احتمالات تجدد الصراعات في العالم

تم نشره في الأربعاء 13 آذار / مارس 2013. 03:00 صباحاً

سيرجي كاراجانوف*
موسكو- خلال حقبة الحرب الباردة، قام الاتحاد السوفياتي -والولايات المتحدة الأميركية بدرجة أقل- بفرض حدود خارجية على نشاطات الدول والمجتمعات، ما تسبب في تجميد صراعات كانت موجودة منذ فترة طويلة بين الدول الأصغر. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينيات، تجددت تلك الصراعات مرة أخرى.
ومع تصاعد التوترات العرقية، كانت يوغسلافيا أول بلد يتجه للصراع. وبعد ذلك بوقت قصير، نشبت الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، وتلاها صراع في ترانسدنيستريا والشيشان. وبينما تم التعامل مع بعض الصراعات –حيث تدخل الغرب عسكريا في نهاية المطاف في يوغسلافيا السابقة، وحاربت روسيا في الشيشان لعقد من الزمان تقريبا وفرضت السلام في ترانسدنيستريا– تم ببساطة تجميد صراعات أخرى مرة ثانية، مثل الصراع بين أرمينيا وأذربيجان.
ولحسن الحظ، لم تنشب جميع الصراعات المحتملة. فالاتحاد السوفياتي لم يغرق في بحر العنف مثل معظم الامبراطوريات –ولا يوجد تفسير لهذه النتيجة إلا التدخل الالهي أو مجرد الحظ. وبالرغم من تعاظم المشاعر القومية والشكوك المتبادلة، تمكنت بلدان وسط وشرق أوروبا من تجنب الصراع بفضل قبولها السريع في الناتو والاتحاد الأوروبي.
وفي تلك اللحظة، تنفس العالم الصعداء بشكل جماعي. ولكن، مع بدايات الألفية الثالثة، اشعلت العولمة جولة ثانية من الصراعات، وذلك بسبب تسهيلها النمو الاقتصادي السريع في الدول الآسيوية التي كانت مقيدة لقرنين من الزمان بالهيمنة الغربية، وقواعد ومؤسسات الحرب الباردة، وتفشي الفقر.
ومع انتعاش الاقتصادات تزايد النفوذ الاستراتيجي، ما أفضى إلى صعود الجانب الجيوسياسي الاقليمي الذي تشكل على اساس المصالح والمخاوف بدلاً من القوى الخارجية. وقد عمل فشل الغرب في العراق وافغانستان وما تلا ذلك من ازمة اقتصادية عالمية (التي فضحت الضعف الهيكلي الكبير في الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الأوروبي ولم تستطع حكوماتها الديمقراطية أن تحلها) على تسريع هذه العملية.
ونتيجة لذلك، قامت أوروبا عمليا بالتخلي عن دورها الجيوسياسي العالمي، حيث لا توجد أي دلائل تقريبا على تواجدها في شرق آسيا باستثناء التجارة. وبالرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية احتفظت بنفوذ كبير، فإن المشاكل الاقتصادية الهيكلية ووجود النخب المقسمة، وهزيمتين عسكريتين على الأرض، كلها عوامل حدّت من قدرتها على ممارسة هذا النفوذ.
وفي السياق الجديد، فإن التحالفات القديمة، مثل منظمة معاهدة جنوب شرق اسيا، ومنظمة معاهدة الشرق الأوسط، ومعاهدة الأمن التي تضم استراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة الاميركية، إما أنها ماتت أو تشارف على الموت. وقد أثبت تشكيل تحالفات جديدة صعوبته، حيث ترفض الهند ما اقترحته الولايات المتحدة بتواضع غير معهود.
وفي غضون ذلك، أصبحت آسيا مشغولة بتزايد الصراعات الاقليمية في جنوب وشرق بحر الصين، حيث تحيي الدول مطالبات قديمة ضد بعضها بعضا. وتنخرط منطقة شرق وجنوب اسيا في سباق تسلح تدور رحاه بشكل رئيسي في البحر. فالكل يخاف من الصين التي ما تزال مسالمة نسبياً، لكنها لم تعد تهتم بإخفاء قدرتها العسكرية المتعاظمة. ومع عدم وجود توقعات لقيام كيان أمني آسيوي في المستقبل القريب، فإن خروج الغرب من المنطقة يولد الفراغ الأمني.
أما في منطقة الشرق الأوسط الكبرى، فقد أدى سقوط الدكتاتوريات العلمانية الواحدة تلو الاخرى، مع تناقص السيطرة الدولية، إلى ظهور مشاعر جديدة من الشك والخلافات الدينية وانعدام الثقة بالغرباء بشكل عام وبالغرب بشكل خاص، وإعادة إحياء لمشاعر قديمة مشابهة. وكنتيجة لذلك، دخلت المنطقة في مرحلة من الصراعات والتردي الاجتماعي وتصاعد المشاعر القومية والتطرف الديني.
لكن الأمر الأكثر تهديداً هو احتمال أن يؤدي انهيار الاتحاد الأوروبي إلى تجدد الصراعات للمرة الثالثة. فقد تم تأسيس الاتحاد الأوروبي من أجل كسر حلقة المشاعر القومية المدمرة داخل أوروبا، والتي ساهمت في صعود نظامين استبدادين تسببا في حربين عالميتين، وكان تأسيس الاتحاد بمثابة خلق نموذج للنظام العالمي الانساني. وبعد أن كانت أوروبا أسوأ عدو لنفسها وللعالم لقرون، أصبحت أوروبا بفضل الاتحاد منارة للسلام.
لكن القادة الأوروبيين الذين اعتمدوا على إنجازات مؤسسي الاتحاد الأوروبي فشلوا بشكل عام في استيعاب التحديات التنافسية التي تشكلها العولمة، حيث يبدو أنهم قد نسوا أن الدافع الضمني للمشروع الأوروبي كان سياسياً وليس اقتصادياً، ما دفعهم إلى الاستعجال في توسيع الاتحاد وتحديد اهداف غير واقعية. والآن، ترتب عليهم أن يدفعوا ثمن اخطائهم عن طريق إصلاح الاطار المؤسساتي الكامل للاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو.
وفي الوقت نفسه، يجب على الأوروبيين أن يستعدوا لتحول أكثر عمقاً. ومن أجل استعادة التنافسية الاقتصادية، يتوجب على البلدان الاوروبية أن تتخلى عن الكثير من سياساتها المبنية على اساس تعزيز الرعاية الاجتماعية واصلاح مؤسساتها السياسية. ويفضل معظم الأوروبيين تجاهل  تحدي الاصلاح الجذري الذي يلوح في الأفق، وذلك لأن هذا الاصلاح ينطوي على إمكانية حدوث انخفاض في مستويات المعيشة.
يجب على القادة العالميين أن يشجعوا أوروبا على التعامل مع مشاكلها بشكل حاسم عن طريق تقديم المشورة والدعم المالي والنقد البناء. ويتوجب على روسيا أن تستمر في الضغط من أجل انشاء تحالف أوروبا، وهو اطار جديد للعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا وبقية مناطق أوروبا الكبرى، والذي يمكن أن يكون طريق الخلاص من ازمة أوروبا المتعلقة بالمنظومات.
لقد كان لأول تجدد للصراع عواقب وخيمة. والآن، يتوجب على القادة الدوليين أن يعملوا على التقليل من تداعيات تجدد الصراع للمرة الثانية، واستخدام كل الوسائل الممكنة لمنع تجدد الصراع للمرة الثالثة.

*رئيس فخري للجنة التنفيذية الدائمة لمجلس سياسات الخارجية والدفاع، وهو عميد معهد الاقتصادات العالمية والشؤون الدولية ضمن المعهد الاعلى للاقتصادات في جامعة الابحاث الوطنية الروسية.
خاص بـالغد، بالتعاون مع خدمة بروجيكت سنديكيت، 2013

التعليق