش وخلوف، مثل العديدين غيرهم، يقولون إنهم يرحبون بتشكيل القيادة العسكرية، لكن وكما يقول خلوف: "إننا نحتفظ بالحكم حتى نرى ما لديه ليعرضه".
 وهي وجهة نظر يجري اعتناقها على نطاق واسع، وتجعل إدريس، رئيس الأركان، يتخذ موقفاً عدائياً. ويقول إدريس: "هل يسألون أنفسهم أين يفترض أن أحصل على الأموال؟ هل أنا حكومة؟" ويضيف: "كل شخص أصبح محللاً، من المقاتل إلى القائد، إلى شخص ليس له دخل بأي شيء، إلى اللاجئ".
 وبالرغم من ذلك، يقول إدريس إن المجلس العسكري يتلقى الدعم من مجموعات يعتبرها غير فعالة، ويحتفظ بالإمدادات لأولئك الذين يعتبرهم جديرين بها استناداً إلى نتائج المعارك  في الميدان. وفي الأثناء، ينفي كون المسألة شبيهة بشبكات الرعاية التي أسسها كبار المنشقين في الماضي، حيث كان التحبيذ لوحدات معينة في الغالب يستند إلى ما هو أكثر قليلاً من الولاء الشخصي للمنشق الرفيع. ولا يعتقد إدريس بأن الأمر سيكرس الندية الموجودة أصلاً داخل صفوف الثوار لغاية التمويل والأسلحة، وإنما يعتقد بأنه سيكون في وضع أفضل لاجتثاث المجموعات غير الفعالة.
ثمة مركز عمليات يرسل المراقبين إلى ميدان المعركة للمراقبة والإبلاغ عن من حارب وأين وكيف، والذين تخلوا عن مهماتهم، والذين استجابوا للنصيحة، والذين عملوا جيداً مع آخرين، والذين جلسوا وراء وراقبوا وانتظروا للتحرك والحصول على الغنائم. ويقول إدريس: "خذ القائد (اكس) الذي كان في الماضي، من أجل التأثير على رعاته وراء البحار أو أولئك المحليين، يذهب ويطلق بضعة صواريخ، ويثير قليلاً من الغبار، ويصور المشهد ويحمله على اليوتيوب بحيث يستطيع القول- انظروا، لقد عملت- الآن، لم تعد الأمور كذلك". فالقيادة العسكرية لن تزود (اكس) بشيء، ولن تضمه في معارك مستقبلية، كما يقول إدريس. وإذا كان رعاته في الخارج، أو مانحون خصوصيون، فيقول إدريس أنه سيبلغهم بحقيقته، وهو شيء يقول إنه فعله أصلاً بالرغم من أنه رفض الكشف عن المجموعات التي كانت قد تعرضت للتوبيخ والتقريع. ويقول: "ليس لدى السوريين وقت لأداء هذه المسرحيات".
ويقول إدريس إنه إذا ما استطاع تنظيم وتنسيق أكثر قليلاً من نصف المجموعات على الأرض، فإنه سيعتبر ذلك نجاحاً "لأن ما يتراوح بين 70-80 % من الرجال المقاتلين هم مدنيون (أي ليسوا منشقين) ولهم قادة مدنيون. وهم ليسوا معتادين على أن يقال لهم: كلا لا تستطيع المشاركة في هذا القتال. المقاتل يحارب بمحض إرادته، وقد اشترى بندقيته الخاصة، وقد يكون أخوه قد قتل وابنه قد جرح. فكيف لي فرض أي شيء عليه؟ لا أستطيع ذلك". ويقول إدريس إن الجنود متعودون على تلقي الأوامر. أما المدنيون المسلحون، فلا.
ويقول إدريس: "إن بشار ليس أفضل منا حالاً في تنظيم رجاله، لكنه يتوافر على سلطة الدولة". ويضيف: "باستطاعته أن يعوّل على ذلك ويعاقب رجلاً لا يطيع الأوامر. إنه ليس بالشيء السهل (بالنسبة لنا). ومن الصعب جداً أن نتقنه".

*نشر هذه التقرير تحت عنوان:
Syria’s Many Militias: Inside the Chaos of the Anti-Assad Rebellion

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق